الإرادة

اليوم العالمي للعصا البيضاء: 115 سم من الاستقلالية والكرامة

الخط

في الخامس عشر من تشرين الأول، يحتفي العالم بـ اليوم العالمي للعصا البيضاء، رمز استقلالية وكرامة الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر. يروي وسيم كناكريه، الشاب السوري الذي فقد بصره في سن السادسة عشرة، رحلته من الخجل إلى الفخر بعصاه البيضاء. بعد أن جرّب مع عائلته كل أنواع العلاج دون جدوى، أدرك أن القبول بواقعه هو بداية التعافي الحقيقي. في البداية كان يخفي عصاه عن الناس، لكن مع الوقت أصبحت رمزًا لقوته، فأسس مبادرة "أنر دربي" لتصنيع العصا البيضاء وتوزيعها مجانًا في المحافظات السورية، ونشر الوعي بأخلاقيات التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية. العصا البيضاء ليست مجرد أداة، بل وسيلة بصر إضافية تمكّن الكفيف من الحركة بأمان واستقلالية. تطورت من عصي خشبية إلى معدنية قابلة للطي، بل وإلكترونية مزودة بحساسات تنبه المستخدم إلى العوائق، لكنها في جوهرها تبقى بديلاً للبصر، تمنح حاملها ثقة بنفسه وقدرة على استكشاف العالم. ويذكّر وسيم بأن التعامل الصحيح مع مستخدمي العصا يبدأ بالوعي لا بالشفقة: عدم اعتراض طريقهم، والاستئذان قبل المساعدة، وتقديم الإرشادات بدقة واحترام. كما يدعو إلى بيئة دامجة تشمل ممرات آمنة، وإشارات مرور صوتية، وقوانين تراعي حقوق المكفوفين. العصا البيضاء هي 115 سم من الإرادة، تحمل في كل جزء منها معنى الأمان والكرامة. واستخدامها ليس ضعفًا بل إعلان عن الإصرار على الحياة، ورسالة بأن الاستقلالية حقّ لا منّة.

منصة إرادة- وسيم كناكرية:

لم أكن كفيفًا منذ الولادة، بل عشت حياة مليئة بالصور والألوان. أحببت الرسم، ولعبت كرة القدم، وركبت الدراجة، تمامًا كمعظم الأطفال. لكن الحال لم يبقَ على ما هو عليه.
لا أنسى اليوم الذي رأيت فيه شخصًا كفيفًا يمشي مستعينًا بعصاه البيضاء. وضعت نفسي في موقفه، أغمضت عينيَّ لثوانٍ معدودة فقط، فذاك الطفل الذي كنته لم يتحمّل فكرة عدم الرؤية. ومضت الأيام والشهور وفقدت بصري.

لم أستطع تقبّل واقعي الجديد، لا أنا ولا عائلتي، ولا حتى المجتمع المحيط بنا من أقارب وجيران ومعلمين وزملاء في المدرسة. لذلك لم نترك بابًا إلا وطرقناه: طبيب، معالج فيزيائي، طب عربي، طب بديل، طب فرعوني، وانتهاءً بالمشعوذين، ولكن بلا فائدة. فعلاج إعاقتي البصرية كان بعيدًا كل البعد عنهم. كان علاجًا مُرًّا كالعلقم بالنسبة لي ولأهلي، فقبولنا به يعني فقدان الأمل في العودة إلى الرؤية. وفي عمر السادسة عشرة، استسلمت للأمر الواقع، وقبلت بهذا العلاج، الذي تمثّل في عصا بيضاء.

في البداية، خجلت من حمل العصا البيضاء. كنت أخبئها فور وصولي إلى حارتنا، وأمشي دونها حرصًا على مشاعر أهلي إن رأوني. ولكن مع الوقت، أيقنت أن العصا جزء مني ومعين لي، جزء عليّ أن أفتخر به كأي عضو من أعضاء جسدي. ومن هنا بدأت رحلة نشر الوعي والسعي لتوفير العصا البيضاء لكل من يحتاجها.

واليوم، أنا وسيم كناكريه، الطفل الذي فقد بصره، والكفيف الذي خجل يومًا من عصاه البيضاء، أفتخر بأني، وبفضل الله، استطعت تصنيع عصا مناسبة لطرقاتنا وتوزيعها على كافة المحافظات السورية مجانًا، بمبادرة تحت اسم أنر دربي. كما أعمل على نشر الوعي حول أخلاقيات وأسس التعامل الصحيح مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.

 لذلك، سأرافقكم في رحلة قصيرة نتعرف من خلالها على العصا البيضاء.

ليست مجرد أداة

في الخامس عشر من تشرين الأول، لا تُرفع العصا البيضاء كرمز فحسب، بل كجسرٍ بين عالمين: عالمٍ يُبصر بالعين، وآخر يُبصر بالبصيرة. اليوم العالمي للعصا البيضاء ليس مجرد مناسبة رمزية، بل رسالة عالمية تؤكد على حقوق الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر في الحركة والاستقلالية والمشاركة الكاملة في المجتمع. فالعصا البيضاء، التي يبلغ طولها حوالي 115 سم في المتوسط، ليست مجرد أداة بسيطة كما قد يعتقد البعض للوهلة الاولى. إنها عين إضافية، ووسيلة اتصال مع العالم، ورمز للكرامة والإرادة.

في هذا اليوم، تتظافر جهود المؤسسات والأفراد، مكفوفين ومبصرين، لنشر فهم أعمق لدور هذه العصا الحاسم، وطريقة تفاعل المجتمع معها بما يحترم إنسانية حاملها واستقلاليته.

في كل جزء أمان وضمان

بدأت قصة العصا من الخشب، ثم تطورت مع تطور النظرة للأشخاص المكفوفين، لتصنع من المعادن وبأشكال قابلة للطي كي لا تأخذ حيزا كبيرا. ومع تطور التكنولوجيا، ظهرت بعض المحاولات لصنع عصا أو نظارات إلكترونية تعتمد على المستشعرات لتنبه الشخص الكفيف عن وجود عوائق عبر أصوات أو اهتزازات، إضافة إلى برامج الملاحة التي تعمل إلى جانب العصا التي يفضلها الشخص الكفيف. وعلى الرغم من هذه الابتكارات، تظل الوظيفة الأساسية للعصا البيضاء كما هي، أن تكون بديلا للبصر. فهي تتيح للمكفوفين استكشاف طبيعة الأرض تحت أقدامهم، وتجنب العوائق كالحفر والأرصفة غير المنتظمة والدرج، مما يعزز استقلاليتهم بشكل كبير ويزرع الثقة في نفوسهم للانخراط في الحياة اليومية بمختلف تفاصيلها.

دليلك للتعامل مع حامل العصا البيضاء: الوعي بدلًا من الشفقة

تفاعلك الصحيح مع شخص كفيف يستخدم العصا البيضاء هو جزء من مسؤوليتك المجتمعية، ومن شأنه أن يؤثر بشكل كبير على نفسيته وشعوره بالكرامة. إليك بعض النصائح للتعامل الصحيح مع الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية:

  • لا تعرقل طريقه، وتجنب الوقوف في مسار العصا.
  • استأذن قبل المساعدة، واسأله بلطف: “هل تحتاج إلى المساعدة؟” واحترم رده إن كان بالرفض.
  • لا تمسك بالعصا أو تنتزعها، فهي امتداد لحواسه.
  • لا تمسكه من يده التي تحمل العصا؛ اسأله عن الطريقة التي يفضل أن تمسكه بها.
  • انتبه للعوائق المرتفعة أو أغصان الأشجار المنخفضة التي لا تكشفها العصا.
  • لا ترفع صوتك عند الحديث معه، بل ناده باسمه وتحدث بنبرة طبيعية.
  • كن دليله لا قائده عند مساعدته في العبور؛ صف له ما أمامه بدقة (مثل: “سنصعد ثلاث درجات”) بدل قول “احذر”.
  • أعطه إرشادات دقيقة (مثل: “اتجه يسارًا بعد ثلاث خطوات”) وتجنب كلمات مبهمة مثل “هنا” أو “هناك”.
  • لا تصرخ بالاتجاهات من بعيد، بل اقترب واسأله إن كان يحتاج إلى المساعدة.

إشارات العصا البيضاء: لغة صامتة يفهمها الجميع

العصا البيضاء ليست مجرد وسيلة للمشي، بل وسيلة تواصل لها إشاراتها الخاصة. وفهم هذه الإشارات يساعد على تقديم المساعدة بالشكل الصحيح في الوقت المناسب:

الطريق نحو مجتمع شامل: مسؤولية مشتركة

لا تقع مسؤولية دمج الأشخاص المكفوفين على عاتقهم وحدهم، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره. نشر الوعي والتعامل السليم مع المكفوفين ليس عملاً ثانويًا، بل فعل إنساني يعيد لكل فرد إحساسه بقيمته. فأي سلوك خاطئ أو نظرة شفقة أو تنمّر، يمكن أن تترك أثرًا نفسيًا عميقًا يدفع الشخص الكفيف إلى الانعزال أو الخوف من الخروج إلى العالم.

إن توفير بيئة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية لا يحتاج إلى موارد ضخمة، بل إلى إرادة حقيقية.

فـ عصا بيضاء واحدة قد تفتح أمام صاحبها آلاف الآفاق، وممر آمن على الرصيف قد ينقذ حياة، وإشارة مرور صوتية قد تكون جسرًا بين الاعتماد على الآخرين والاستقلالية الكاملة.

من الفعالية التي أُقيمت يوم أمس في ساحة سعد الله الجابري بمدينة حلب، بمناسبة يوم العصا البيضاء، شارك مجموعة من المكفوفين في وقفة رمزية رفعوا خلالها لافتات طالبوا فيها الحكومة الجديدة في سوريا بالاستماع إلى مطالبهم وعدم تهميشهم، والعمل على تأمين حياة كريمة تضمن لهم حقهم في التعليم والعمل والمشاركة في المجتمع بكل كرامة وفاعلية.

في الختام

العصا البيضاء ليست علامة فقدان، بل رمز للاستقلال ووسيلة للتمكين. واستخدامها ليس ضعفا، بل هو قوة وإصرار على استكشاف العالم. يمكنك أنت أيضا أن تكون جزءا من هذا التغيير. ساعدنا بنشر المعرفة، وشجع على توفير البيئات الدامجة في محيطك، وكن ذلك الشخص الواعي الذي يفهم لغة الـ 115 سم.