الإرادة

“ذاكرة اعتقال”: ذكرى أليمة تُتوَّج بالانتصار ومسرح يختلط بالخطابات

الخط

قدّمت فرقة مسرحية شبابية من حلب وإدلب وحماة عرضًا بعنوان ذاكرة اعتقال، تناولت فيه قصص المعتقلين والاختفاء القسري في سجون النظام السوري السابق. المسرحية، التي استضافتها مديرية ثقافة حمص، وُصفت بأنها "صرخة في وجه القيد وإرادة حياة لا تُهزم". افتُتح العرض بمشهدٍ مظلم وصوت قطرات ماء متساقطة، وموسيقى حزينة تتداخل مع صرخات الممثلين. في وسط الخشبة مشنقة، وعلى جانبيها أدوات تعذيب، لتشكل خلفية خانقة للسجين الذي يحمل السردية الأساسية للعمل. تدور الأحداث بينه وبين أمه وزوجته وأخته، في حوارات يغلب عليها النشيج والحنين، بينما يظهر السجّان ليعيد مشهد التعذيب والقهر. صفّق الجمهور طويلاً، لا لجمال النص أو براعة الأداء، بل لأن المسرحية لامست ذاكرتهم الجمعية وآلامهم الشخصية، فكان التصفيق احتفاءً بصمودهم وانتصارهم الرمزي على الظلم. لكن من منظورٍ نقدي، يبقى العمل أقرب إلى المسرح الدعائي السياسي منه إلى الفن المسرحي المتكامل؛ إذ غاب عنه الصراع الدرامي العميق والبعد الجمالي الضروري لدوام الأثر الفني. ومع ذلك، يُحسب للمخرج ومجموعته شجاعتهم في مقاربة موضوع الذاكرة والاعتقال بهذا القدر من الصدق، ولو بأسلوب مباشر. ذاكرة اعتقال ليست عملاً متكاملاً فنيًا، لكنها شهادة مسرحية على مرحلة من الألم السوري، وبذرة أولى في مسارٍ طويل نحو مسرحٍ يعبّر بعمق عن الإنسان السوري وذاكرته الجمعية.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

في الدعوة العامة التي وجّهتها مديرية ثقافة حمص للجمهور لحضور المسرحية، كُتب:

«ليست مجرد مسرحية، بل صرخة في وجه القيد، وإرادة حياة لا تُهزَم. ذاكرة اعتقال” تفتح أبواب الذاكرة لتشهدوا صراع الإنسان من أجل الحرية»

إن عرضًا مسرحيًا مثل ذاكرة اعتقال يعيد إلى ذهنك بعد مشاهدته السؤال: ما هو الفن؟ بل ما هو الفن المسرحي على وجه الخصوص؟ وهو سؤال في الماهية، سؤال فلسفي ومعرفي وجمالي في آن واحد. يا له من سؤال مؤلم ومثير للجدل في إجاباته، لكن، ورغم كل الاختلاف، تبقى هناك أساسيات وقواعد ثابتة؛ بغيابها لا يعود الفن فنًا، ولا الدراما دراما.

مسرحية ذاكرة اعتقال: تأليف المجموعة - إخراج محمد مروان ادلبي

وفي النقد الفني يجب أن نميّز بين ثلاثة مفاهيم: الفن والجمال والاستطيقي. فلفظ “الفن” يشير إلى إنتاج موضوعات أو خلقها عن طريق نوع من الجهد البشري؛ وهكذا نتحدث عن الفنان الخلّاق وعن نتاج نشاطه وهو “العمل الفني”.

أما “الجمال” فيشير إلى جاذبية الأشياء أو قيمتها، في حين أن “الاستطيقي” أقل هذه الألفاظ شيوعًا، وعندما يُستخدم يحتفظ في كثير من الأحيان بمعنى اللفظ اليوناني الذي اشتق منه، إذ أنه يشير إلى إدراك موضوعات طريفة والتطلع إليها، ومن الواضح أن خلق الموضوعات، وقيمة الموضوعات وإدراكها، هي أمور مختلفة كل الاختلاف.

وإذا كان الفن المسرحي ـ كدراما أو تراجيديا ـ في جوهره هو صراع الأضداد، فإن غياب هذا الصراع في العرض المسرحي ينفي عنه صفة الفن. وهذا ما يُمكّننا من إطلاق حكمنا على عرض ذاكرة اعتقال، العرض الذي قدّمته فرقة مسرحية تشكّلت من ممثلين وممثلات من مدن حلب وإدلب وحماة.

أرادت هذه الفرقة الشبابية أن توثّق قصص الاعتقال والغياب القسري في عهد النظام السابق. يقول المخرج:

“أحببنا أن نسلّط الضوء على المعتقلين الذين كانوا في سجون النظام البائد، لأنهم برأينا الشعلة والمنارة لنجاح هذه الثورة، وتحرّرنا من قيود نظام دكتاتوري ظالم.”

يا له من هدف نبيل أراد المخرج ومجموعته تحقيقه.

وقد لجأ إلى سردية عن أحد المعتقلين في سجن من سجون النظام المجرم، وقبل أن يبدأ العرض، ومنذ دخول أول متفرج، يدوي في الصالة صوت رتيب لنقاط ماء تسقط بشكل متزامن ومزعج، وجدران الخشبة سوداء، وفي منتصف فضاء المسرح مشنقة، وعلى اليسار قليلاً ضوء متدلٍ، وفي أقصى يسار المقدمة برميل ماء عكر ومتّسخ، وعلى يمين ويسار المشنقة دولابان معلّقان يُستخدمان لتعذيب السجناء.

يبدأ العرض مشيراً بواسطة الأصوات ليس إلا عن مظاهرات تحدث تطالب بالحرية، وصوت إطلاق رصاص، وعلى إثره يُستشهد شابان ناما على يمين ويسار مقدمة المسرح طيلة العرض، بينما يندفع أو يُدفع داخل الزنزانة سجين، هو حامل سردية العرض المسرحي الإخبارية المتشنجة، وغير المتّسقة إنسانيًا ودراميًا، لتناقض مواقفها في لحظتين مفصليتين داخل الزنزانة.

وبين صوت سقوط تنقيط الماء والموسيقى حزينة التي تعلو أحيانا على صوت الممثلين، تقدّم الفرقة حكاية ذاك السجين؛ فتحضر أمه تارة بنفسها وتارة كظل خلف ستارة قماشية بضوء أحمر، وكذلك هو حضور أخته وزوجته.

كل الحوار مع السجين البطل هو حوار لا يخرج عن الشكوى والنشيج والتذكارات، يتخلل هذه المشاهد دخول وخروج السجّان الجلاد، الذي يستعرض عنجهيته بابتكار أساليب تعذيب لإهانة السجين وانتزاع اعترافاته أثناء التحقيق.

لا شك أن العرض يتحدث عن سنوات قاسية جدًا من حياة السوريين، خصوصًا بعد اندلاع ثورتهم طلبًا للكرامة والحرية. وقد صفّق الجمهور طويلاً لهذا العرض، لا لأن المسرحية كانت مبهرة نصًا وأداءً، بل لأن التصفيق الحار كان تصفيقاً لذواتهم؛ لانتصارهم على أسوأ نظام حاكم على مر التاريخ ربما. ومن حقّ الجمهور أن يفرح بانتصاره ويصفّق طويلاً لصمود أبطاله في السجون، ويستذكر بجلال واحترام شهدائه.

لكن، وبنظرة هادئة ومتأنية، وبمنظار الفن، يمكن القول ببساطة: إن هذا العرض وأشباهه في المسرح والسينما لن يصمد عبر الزمن؛ إنه مسرح يصنف تحت بند الدعائية السياسية، يشبه مسرح المناسبات العقائدية والتوعوية،كالمسارح الدينية في العصور الوسطى في أوروبا، والمسرح البلشفي بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا.

إنه لأمر طبيعي أن نشاهد هكذا عروض نبيلة الهدف، ضعيفة في حرفيتها، تتحدث عن فعل سام ونبيل وبطولي في قصة كفاح الشعب السوري وانتصاره، لكن سننتظر ربما سنوات لنرى إبداعات شتى في المسرح والسينما والرواية والقصة والشعر والموسيقى، تساهم في خلق وجدان الإنسان السوري وتصبح جزءاً هاما من ثقافته.