الإرادة

عامٌ مر على من لا يُحصَون

 

يمرّ العام كما تمرّ الأرقام على الشاشات: تواريخ تُغلق، أحداث تُختصر، وبيانات تُجمَّل.
لكن خلف هذا العبور السريع، هناك عامٌ كامل عاشه أناس لم يدخلوا الجداول، ولم تُحسب خسائرهم بدقّة، ولم تُرفع صورهم في تقارير “الإنجاز”.

هذا العام مرّ ثقيلًا على من لا يُحصَون.

مرّ على الأشخاص ذوي الإعاقة الذين واجهوا الحرب والفقر والإهمال بثلاثة أضعاف، بلا وصول، بلا خدمات، وبلا صوت مسموع.
مرّ على أمهات تعلّمن أن يكنّ ممرضات، ومدافعات، ومعيلات، في وقت واحد، دون إي احساس بالأمان.
مرّ على العائدين إلى بيوت لم تعد بيوتاً، وإلى مدن لا تشبه الذاكرة، وعلى من حُمّلوا عبء “العودة” دون أن تُوفَّر لهم شروط الكرامة.
مرّ على المعتقلين والمغيّبين قسراً، وعلى عائلاتهم التي تعيش عاماً آخر بلا خبر، بلا وداع، وبلا عدالة.

في نهاية السنة، يُسأل عادة: ماذا أنجزنا؟
لكن السؤال الأصدق هو: من تُرك خلفنا؟

العدالة لا تُقاس بعدد المشاريع، بل بمن شملتهم.
والتعافي لا يبدأ بالخرائط، بل بالاعتراف بمن هم خارجها.
والمجتمع لا يكون معافى إذا كان أضعف أفراده هم آخر من يُفكَّر بهم.

في إرادة، لا نكتب لنجمل الخسارة، ولا لنصنع وهم التفاؤل.
نكتب لأن التسمية فعل مقاومة، ولأن الاعتراف بداية الطريق.
نكتب لنقول إن الذين لا يُحصَون ليسوا أرقاماً منسيّة، بل بشراً لهم أسماء، وحكايات، وحقوق مؤجّلة.

في آخر يوم من السنة، لا نعد بنهاية سعيدة،
لكننا نعد بشيء واحد:
أن لا نغلق الصفحة قبل أن نذكر من ظلّوا خارج العنوان.

عامٌ آخر يمضي…
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل سيكون القادم أوسع عدلاً، أم أكثر صمتاً؟