أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية تعميماً جديداً يشدد على منع الجمعيات الأهلية من تلقي أي تمويل خارجي أو الانضمام إلى كيانات دولية من دون موافقة مسبقة. القرار استند إلى القانون رقم 93 لعام 1958، وهو قانون قديم يمنح الوزارة سلطات واسعة تصل إلى حلّ أي جمعية تخالف التعليمات. الوزارة أكدت أن الهدف من التعميم هو "تحسين آليات العمل" وتعزيز الرقابة المالية والإدارية. لكن العاملين في القطاع الأهلي يرون أن هذا يعني المزيد من البيروقراطية والقيود، في وقت يعتمد فيه ملايين السوريين على مساعدات هذه المنظمات لتأمين الغذاء والدواء والتعليم. المادتان (21) و(66) من القانون تنصان على منع الجمعيات من الارتباط بكيانات خارجية أو قبول أي هبات أو تبرعات إلا بموافقة خطية من الجهة الإدارية. ويخشى خبراء أن يؤدي تطبيق هذه القيود بصرامة إلى تعطيل مشاريع أساسية، حيث أن كل تأخير في الموافقات قد يعني فقدان دواء لمريض أو توقف حصة غذائية لعائلة نازحة. إلى جانب ذلك، تذكّر المنظمات أن هناك تعميماً سابقاً منعها من التواصل المباشر مع وكالات الأمم المتحدة والمانحين إلا عبر الوزارات المختصة، ما يفرض "وصاية مزدوجة" على عملها ويقوّض استقلاليتها. الحكومة تعتبر أن هذه الإجراءات حق سيادي، بينما يصفها ناشطون بأنها تضييق يهدد المجتمع المدني ويضعف ثقة المانحين. وبين الخطابين، يبقى المواطن السوري البسيط هو المتضرر الأكبر، إذ قد يجد نفسه بلا دواء أو مساعدة طالما أن العمل الأهلي مقيد بالموافقات والقيود.
منصة إرادة- دمشق:
في بلد أنهكته سنوات الحرب والأزمات، لم تعد التحديات التي تواجه المنظمات غير الحكومية في سوريا مقتصرة على نقص الموارد أو ثقل الاحتياجات الإنسانية، بل باتت تتضاعف. أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية تعميماً جديداً يحذّر المنظمات غير الحكومية من الانضمام إلى أي كيان خارجي أو قبول أي تمويل أجنبي دون الحصول على الموافقات الرسمية، مؤكدة على تطبيق صارم لأحكام القانون رقم 93 لعام 1958. القرار يفرض قيوداً مشددة على علاقات الجمعيات مع أي كيان خارج الحدود.
قيود قانونية عمرها عقود تعود إلى الواجهة
التعميم استند إلى القانون رقم 93 لعام 1958، وهو قانون مضى عليه أكثر من ستين عاماً، لكنه ما زال يحكم عمل الجمعيات الأهلية. هذا القانون يشترط أن يكون كل نشاط وتمويل تحت إشراف مباشر من الدولة، ويمنح الوزارة صلاحيات واسعة في مراقبة نشاط الجمعيات تصل إلى حلّ أي جمعية ترى أنها خرجت عن مسارها أو تلقت تمويلاً دون إذن مسبق.
التعميم شدّد على المادتين 21 و66 من القانون: الأولى تحظر أي ارتباط خارجي أو تلقي أموال من خارج البلاد إلا بموافقة خطية مسبقة، والثانية تمنع المؤسسات من قبول الوصايا والهبات إلا بترخيص إداري.
بالنسبة للكثير من الجمعيات المحلية التي اعتادت الاعتماد على تبرعات من الخارج لتنفيذ مشاريعها، فإن إعادة تفعيل هذه النصوص القديمة تعني أن أي نشاط أصبح مهدداً بالتوقف ما لم يمر عبر بوابة الوزارات والإدارات الرسمية.
ما وراء الخطاب الرسمي
الوزارة أكدت أن الهدف من التعميم هو “تحسين آليات العمل داخل مؤسساتها” ومتابعة أداء الجمعيات من الناحية الإدارية والمالية، ونفت أن يكون الغرض هو تقييد نشاطها. لكن مراقبين يرون أن التشديد يعكس رغبة حكومية في استعادة السيطرة المركزية على قطاع المجتمع المدني، وهي نفس الطريقة التي اتبعها النظام البعثي في التحكم بمفاصل عمل الجمعيات ومراقبتها، فيما كانت الآمال أن يتم تغيير القانون القديم ومنح المجتمع المدني هامشاً من الاستقلال.
القانون السوري يمنح وزير الشؤون الاجتماعية والعمل صلاحية حلّ أي جمعية ترتكب مخالفات متكررة رغم إنذارها. وبذلك يصبح عدم الامتثال لشروط الموافقة المسبقة على التمويل أو الشراكات الخارجية تهديداً حقيقياً للمنظمات، التي قد تجد نفسها مهددة بالحل إذا واصلت العمل وفق ترتيباتها السابقة.
ويتزامن ذلك مع إعلان الوزارة عن تطوير نظام تقييم واعتماد للجمعيات، بهدف فرز المنظمات الفاعلة عن غيرها، ما يوحي بوجود توجه لإعادة تشكيل المشهد الأهلي والإنساني بما يتناسب مع أولويات الحكومة الانتقالية.
الأثر المباشر على الفئات المستفيدة
في بلد يعتمد الملايين فيه على المساعدات الغذائية والطبية والتعليمية التي توفرها الجمعيات، فإن هذه القيود ليست مجرد قضية إدارية. بطء إصدار الموافقات أو رفض التمويل يعني أن مرضى السرطان قد لا يجدون أدويتهم في الوقت المناسب، وأن أسر النازحين قد تنتظر طويلاً للحصول على الحصص الغذائية، وأن مشاريع التعليم والدعم النفسي قد تتوقف قبل أن تصل إلى الأطفال الذين يحتاجونها.
القيود الجديدة تعني أن أي جمعية لا يمكنها تلقي الدعم الخارجي إلا بموافقة رسمية مسبقة. ويخشى خبراء أن يؤدي ذلك إلى إبطاء تنفيذ المشاريع الإنسانية، خصوصاً أن العمل الأهلي في سوريا يعتمد بشكل كبير على التمويل الدولي. تقارير أممية حذرت سابقاً من تراجع المساعدات نتيجة نقص التمويل، وهو ما يجعل أي عرقلة إضافية في تدفق الأموال أمراً مقلقاً للفئات الأكثر هشاشة.
أحد العاملين في منظمة محلية وصف الوضع قائلاً: “نحن لا نخشى المحاسبة، بل نخشى أن يتأخر الرد على طلب تمويل شهرين أو ثلاثة، بينما احتياجات الناس لا تنتظر”.
"وصاية مزدوجة" تشل الحركة
إلى جانب التعميم الجديد، تذكّر منظمات محلية بأن تعميماً سابقاً (2391/ع) كان قد ألزمها بعدم التواصل المباشر مع وكالات الأمم المتحدة أو الشركاء الدوليين إلا عبر وزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبحضور منسق رسمي في أي اجتماع. هذا ما يسميه البعض “الوصاية المزدوجة”: هذا يضع المنظمات أمام “وصاية مزدوجة”: فهي لا تستطيع التفاوض بحرية مع المانحين، ولا تستطيع تلقي التمويل إلا بموافقة خطية، ما يحدّ من استقلاليتها وقدرتها على الاستجابة السريعة للاحتياجات الإنسانية. ما يحوّل الجمعيات إلى وسيط منزوع الاستقلالية بدلاً من أن تكون شريكاً حقيقياً يخدم الناس على الأرض.
المنظمات السورية تجد نفسها عالقة بين متطلبات الحكومة المحلية ومتطلبات المانحين الدوليين. فبينما تصر وزارة الشؤون الاجتماعية على الموافقات المسبقة والرقابة المركزية، يطالب المانحون بمعايير الاستقلالية والحوكمة والسرعة في الاستجابة.
من الناحية الرسمية، تؤكد الحكومة أن من حقها مراقبة التمويل الخارجي حماية للسيادة ومنعاً لأي استغلال سياسي. لكن في المقابل، يشير خبراء العمل الإنساني إلى أن المعايير الدولية تشدد على استقلالية الجمعيات المحلية وسرعة استجابتها، وأن تقييدها بهذه الدرجة يفقدها ثقة المانحين وقدرتها على المنافسة للحصول على الدعم.
تقول إحدى رئيسات الجمعيات: “المانحون يريدون شريكاً قادراً على اتخاذ قرارات سريعة وشفافة. إذا أصبحت كل خطوة مرهونة بتوقيع وزارة، فسيتم تعقيد الوضع وتسييسه أيضاً”.
أثر يتجاوز الجمعيات إلى حياة الناس
بالنسبة للمجتمع المدني السوري، يمثّل التعميم الجديد خطوة إضافية في مسار تضييق استقلاليته. فبينما يصفه الخطاب الرسمي بأنه أداة تنظيمية، يرى خبراء أنه يعكس استراتيجية تهدف إلى بسط نفوذ الدولة الكامل على التمويل الأجنبي والشراكات الدولية.
وتبقى النتيجة الأبرز أن الفئات الأكثر هشاشة – من نازحين ومرضى وفقراء – قد تتحمل كلفة هذا التشديد، في وقت تعاني فيه البلاد من تراجع حاد في المساعدات وتفاقم الأزمات المعيشية.
