الإرادة

حصاد الألغام في 2025: الملف الأكثر دموية… والأكثر صمتًا

الخط

بعد عام على سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لم تتحول نهاية الحرب في سوريا إلى بداية آمنة كما كان مأمولًا. فبينما توقفت المعارك الكبرى، انفجر ملف آخر بصمتٍ أشدّ فتكًا: الألغام ومخلّفات الحرب المتفجرة، التي تحوّلت خلال عام 2025 إلى أحد أكثر أسباب الموت والإصابة بين المدنيين، خصوصًا الأطفال. تشير بيانات منظمات دولية، بينها “هالو تراست”، إلى مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 1600 مدني خلال عام واحد فقط بسبب الذخائر غير المنفجرة، من بينهم 165 طفلًا. ويُعد هذا الرقم الأعلى خلال خمس سنوات، في ظل غياب سجل وطني مركزي يوثّق الضحايا، ما يرجّح أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير. سوريا اليوم تُصنّف كثاني أخطر دولة في العالم من حيث حوادث الألغام بعد ميانمار. ترافقت هذه الأرقام مع موجة عودة واسعة، إذ عاد أكثر من 1.25 مليون لاجئ ونحو مليوني نازح داخليًا إلى مناطقهم، ليجد كثير منهم أن بيوتهم وأراضيهم تحولت إلى حقول موت. الأطفال كانوا الضحايا الأبرز: أثناء اللعب، الرعي، قطف الزيتون، أو مرافقة ذويهم في محاولات ترميم المنازل. محافظة دير الزور سجّلت أعلى معدلات الحوادث، حيث وقع ربع الانفجارات الموثقة في البلاد، وسط عجز طبي، وضعف إجراءات السلامة، وغياب أي خطط حكومية فعّالة لتطهير الأراضي أو تحذير السكان. الأخطر من ذلك هو توثيق حوادث لألغام يُعتقد أنها زُرعت حديثًا بعد سقوط النظام، في جريمة ما تزال بلا فاعل واضح. رغم جهود منظمات دولية في إزالة الذخائر والتوعية، تبقى الإمكانات محدودة مقارنة بحجم التلوث الهائل، في ظل نقص التمويل العالمي وتراجع الاهتمام الدولي. في سوريا 2025، انتهت الحرب رسميًا، لكن الأرض ما تزال تقاتل سكانها، وتحصد الأرواح بصمت.

منصة إرادة:

عام 2024، بدا أن الحرب انتهت أخيرًا. توقّف القصف، خفّت الجبهات، وبدأ السوريون رحلة العودة إلى مدنهم وقراهم بعد أربعة عشر عامًا من النزوح.
لكن ما لم يتوقف، وما لم يسقط مع النظام، هو الموت المؤجَّل المدفون تحت التراب. 

في عام 2025، تحوّل ملف الألغام ومخلّفات الحرب المتفجرة إلى أكثر ملفات ما بعد الحرب دموية، وإلى واحد من أكثرها تجاهلًا.
ضحايا بلا كاميرات، انفجارات بلا خصم، موت لا يعلن عن نفسه إلا بعد فوات الأوان، وناجون يحملون أطرافهم الصناعية معهم مدى الحياة

تحذّر مؤسسة “هالو تراست” من أن ما لا يقل عن 1600 مدني قُتلوا أو أُصيبوا بسبب الذخائر غير المنفجرة في سوريا خلال عام واحد فقط بعد سقوط النظام، من بينهم 165 طفلًا.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي الضحايا بلغ 1592 ضحية، بينهم 585 قتيلًا، وهو أعلى رقم يُسجّل منذ خمس سنوات، في ظل غياب سجل مركزي يوثق هذه الحوادث، ما يرجّح أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير.

اليوم، تُصنَّف سوريا كثاني أخطر دولة في العالم من حيث حوادث الذخائر غير المنفجرة، بعد ميانمار. وتعتبر حوادث الألغام ومخلفات الحرب المسبب الرئيسي لحالات بتر الأطراف في سوريا والتي سجلت رقم قياسي خلال العقد المنصرم، حيث يقدر عدد من فقدوا أحد أطرافهم بأكثر من مائة ألأف شخص حسب بيانات منظمة الصحة العالمية.

يقول سيمون جاكسون، مدير برنامج “هالو” في سوريا:
لقد تلطخت سنة من الأمل بالمأساة. يعود الناس إلى بيوتهم ليجدوا الموت في أطفالهم. منازل كاملة تحولت إلى فخاخ متعمدة بُنيت لبث الرعب في مجتمع يعيش أصلًا تحت صدمة جماعية”.

أطفال الزيتون… وألعاب الموت

في تشرين الثاني/نوفمبر، قُتل أربعة أطفال وأُصيب أربعة آخرون أثناء قطفهم الزيتون في ريف حماة، عندما انفجر لغم أرضي قديم.
وفي بلدة كناكر جنوبًا، أُصيب خمسة أطفال بجروح خطيرة بعدما ظنوا أن قنبلة عنقودية لعبة لامعة بين الأنقاض.

وفي منتصف هذا الشهر، انفجر جسم متفجر بطفل كان يرعى الأغنام في ريف إدلب الجنوبي.

حدثت هذه الانفجارات لتكون آخر المآسي “المسجلة” للموت المجاني الذي يأتي دون أي إنذار، أو مقدمات. مجرد خطوة أخرى عادية على أرضك قد تكلفك حياتك أو جزءاً من جسدك. يأتي الرعب المزروع في الأرض بينما يكون السوري ظن أنه يستطيع العودة إلى ممارسة حياته اليومية، كأن يعمل في حقله أو يرعى أغنامه أو يلعب مع أصدقائه، وفيما لم يعد يسمع أصوات الانفجارات القادمة من السماء، يأتيه الموت المخبأ في التراب، كتذكرة قاسية بالتركة “المشاع” للصراع الدامي.

العودة… طريق بلا ضمانات

تشير التقديرات إلى أن 1.25 مليون لاجئ ونحو مليوني نازح داخليًا عادوا إلى مناطقهم خلال العام الماضي. لكن العودة في سوريا ليست قرارًا آمنًا، بل مقامرة.

في تدمر، المدينة التي كانت تضم أكثر من 40 ألف نسمة وتعتمد على السياحة، لم يعد اليوم سوى 20 ألفًا. كثير من الآباء يقولون إن أبناءهم المنفيين في الدول المجاورة يرفضون العودة، ليس خوفًا من السياسة، بل من الأرض نفسها.

الألغام لا تعيق السكن فقط، بل تعطل الزراعة، والرعي، وإعادة بناء سبل العيش. الأرض التي يُفترض أن تعيل العائلة، قد تقتل أحد أفرادها.

بالنسبة للأخوين أسامة (6 سنوات) ويوسف (10 سنوات)، كان من المفترض أن يكون يوم العودة إلى البيت قرب إدلب يوم احتفال.
لكن أثناء لعبهما قرب الخيمة التي نصبها والدهما فوق أنقاض المنزل، انفجر لغم أرضي. فقد الشقيقان ساقيهما، وقُتل شقيقهما خالد (8 سنوات).
عادت العائلة بعد ست سنوات من الانتظار، ومعها حياة جديدة مليئة بالأطراف الصناعية، والعلاج الفيزيائي، والخوف الدائم.

يقول والدهم غسان: “لقد دُمرت عائلتي بالفعل. أسامة يحاول المشي وينسى أنه بلا ساقين”.

الأطفال يشكّلون 43% من ضحايا الألغام في سوريا.
قصتهم ليست استثناءً، بل نموذجًا متكررًا في بلد لم يُموَّل من نداء إزالة الألغام لعام 2024 سوى 13% فقط من أصل 51 مليون دولار.

دير الزور… بؤرة الخطر المفتوحة

وفق منظمات طبية، وقعت في محافظة دير الزور 26% من إجمالي الحوادث المسجلة. مستشفى دير الزور يستقبل تقريبًا مصابًا واحدًا يوميًا بانفجارات ألغام أو عبوات غير منفجرة. أطباء وممرضون يؤكدون أن الشهرين الأولين بعد سقوط النظام كانا الأكثر فتكًا، بسبب اندفاع الناس للعودة دون أي إجراءات سلامة أو تطهير.

محمود الجاسم، 27 عامًا، أب لأربعة أطفال، فقد ساقه أثناء محاولته العودة إلى منزله بعد سقوط النظام. داس على لغم قرب حاجز مهجور تابع للفرقة الرابعة.
كان واعيًا، يصرخ لتحذير صديقه، قبل أن تنفجر قدمه. “كانت قدمي معلقة بجسدي مثل كيس خضار”، يقول.
لا طبيب، لا معدات، لا إسعاف حقيقي. بترٌ متأخر، وأم تبيع ما تملك لتغطية تكاليف العلاج.

المنطقة التي أُصيب فيها ما تزال بلا تسوير، بلا إشارات تحذير، وبلا أي تدخل رسمي.

جهود دون الحجم

تعمل منظمات مثل “هالو” و“أنقذوا الأطفال” على التوعية وإزالة الذخائر في عدة محافظات، لكن عدد فرق الإزالة لا يتجاوز 200 موظف.
التقديرات تشير إلى أن سوريا تحتاج إلى 1500 مختص و40 مليون دولار سنويًا لبدء تطهير حقيقي. التوعية الحالية غير كافية، وأحيانًا غير مفهومة، في مناطق تنتشر فيها الأمية، ولا توجد أرقام طوارئ، ولا خطط حكومية واضحة.

الألغام ليست ملفًا تقنيًا. هي ملف عودة، وملف عدالة، وملف أطفال، وملف مستقبل. في سوريا 2025، انتهت الحرب على الورق، لكنها ما تزال تنفجر كل يوم تحت أقدام من حاولوا النجاة. هذا هو الحصاد الحقيقي لعامٍ قيل إنه عام السلام.