في الثامن من كانون الأول، شهدت سوريا انهياراً عسكرياً تاريخياً، حيث انسحب الجنود من مواقعهم تاركين وراءهم منظومة عسكرية مدمرة وذات سمعة سيئة وتاريخ أسود. لاحقاً، مُنح هؤلاء الجنود والضباط السابقون "بطاقة تسوية"، والتي كان من المفترض أن تكون أداة لإعادة إدماجهم في الحياة المدنية، لكنها تحولت بسرعة إلى وصمة عار و"صك اتهام" يلاحق حامليها. التقرير يوثق كيف أصبحت هذه البطاقة سبباً للانتهاكات والإهانات المتكررة على الحواجز الأمنية، مما دفع بالكثيرين للتخفي أو تغيير مساراتهم اليومية لتجنب المواجهات. كما أثرت سلباً على فرص عملهم، حيث تتردد المؤسسات في توظيفهم خوفاً من المساءلة. تزداد المعاناة بشكل مضاعف بالنسبة للمصابين، الذين باتت إعاقاتهم الجسدية الظاهرة بمثابة دليل إدانة وتحولت أطرافهم المبتورة إلى شبهة يجب تبريرها. لقد فقد هؤلاء الأفراد الامتيازات المحدودة التي كانوا يحصلون عليها سابقاً، ليجدوا أنفسهم بلا دعم طبي أو مالي، مما جعلهم عبئاً على أسرهم ومجتمعهم. التقرير يؤكد أن هذه المأساة لا تقتصر على فئة معينة، بل تشمل جميع مصابي الحرب ممن دفعوا ثمناً باهظاً في حرب لم يختاروها بالضرورة، إذ أجبرتهم الظروف الاقتصادية وغياب فرص العمل على الانخراط فيها. ويختتم التقرير بالدعوة إلى برنامج وطني شامل للتعريف القانوني، وجبر الضرر، والتأهيل النفسي والمهني لإعادة إدماجهم في المجتمع.
منصة إرادة- مادلين جليس
في الثامن من كانون الأول، تحول المشهد في سوريا من حالة صراع مرير إلى لحظة حاسمة، على الرغم من الاختلافات كثيرة حول توصيف ما جرى في ذلك اليوم، بين من اعتبره سقوطاً للنظام وبين من اعتبره توافقاً دولياً، أو حتى من رآه نصراً إلهياً. بعيداً عن هذه التفسيرات، كان المشهد العسكري على الأرض واضحاً، في اقتتال قوتين عسكريتين وخسارة إحداهما أمام الأخرى، مهما اختلفت أسباب تلك الخسارة.
لكن ما بقي في ذاكرة السوريين على امتداد البلاد لم يكن تفاصيل المعارك، بل صور الجنود وهم ينسحبون بشكل جماعي، يخلون مواقعهم، بعضهم خلع بزته العسكرية، فيما الآليات والدبابات مهجورة ومتروكة في الشوارع. هذه الصور، لم تكن مجرد نهاية لمعركة، بل مثّلت إعلاناً عملياً لانهيار المنظومة العسكرية، وتبعها قرار حلّ الجيش العربي السوري بكل تشكيلاته وقياداته، ما عنى سقوط الركيزة الأساسية للنظام الأسدي بكل ما رتبته من امتيازات لأفراده وضباطه.
بطاقة التسوية بين الأمل والوصمة
لاحقاً، تم التعامل مع هؤلاء الضباط والعسكريين، بمنحهم بطاقات تسوية. في الأشهر الأولى بعد السقوط، تتالت صور الأعداد الضخمة من العساكر السابقين مصطفين على أبواب مراكز التسوية لاستلام بطاقاتهم من السلطة الجديدة التي تولت مقاليد الحكم في البلاد. ورغم أن هذا الإجراء بدا في ظاهره خطوة لإعادة دمجهم في الحياة المدنية، إلا أن هذه البطاقة تحولت بسرعة إلى وصمة، وشكلت واحدة من أهم التحديات لدى حامليها حتى أصبحت نقمة عليهم. ووفقاً لتقارير حقوقية وشواهد ميدانية، لم تكن البطاقة مجرد وثيقة، بل باتت بمثابة “صك اتهام” يلاحق حامله. فقد تتم توثيق حالات عديدة من الانتهاكات والإهانات لحاملي هذه البطاقات سواء في عمليات التفتيش أو على الحواجز الأمنية.
هذه المعاملة القائمة في كثير من الأحيان على المزاجية الشخصية، أعادت إلى أذهان السوريين سنوات من الإذلال على حواجز النظام. هذا الخوف من “الحاجز” جعلت كثيرين من حاملي بطاقات التسوية يتوارون عن الأنظار. فضل (حاتم.ح)، وهو جندي سابق، العودة إلى قريته لاعتبارها ملاذاً آمناً يجنّبه الاحتكاك المستمر مع الحواجز، كما أن الطرقات الريفية أكثر مرونة للاختباء والهرب في حال تم الإبلاغ عن أي عملية أمنية وعسكرية تتجه لمنطقته. أما (قاسم.ع)، اختار البقاء في دمشق خوفاً من خسارة عمله، لكن هذا البقاء فرض عليه حمل مخاوفه أينما ذهب، مما يدفعه لتغيير طريقه أو اللجوء إلى السير على الأقدام لتجاوز نقاط التفتيش.
هذا التضييق لا يقتصر على الحواجز الأمنية فقط، بل أصبح ظاهرة اجتماعية واقتصادية، حيث بدأت بعض المؤسسات تتردد في توظيف حاملي بطاقة التسوية، خشية تعرض أصحاب العمل للمساءلة، لتوظيفهم هذه الفئة “الموصومة” خصوصًا أن حاملها غالبًا لا يمتلك هوية مدنية بديلة. ولا تتوفر إحصاءات وطنية دقيقة لعدد بطاقات التسوية التي تم منحها منذ سقوط النظام، لكن تقديرات 2023 لعديد الجيش السوري السابق كانت نحو 170ألفًا.
صك إدانة: الإعاقة كوصمة
تزداد المعاناة بشكل مضاعف بالنسبة للمصابين والجرحى. هؤلاء لا يحتاجون وثيقة ورقية كي يُعرَفوا؛ إصاباتهم تتحدث عنهم وتضعهم تلقائيًا في خانة الشبهة، فقد تحوّلت إعاقاتهم الجسدية الظاهرة إلى بطاقة “تسوية” دائمة وفاضحة.
يروي (رامي. ن) قصة اقتحام منزله، حيث منعته إصابته بالشلل النصفي عن الاختباء أو حتى التحرك إلى زاوية الغرفة. انهال عليه أحدهم بالضرب والإهانة على اعتبار أنه بالتأكيد مقاتل مصاب في الجيش السابق، دون أن يمنحه فرصة ليشرح أنه أصيب في حادث إداري، وأنه لم يقاتل يومًا، ولم يطلق رصاصة واحدة. يصف رامي حالته قائلاً: “إصابتي كانت تهمتي والكرسي المتحرك كان دليل الإدانة المرئي الذي لا يقبل الشك في وقت لا أملك حتى فرصة الهرب على قدمين”.
لم يتحمّل المصابون الإهانات اللفظية والجسدية فقط، بل إن كثيراً منهم تحملوا شعور العجز، العجز عن المناورة والهرب والاختباء لحين انتهاء العملية الأمنية وبالتالي فهم مجبرون على تحمل كل ما يلقونه بصمت أمام من لا يملكون أي احترام لإعاقاتهم، بل يحدث العكس، فتصبح الإعاقة دليلاً على الإصابة في المعركة، ويتم التعامل معهم على أنهم متهمون، وأحياناً، لا يتم الاكتفاء بالاتهام، بل يتم إصدار الحكم وتنفيذ العقوبة تبعاً لذلك.
من الامتيازات إلى العزلة: ثمن باهظ للحرب
في عهد النظام السابق، كان مصابو الحرب من العسكريين يحظون ببعض الامتيازات المادية والمعنوية، علاج جزئي، سلال إغاثية، تراخيص أكشاك، وتأمين بعض فرص العمل البسيطة. ورغم أن هذه المساعدات كانت محدودة، لكنها شكلت للبعض “البحصة التي تسند الجرّة ” في ظل الواقع الاقتصادي الكارثي في سوريا. مع سقوط النظام، سقطت كل هذه الامتيازات، تاركة إياهم في مواجهة مصير مجهول. وجد المصابون أنفسهم محرومين من العلاج والدواء والتعويض الشهري، وباتوا عبئًا على أسرهم ومحيطهم، وهو عبء محمل بوصمة عار سواء بسبب رفض غالبية المجتمع مساعدتهم وتأمين فرص عمل لهم أو محدودية قدرات أغلبهم الجسدية على العمل فضلاً عن الاحتياجات المتزايدة بالنسبة لهم على صعيد الدواء والعلاج وغيرها.
إن وصف هؤلاء الأشخاص بأنهم كانوا مجرد “مقاتلين سابقين” وحالياً جرحى ومعوقين فقط، هو تبسيط لحالتهم الإنسانية. فقبل إصابتهم وبعدها، هم أفراد وأرباب أسر يعيلون عائلاتهم وأطفالهم. وحرمانهم من فرص العمل والدعم الصحي ليس مجرد قرارات إدارية، بل أحكام تجعلهم عرضةً لوصمٍ اجتماعي مضاعف: صورة «العاطل/المشبوه» التي تجعل أبواب المجتمع موصدة أمامهم.
الأرقام توضّح هشاشة التعويضات التي كانت تعطى لمصابي الجيش: عام 2016، كان راتب الجندي الأساسي حوالي 18 ألف ل.س شهريًا—ما يعادل أقل من 30 دولارًا. في 2021 تقرر منح قروض لجرحى الجيش بمتوسط 5 ملايين ل.س للفرد، ومنحت بعض الفئات 50 ألف ل.س شهريًا لعشر سنوات لمن تراوحت نسبة عجزهم بين 40 و65%. أما في 2023، فقد ارتفعت التعويضات إلى 200–280ألف ل.س شهريًا حسب نسبة العجز، وهو مبلغ بالكاد يغطي تكاليف دواء واحد من أدوية العلاج الفيزيائي أو مضادات الالتهاب.
مصير مشترك: قضية تتجاوز الانتماء
المأساة لم تخص طائفة أو منطقة بعينها. فمصابو الحرب ينحدرون من مختلف مناطق وفئات المجتمع السوري. ورغم أن ظروف بعضهم قد تمنحهم فرصة أكبر للاندماج الاجتماعي، إلا أن المشكلة تبقى جوهرية وتستدعي معالجة شاملة وعلى الرغم من الاعتراف أن حدة هذه المشكلة تختلف أيضاً تبعاً لاعتبارات مناطقية وهوياتية، إلا أن الحقيقة تقول أن التعامل السلبي والتمييزي شمل كل مصابي الحرب من الجيش السوري المنحل.
إن من الخطأ تعميم تهمة الانتهاكات على الجميع قبل إجراء محاكمات عادلة. فكثيرون منهم لم يختاروا الانخراط في القتال، بل أجبروا عليه بسبب ظروف قاهرة، أبرزها التجنيد الإجباري وغياب فرص العمل. هذه المعاناة لا تقتصر على من قاتلوا في صفوف الجيش السابق، بل تنسحب على كل من استندت إليهم الأطراف المتناحرة كـ “خزان بشري” في حرب لم تكن هوايتهم، بل لأن القتال أصبح في لحظة ما «فرصة عمل» في بلدٍ استنزفته البطالة.
واليوم، بعد أن فقدوا أطرافهم أو صحتهم، يُعاملون كرموز لماضٍ منبوذ بدل أن يُنظر إليهم كبشر دفعوا ثمن خيارات لم تكن دائمًا بأيديهم. إذا كان الهدف من «التسوية» هو طيّ صفحة الحرب، فإن البطاقة وحدها لا تكفي. المطلوب هو تعريف قانوني واضح للعساكر الذين لم يرتكبوا انتهاكات، وبرنامج جبر ضرر وطني يشمل علاجًا وتأهيلًا نفسيًا ومهنيًا، ومعاشات واقعية تُقاس بكلفة المعيشة، ومسارات إدماج اجتماعي واقتصادي. من دون ذلك، سيبقى الجرحى والمصابون—من فقدوا ساقًا أو عينًا أو قدرةً على العمل—«حاضرين/غائبين»: حاضرون بما يُرى من عجزهم، وغائبون عمّا يستحقونه من مواطنة.
