في شوارع دمشق ومدن سورية أخرى، يعيش مئات الأطفال بلا مأوى ولا حماية. وجوه صغيرة تبيت على الأرصفة، وتعمل في التسوّل أو جمع البلاستيك لتأمين لقمة العيش، في ظل انهيار اقتصادي واجتماعي جعل الشارع بيتهم الوحيد. تفكّك الأسر، الفقر، والنزوح المتكرر، عوامل دفعت آلاف الأطفال إلى حياة التشرد، حيث يغيب الأمان وتتفشى أشكال العنف والاستغلال. تقدّر اليونيسف أن أكثر من 600 ألف طفل سوري يعيشون في ظروف تشرّد خطرة، فيما تشير دراسات محلية إلى ارتفاع أعداد الأطفال العاملين والمتسولين بنسبة 40% مقارنة بما قبل الحرب. شهادات حية تكشف جانباً من هذه المأساة: سماح (14 عاماً) تجبر على التسول وتعاني من التحرش، مسعود يبيت تحت الجسر منذ عامين بلا عائلة، ونور (17 عاماً) تعرضت للاغتصاب خمس مرات قبل أن تُترك لمصيرها في الشارع. منذ عام 2011 توقفت دوريات مكافحة التسول التي كانت تعيد الأطفال إلى مراكز الرعاية، فانتشر الاستغلال المنظم من قبل عصابات وأفراد. ورغم وجود قوانين لحماية الطفل ومكافحة الاتجار بالبشر، إلا أن ضعف تطبيقها جعل الشوارع ساحة مفتوحة للانتهاكات. الآثار النفسية لا تقل خطورة عن الجسدية؛ معظم الأطفال المشردين يعانون من صدمات مزمنة، فقدان الثقة بالنفس، واضطرابات سلوكية قد تدفعهم لاحقاً إلى ممارسة العنف نفسه. بينما تغيب السياسات الحكومية وخطط الحماية، تبقى الجهود الفردية محدودة وغير منسقة. جيلٌ كامل يكبر اليوم في الشارع، يواجه البرد والجوع والخوف، دون أن يجد من يمدّ له يد الأمان. مأساة هؤلاء الأطفال لم تعد استثناءً، بل مرآة قاسية لبلدٍ فقد قدرته على حماية أضعف فئاته.
منصة إرادة- مادلين جليس:
تصوير: ياسر وردة
في شوارع العاصمة، تتكوّم أجساد صغيرة تحت الجسور أو في زوايا الأسواق، وخلف حاويات القمامة. وجوه مغبّرة، وملابس بالية لا تقي برداً ولا نظراتٍ قاسية. معظمهم يتسول. يبيع بعضهم المناديل، يجمع آخرون البلاستيك والعلب الفارغة، ويغفو كثيرون منهم على الأرصفة بعد يوم طويل يقضونه في استجداء المارة، أو جمع ما يمكن بيعه.
هذا المشهد لم يعد استثناءً؛ يتكرر في مختلف مناطق المدينة: عند جسر الرئيس وحوالي شارع الثورة، وعلى مداخل حديقة الجاحظ وتشرين.
بعد سقوط النظام، توجه الأطفال إلى مطاعم دمشق القديمة وحوالي فنادق ساحة النجمة، على أمل بلقاء بعض المغتربين الذين يتصدقون بـ “دولار كامل”.
الظاهرة صارت جزءاً من الصورة اليومية للعاصمة ومدن سوريّة أخرى. أطفال بلا مأوى، بلا رعاية، وبلا حماية، يكبرون في الشارع كما يكبر الإسفلت تحت أقدام المارة. وسط غياب شبه تام لأي رعاية اجتماعية أو رقابة أمنية.
أرصفة لا تحتمل البراءة
لم يعرف مسعود والدَيه اللذين قيل له أنهما توفّيا بحادث سير وهو رضيع. انتقل من بيت إلى آخر حتى وجد نفسه في الشارع. لم يسمح مسعودٌ بالتحدث كثيراً عن حياته أو ظروفه، وانفجر غاضباً عند محاولة الاستفسار عن سبب وجوده في الشارع، ويبدو أن الخوف كان وراء ردة فعله أكثر من الغضب.
يقول أحد الباعة في المنطقة: “هالولد صارله هون من سنتين، بينام تحت ورا كولبة الكهربا وبيشتغل بجمع البلاستيك. كل ما حدا يقرب منه بيهرب.”
خوف مسعودٍ هو عنوان جيلٍ كامل يعيش بلا أمان.
تفاقمت ظاهرة الأطفال المشردين خلال سنوات الحرب السورية: الفقر المدقع، التفكك الأسري، الاعتقال، التغييب، النزوح، العنف الذي طبع كل مناحي الحياة، وحتى الملاحقات الأمنية والتجنيد الإجباري، جعلت مئات الآلاف من الأطفال مضطرين لاستيطان الشوارع والأزقة بشكل غير إرادي. غابت المدرسة، وضاعت الأسرة، وانهارت منظومات الرعاية الاجتماعية ورفعت الدولة يدها عن وظيفتها بتأمين الحماية القانونية. هكذا، أصبح الرصيف البيتَ والمدرسة والمأوى والأسرة ورفاق الدرب.
تشير تقديرات اليونيسف لعام 2020 إلى أن أكثر من ستمئة ألف طفل سوري يعيشون بلا مأوى ثابت أو في ظروف خطرة. ورغم أن هذه الأرقام قديمة نسبياً، إلا أن الواقع الحالي يوحي بتضاعفها في ظل الفقر غير المسبوق وغياب أي برامج حكومية فعالة للحماية.
الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال هم من الذكور، لكن الزيادة الملحوظة في أعداد الإناث في الشوارع، لا سيما في الحدائق العامة، هؤلاء الأطفال لا يواجهون التشرد فقط، بل يتعرضون أيضاً للتحرش والعنف الجنسي، في ظل غياب المتابعة من الجهات الرسمية. الاستغلال أصبح جزءاً من واقعهم اليومي، ما جعلهم إحدى أكثر الفئات عرضة للانتهاكات في المجتمع السوري اليوم.
ظاهرة تتسع بلا رادع
القوانين السورية، مثل قانون العقوبات (المواد 596–602) وقانون مكافحة الاتجار بالبشر لعام 2010، توفر أساساً قانونياً، لكنها تُطبق انتقائياً أو لا تُطبّق إطلاقاً. كما أن القانون رقم 21 لعام 2021 الخاص بحقوق الطفل لم يُفعّل بعد بالشكل الذي يضمن الحماية الفعلية في الشارع.
يقول ماهر رزق، خبير الحماية الاجتماعية، أنه تم اعتماد قانون مكافحة الاتجار بالبشر كإطار قانوني للتعامل مع الفئة الثالثة من الأطفال والنساء المنضوين تحت عصابات تُجبرهم على التسول بالترغيب أو الترهيب، إلا أن هذه المحاولة لم تحظَ بالدعم الرسمي الكافي في ذلك الوقت. تعتمد هذه الشبكات الإجرامية على استغلال الفئات الأكثر إثارة للتعاطف العام، وهم الأطفال، بالإضافة إلى ذوي الإعاقات الدائمة التي نتجت عن الحرب.
من الناحية الإجرائية، كان يتم توقيف المتسولين والمشردين عبر دوريات مكافحة تابعة لدار المتسولين، حيث كانت تصدر قرارات إدارية (توقيف عرفي) بالتنسيق بين وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل والداخلية. وكانت مدة التوقيف تتناسب مع كل حالة وتكرار الجرم.
وفي منتصف التسعينات، تم إلغاء آلية التوقيف الإداري والاعتماد على التوقيف وفق أحكام قضائية مستندة إلى قانون العقوبات (المواد من 596 إلى 602) المتعلقة بجرمي التسول والتشرد، حيث تتراوح عقوبات التوقيف بين شهر وسنتين حسب الحالة.
ويشير رزق إلى أن هذه المرحلة شهدت تراجعًا ملحوظًا في أعداد النزلاء، نتيجة امتناع غالبية القضاة عن توقيف المتسولين أو المشردين، نظرًا لقناعاتهم بأن هؤلاء الأشخاص لجؤوا للتسول بسبب الفقر، وبالتالي كانوا محل تعاطف قضائي واجتماعي.
ويضيف أن هذه القناعات السابقة أدت بشكل غير مباشر إلى زيادة ظاهرة تكرار التسول بين عدد كبير من الأشخاص، الذين أصبحوا يمتهنون التسول بانتظام وليس بسبب الفقر، ومع الوقت بدأت ملامح التسول المنظم تتبلور من قبل عصابات تستغل الأطفال والنساء.
ويؤكد رزق أن خدمات تأهيل المتسولين والمشردين تراجعت خلال فترة التسعينات لعدة أسباب، أهمها: تركيز القائمين على الدار على عمليات المكافحة والتوقيف وتسيير الدوريات على حساب برامج التأهيل الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للنزلاء، إضافة لعدم القدرة على تطبيق البرامج الإصلاحية التي تتطلب فترة لا تقل عن ستة أشهر لتكون فعالة.
وينوه رزق إلى أن إلغاء قانون الطوارئ في مطلع 2011 أدى إلى توقف عمل دوريات دار التسول في دمشق، إذ كانت هذه الدوريات تعمل بموجب هذا القانون، ما زاد من اتساع الفراغ الرقابي على الأطفال المتسولين والمشردين، وساهم في تفاقم ظاهرة الاستغلال والانتهاكات اليومية التي يتعرضون لها.
الاستغلال الجنسي والعنف… الوجه المظلم للشارع
لم يكن إيجاد نور صعباً، فهي تقف يومياً على نفس الزاوية قرب محل عصائر شهير وسط دمشق، رغم شجاراتها شبه الدورية مع أصحاب المحلات، تتحدث نور (17 عاماً) بصوت متردد وهي تتلفت حولها: “تعرضت للاغتصاب عدة مرات… أول مرة من زوج خالتي بعد اعتقال أهلي”. أما المرات الأربع التالية فحدثت في الشارع، بعد أن تخلت عنها خالتها وتبرأت منها. تصف نور الموقف بمرارة قائلة: “اعتبرتني المتهمة والمسؤولة عن يلي صار، ضربتني وأخرجتني من منزلها.”
وتواصل سرد تفاصيل محنتها: “في المرة الأولى كانت موت، ما حملني عقلي.. وفي المرة الثانية كانت صعبة كمان، بعدها صار عادي… بس ما بقى بقبل بدون مقابل”.
تصمت قليلاً قبل أن تضيف وكأنها تحاول تفسير ما قالته: “من وين بدي عيش”. كلماتها مؤلمة، لكنها تلخص واقع الاستغلال الجنسي الذي يواجهه مئات الأطفال المشردين في المدن السورية، خصوصاً الفتيات اللواتي لا يملكن مأوى أو حماية.
التحرش والاغتصاب في حياة أطفال الشوارع ليسا استثناءً، بل واقع يومي مظلم يعيشه آلاف الأطفال في بيئة شبه خالية من أي سلطة قانونية. وفي إحدى الحالات الموثقة حديثاً، تعرض طفل يبلغ من العمر عشر سنوات للاغتصاب في حي مهجور على أطراف العاصمة دمشق، إضافة لعشرات حالات الاستغلال الجنسي المسجلة سواء من قبل عصابات، أو حتى من أشخاص عاديين يعانون اضطرابات نفسية واجتماعية، يستغلون حاجة الأطفال للطعام والمأوى.
أحد العاملين في منظمة محلية يؤكد: “الأطفال في الشوارع يتعرضون لانتهاكات من رجال ونساء، أحياناً مقابل وجبة أو مكان للنوم. الظاهرة اتسعت بسبب غياب الرقابة الأمنية تماماً”. هذا الفراغ جعل الشارع مسرحاً لانتهاكاتٍ لا تُحاسَب، ولجريمة مستمرة بحق الطفولة السورية.
الآثار النفسية… جروح لا تُرى
تجلس سماح (14 عاماً) على أدراج جسر الرئيس سابقاً، تمسح دموعها وتقول: “بتمنى عيش متل أي بنت… ما أرجع بالليل خايفة، ولا ضل عم اشتغل بالشارع”.
تتعرض سماح لمحاولات تحرش متكررة من شبان ورجال، خصوصاً في الليل عند خلو الطرقات من المارة. على الرغم من أنها تنام في منزل والدها لكنه يُجبرها على التسوّل يومياً مع إخوتها الأربعة، ويمنعهم من دخول البيت إن لم يعودوا بمبالغ مالية. وحين تتأخر في العودة حتى منتصف الليل، تتعرض لمضايقات متكررة لا ترغب في الخوض بتفاصيلها. حياتها تتأرجح بين عنف الأسرة وخطر الشارع.
تقول الباحثة الاجتماعية غيثاء الحاوي إن الأطفال المشردين يعانون من آثار نفسية عميقة:
“فقدان الثقة بالنفس، الخوف، العزلة، ثم الاكتئاب. وتتجذر لديهم مشاعر الخوف والعار، مما يزيد احتمال انحراف سلوكهم مستقبلاً. ومع الوقت يتحول بعضهم إلى ممارسي عنف لأنهم لم يتلقوا سوى العنف”.
وتضيف أن 70% من هؤلاء الأطفال يعانون من أعراض الصدمة المزمنة، وفق دراسات لمنظمة الصحة العالمية، وأن كثيراً منهم يصبح لاحقاً جزءاً من دوامة العنف أو الإدمان.
الأمراض الجلدية والمعدية وسوء التغذية ترافقهم كذلك، في ظل غياب الرعاية الصحية، ما يجعلهم فئة منسية صحياً ونفسياً.
تقتصر الجهود الحالية على مبادرات فردية ومنظمات محلية محدودة تعمل بإمكانات بسيطة، دون تنسيق واضح مع الحكومة أو الجهات الدولية.
المنظمات الكبرى، مثل اليونيسف والهلال الأحمر، تركز على التعليم أو الدعم الغذائي، بينما تبقى فئة الأطفال المشردين خارج أولويات التمويل المباشر.
تقول الحاوي: “الظاهرة لا يمكن معالجتها إلا بخطة وطنية واضحة تتكامل فيها أدوار الدولة والمنظمات والمجتمع، وإلا سنستمر في دوامة الشارع.” وتشدد على أهمية إعادة تفعيل دوريات مكافحة التسول، كما تشير إلى ضرورة توفير ملاذات آمنة للأطفال المشردين، وتحسين الرعاية الاجتماعية لتشمل إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي.
يعيش في شوارع سوريا جيل كامل بلا مأوى، بلا مدارس، بلا أحلام. جيلٌ يتعلّم البقاء قبل أن يتعلّم القراءة.
تغيب الدولة، ويغيب القانون، ويغيب الضمير الجمعي. بينما تنام الطفولة في البرد، يظل السؤال معلقاً:
هل ما زال في هذا البلد مكانٌ يُدعى “البيت” لهؤلاء الأطفال؟
أم أننا، كمجتمع، اخترنا أن نغضّ أبصارنا عن جرحٍ صار جزءاً من المشهد اليومي؟
