يقدّم فيلم «جيران» (2021) للمخرج الكردي السوري مانو خليل قراءة إنسانية حسّاسة لمرحلة منسية من التاريخ السوري، من خلال عين طفل في السادسة من عمره يُدعى شيرو. تدور الأحداث في قرية كردية يهودية في الجزيرة السورية مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث تتقاطع سياسات حزب البعث مع تفاصيل الحياة اليومية، لتتحول المدرسة، واللغة، وحتى اللعب، إلى أدوات ضبط أيديولوجي. يواجه شيرو في يومه الأول في المدرسة معلمًا حزبيًا قادمًا من دمشق، يفرض اللغة العربية، ويجبر الأطفال على ترديد شعارات قومية لا تشبههم، وتعليق صور حافظ الأسد بوصفه «القائد الخالد». في الخلفية، نشهد بداية هجرة اليهود نتيجة التضييق، ما يضيف طبقة أخرى من القمع القائم على الإقصاء والتمييز. هكذا يرسم الفيلم مشهدًا لمجتمعٍ كانت الأرض تجمعه، قبل أن تمزقه السياسة. تكمن قوة «جيران» في اعتماده السخرية بوصفها أداة مقاومة. فبدل الخطاب المباشر، يستخدم خليل منظور الطفولة ليكشف عبثية الاستبداد، محولًا السلطة إلى مادة هزلية تفقد هيبتها أمام بساطة الإنسان. فنيًا، يتسم الفيلم بلغة بصرية هادئة: ألوان ترابية، لقطات ثابتة وطويلة، وفضاءات شبه فارغة، تعكس الجفاف الروحي الذي يخلّفه القمع. صُوّر الفيلم في دهوك بإقليم كردستان العراق، ما منح العمل أصالة مكانية قريبة من جغرافيا الذاكرة التي يستعيدها. وبين قسوة السياسات وبساطة العلاقات الإنسانية، يقدّم «جيران» شهادة سينمائية نادرة عن معاناة الأكراد واليهود في سوريا، ويضع الطفولة في موقعها الحقيقي: ليس كضحية فقط، بل كقوة أخلاقية قادرة على فضح الظلم، والتذكير بأن الكرامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة.
استمع للمقال
منصة إرادة- خليل سرحيل:
في خطوة لافتة، عرض نادي سينما جرمانا فيلم “جيران” للمرة الأولى في دمشق في نهاية العام الماضي، وهو فيلم روائي طويل للمخرج الكردي السوري مانو خليل، ومن بطولة: جلال الطويل، سرمد خليل، زيرك، جهاد عبدو، ومازن الناطور.
الفيلم الذي يعرض لأول مرة في الجغرافيا السورية، القضية الكردية، يعالج، بحسٍّ فكاهيّ ساخر، عبر قصة الطفل شيرو، الآثار العميقة التي تركتها حقبة دكتاتورية آل الأسد على أبناء المجتمع المحلي في مناطق الجزيرة السورية، كاشفًا كيف يصبح الانتماء جريمة، وكيف تتحول السياسة إلى أداة قمع يومي تمسّ أبسط تفاصيل الطفولة والانتماء.
بين امتدادٍ صحراويٍّ ثقيل وتاريخٍ مثقل بقضية الأكراد، يأتي فيلم «جيران» بسخريته الحسّاسة من الإنسان الفرد، وبسؤاله المؤلم عن معنى الوطن وتعريفه وانتماء الإنسان للأرض التي يكبر عليها. يروي الفيلم حكايته من منظور طفل بريء، شيرو، يحاول الكون التغلب عليه وإخضاعه، بدءًا من المدرسة، وليس انتهاءً بحزب البعث القادم من العاصمة.
الفيلم، الذي صدر عام 2021 كإنتاج مشترك سويسري–فرنسي، مستوحى من ذكريات طفولة مانو خليل في قرية كردية على الحدود السورية–التركية في أوائل الثمانينيات. وقد حقق نجاحًا دوليًا لافتًا، حاصدًا أكثر من خمسين جائزة في مهرجانات سينمائية عالمية، من بينها جائزة روتردام للفيلم العربي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان سان فرانسيسكو للنفاد السينمائيين.
تدور القصة حول شيرو، طفل كردي في السادسة من عمره، يواجه في يومه الدراسي الأول نظام حزب البعث، ممثلًا بمعلم حزبي جديد يُفرض على القرية، ويجبر الأطفال على التحدث بالعربية، وتعليق صور حافظ الأسد، ومعاملته ككائن شبه مقدس، وتلقّي خطاب قومي عن العروبة، لا مكان لهم فيه. يخبرنا الفيلم عن شعور الأرض التي تجمع والسياسة التي تفرق.
تكمن الأهمية السياسية للفيلم في كشفه سياسات التعريب ومعاداة السامية في ظل حكم الديكتاتورية الأسدية، مستخدمًا الطفولة كعدسة فنية تفضح عبثية الاستبداد وغطرسته. بينما يبرز فنياً من خلال دمج الفكاهة مع الدراما، ليقدّم عملًا إنسانيًا يدعو إلى الكرامة والتعافي وسط زمن الصراعات.
يتميّز الأسلوب الفني للفيلم بتوازنٍ دقيق بين الواقعية الخافتة والتعبير الشاعري، إذ يستخدم خليل منظور الطفل لمواجهة البيئة الصحراوية بوصفها رمزًا للجفاف الروحي في ظل القمع. ويعتمد على ألوانٍ أرضية غير مشبعة ولقطات ثابتة وطويلة، وفراغ بصري يملؤه الديكتاتور الغائب-الحاضر-البعيد. ومن خلال ذلك، يعبّر المخرج عن مساحة مهدَّدة بالانقسام، حيث يتحوّل الجيران إلى أعداء بأمر حزب البعث.
ورغم وحشية الواقع الذي يقدّمه الفيلم، تبقى فكرته الأساسية متمحورة حول الإنسان بوصفه محورًا للمقاومة، يحافظ على كرامته عبر الروابط العائلية والصداقات، في مواجهة سلطة تقوم على الخوف والتلقين. هذا النهج، المستوحى جزئيًا من سينما فلليني، يمزج السحر الطفولي بالقسوة، ليحوّل الفيلم إلى لوحة إنسانية شاعرية تدافع عن براءة الطفولة باعتبارها سلاحًا في وجه الظلم، وتذكّرنا بأن الجمال قادر على أن ينبت حتى في أكثر الأراضي قحولة.
صُوّر الفيلم في منطقة دهوك في إقليم كردستان العراق، قرب الحدود التركية، في بيئة تشبه جغرافيا الطفولة التي عاشها المخرج. وقد منح ذلك العمل أصالة مكانية قريبة لجغرافية مدن الفرات تعكس المناظر الصحراوية والانهار ضمن بيئة ريفية بسيطة وساحرة في آن.
أدّى الأدوار كل من سرهد خليل بدور شيرو، جهاد عبدو بدور اليهودي، مازن الناطور بدور الرفيق جاسم، وجلال الطويل بدور المعلم البعثي.
وبين عفوية الطفولة وقسوة الأنظمة، تأتي السياسة لتظهر كضيفٍ ثقيلٍ للغاية، حيث يصوّر الفيلم سياسات التعريب التي سعت إلى محو اللغة الكردية في المناطق الكردية السورية، من خلال مدرسٍ حزبي قادم من دمشق، يجبر الطلاب على ترديد شعارات قومية لا مكان لهم فيها. ولا يتوقف هذا القمع عند حدود المدرسة، بل يمتدّ إلى حرمان اليهود من الجنسية ودفعهم إلى الهجرة السرية.
ويُقابل الفيلم هذا العنف السياسي بالسخرية، بوصفها عنصرًا أساسيًا يفضح عبثية السلطة؛ كتصوير المعلم على هيئة مهرّج يشرح للطلاب الصهيونية باعتبارها عدوًا خياليًا، أو عبر تمثيل مسرحيات مدرسية تنتهي بطعن دميةٍ من القش بحماسٍ زائف على أنها «دولة إسرائيل»، مع الترويج لأفكار عنصرية تزعم أن اليهود يأكلون الأطفال في الأعياد.
هذه السخرية ليست سطحية، بل سخرية شاعرية عميقة، تحوّل الوحشية إلى كائنٍ أعمى بلا وزن أمام صمود الإنسان وروحه الإنسانية، في مواجهة بربرية البعث التي قسّمت المجتمعات وزرعت الكراهية، ما يجعل الفيلم شهادة حسّاسة على معاناة الأكراد في زمن البعث.
يأخذ «جيران» مكانه ضمن سردية القضية الكردية الطويلة كعمل درامي نادر في السينما السورية يعالج الصراعات السورية بطريقة إنسانية، في ظل قلة الإنتاج السينمائي الروائي وهيمنة الفيلم الوثائقي على معالجة الحرب واللجوء. هنا، يبرز الفيلم كشهادة فنية تحول الواقع الشخصي الى رسالة عالمية، مستلهماً من تاريخ الاضطهاد الكردي ليربط الماضي بالحاضر، حيث لا جديد سوى الحرب والصراع والشتات والكثير الكثير من المقاومة .
جاء هذا العرض ضمن جولة “شاشة وحوار” التي ينظمها نادي سينما جرمانا في عدد من المناطق السورية، بدعم من مؤسسة اتجاهات – ثقافة مستقلة.
