الإرادة

المشهد المائي في الساحل: جفاف يهدد كل شيء تقريباً

الخط

يسلط هذا المقال الضوء على الأزمة الحادة التي يواجهها الساحل السوري بسبب الجفاف غير المسبوق. وقد تسبب انخفاض هطول الأمطار بنسبة 40% عن المعدل المعتاد في جفاف الأنهار والينابيع والآبار، مما أثر سلبًا على الحياة اليومية للمواطنين والزراعة والاقتصاد المحلي. • أزمة المياه: تعاني القرى من انقطاع المياه لأكثر من شهر في بعض الأحيان، وتعتمد على جلبها من الينابيع القليلة المتبقية. • تأثير على الزراعة: أدى الجفاف إلى يباس المحاصيل، خاصة الفاصولياء، مما يهدد مصدر دخل أكثر من 80% من سكان قرية "النيحا" وحدها. • الآثار الاجتماعية: تسببت قلة المياه في أزمات نفسية ومشاكل عائلية، ودفعت بعض العائلات للجوء إلى المدن بحثًا عن المياه. • ظهور تجارة جديدة: انتشرت تجارة بيع المياه بالصهاريج بأسعار مرتفعة، مما خلق مصدر دخل جديد لبعض الأفراد. • القطاع السياحي: تراجع "السياحة الشعبية" التي كانت تعتمد على الأنهار والينابيع، مما أدى إلى خسائر كبيرة لأصحاب المقاصف والمشاريع السياحية الصغيرة.

منصة إرادة- مياس سلمان

في منطقة مصياف، يقف محمد منير خلف سياج حجري قصير يشير إلى ساقية ضيقة بالكاد تتحرك مياهها فوق قناة قديمة. يقول “النهر جف هذا العام بشكل شبه كامل”. من الصعب أن يتخيل المرء أن هذا الجدول الذي يمشي ببطء، كان نهراً يترقرق بمياه صافية، بل تنحدر مياهه في الصيف مسببة ضجة تمنع الناس من سماع بعضهم.

“عمري سبعةٌ وأربعون عاماً، ولا أذكر أن النهر جف بالكامل مثل هذا العام، كما أن الينابيع الموجودة بقرب النهر جفت. كان يخف جريان النهر مع نهاية شهر آب ولأول مرة يجف بالكامل قبل شهر حزيران “. يقول محمد صاحب أحد المقاصف الشعبية في منطقة الديرون قبل أن يضيف: “تبدو الطبيعة كمن يحتضر، لا أحد يريد أن يجلس قرب شخص مريض، لذلك لم يفتح مقصفنا أبوابه هذا العام، مثل كثير غيرنا”.

في وادي العيون، المنطقة المعروفة بشلالاتها وينابيعها الكثيفة في ريف حماة، تحوّل المشهد إلى نقيضه. تتجمع مياه الينابيع في الوادي لتشكل في النهاية نهرًا شبه دائم يصب شمال مدينة طرطوس ويُعرف باسم “نهر الحصين”، تنتشر على جوانبه جلسات شعبية لمقاصف بسيطة يقصدها الناس في الصيف بقصد السباحة والسياحة.

مع معاناة سوريا من أسوأ موجة جفاف، جفت أغلب الينابيع وتوقف النهر عن الجريان، ومعه توقفت عشرات المقاصف البسيطة عن العمل، وفقد مئات المزارعين مصدر رزقهم. الأمر لم يقتصر على الترفيه والسياحة، بل طال مياه الشرب، ليشكل أزمة غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث.

نهر الحصين الذي يتلقى مياهه من عشرات الينابيع قبل وبعد

الساحل وأزمة المياه

شهد الساحل السوري خلال شتاء 2025 هطول أمطار أقل بكثير من المعتاد حيث لم يتجاوز 700 ملم أي حوالي نصف المعدل السنوي المعتاد، مما تسبب في أزمة مياه غير مسبوقة، خاصة في المناطق الريفية. ولم تقتصر الأزمة على مياه الشرب فحسب، بل امتدت لتؤدي إلى يباس النباتات بشكل مبكر وانتشار حرائق الغابات بشكل غير مسبوق.

وفقًا لمدير الموارد المائية في طرطوس، لم يتحقق الإشباع المائي، فسدٌّ الأبرش في صافيتا الذي يعتبر أكبر سدود المحافظة تراجع مخزونه إلى 29% مقارنة بـ 88% في العام الماضي، كما شهدت بعض الينابيع والآبار انخفاضًا بنسبة 50% ووصل بعضها إلى الجفاف التام.

القرى العطشى

مع بداية شهر تموز، عانى الريف الممتد من قرى القدموس إلى الشيخ بدر وصولاً إلى قرى الدريكيش، من عطش شديد. بعض القرى لم تصلها المياه منذ أكثر من شهر، بينما تقتصر حظوظ القرى الأوفر على وصول المياه مرة واحدة كل 15 يومًا، الأمر الذي أثر سلبًا على جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية وحتى النفسية للمواطنين.

في قرية النيحا التي كانت معروفة بغزارة ينابيعها وقدرة سكانها على استخراج المياه من آبار سطحية لا يتجاوز عمقها ستة أمتار أصبح الوضع مأساوياً. وتعتمد أغلب الأسر في القرية على زراعة المحاصيل الصيفية، وخاصة الفاصولياء، لتأمين قوت يومها ومصدر دخلها في فصل الشتاء. شهدت القرية كجيرانها، موجة جفاف كبيرة ويباس الكثير من الحقول بسبب شح الينابيع وموجة الحر القاسية. يقول أبو أحمد، أحد سكان القرية: “مع شح مياه النبع أصبح دوري في السقاية كل عشرة أيام، بينما الفاصولياء تحتاج إلى الري كل يومين. هذا أدى إلى يباس المحصول بالكامل قبل أن الوصول لفترة الإزهار والإنتاج، وحالي كحال الكثيرين الذين لا يملكون المال لشراء المياه للري” ويضيف أن زراعة كيلو واحد من بذار الفاصولياء يكلف حوالي المليون بين فلاحة وثمن بذار وأسمدة وكل هذه خسائر تضاف إلى خسائر ضياع الموسم”.

سد تشرين أكبر وأهم سدود الساحل السوري بطاقة تخزينية قصوى تصل ل 216 مليون م3 يتعرض للجفاف

صيفٌ بلا استحمام

الأزمة لم تترك مجالًا حتى لمتطلبات الحياة الأساسية. تروي أم أنس، أم لثلاثة أطفال من قرية حبسو التابعة لريف الدريكيش، كيف اضطرت للذهاب مع أولادها لزيارة أختها في مدينة طرطوس ليس للسياحة، بل للاستحمام، حيث وضع المياه في المدينة أفضل بكثير بفضل نبع السن الذي يغذيها.

تقول أم أنس: “منذ 25 يومًا والمياه لم تصلنا. نعتمد على جلبها ب(البوادين) البلاستيكية من نبع القرية. لكم أن تتخيلوا وضع الصرف الصحي، نقص المياه يسبب أزمات نفسية وأجواء متوترة في البيت طوال الوقت” وتختم حديثها بالقول الله يفرج ويمضي هذا الصيف على خير.

المياه: تجارة جديدة

أدت هذه الأزمة إلى ظهور تجارة جديدة في الساحل، وهي بيع المياه عن طريق الصهاريج. وصل سعر صهريج المياه سعة عشرة براميل إلى مئة ألف ليرة. كما يبيع بعض أصحاب الآبار المياه بأسعار مرتفعة محققين أرباحًا كبيرة.

باسم شاب يملك شاحنة صغيرة مزودة بخزان مياه، يعترف أن أزمة المياه منحت أعماله ربحًا غير متوقع، لم يكن يحلم به سابقًا. لكن بالمقابل، فإن الأشخاص الأكثر ضعفاً، ككبار السن وذوي الإعاقة والنساء الأرامل، أصبح شراء المياه هو كابوسهم الأسبوعي، وليس فقط بسبب أسعار الصهاريج، بل بسبب ما تتطلبه عملية شراء الماء وتوصيلها إلى الخزانات من نشاط بدني وقدرة على التحرك بشكل سريع دون مشاكل في الوصول والتنقل. 

الحرائق وكارثة الزراعة:

ساهم الجفاف في زيادة الحرائق في الساحل. حسب دراسة للناشطة هنادي زحلوط، تقارب المساحة الخضراء المحترقة في الساحل 16000 هكتار من الغابات أي مئات آلاف الأشجار المعمرة سرو وسنديان وصنوبر. إلى جانب 2200 هكتار من الأراضي الزراعية، زيتون وحمضيات ولوزيات وعنب في عظمها.

وسيؤدي فقدان المواسم الصيفية بالكامل في بعض القرى لتهديد مباشر للأمن الغذائي المحلي وارتفاع في أسعار كثير من المنتجات الزراعية.

شكلت الحرائق مع الجفاف وصفة مميتة للزراعة ولمورد رزق آلاف السكان، خاصة أن تعرية التربة وتدهور الخصوبة بسبب احتراق المواد العضوية أدى لزيادة خطر الانجراف. كما أن بعض محاولات الإطفاء كانت بمياه البحر مما يؤدي أيضا لضرر التربة وعدم إمكانية الزراعة فيها لمدة من الزمن.

الساحل السوري ما زال يشتعل حتى هذه اللحظة والمتهم الرئيسي: التغير المناخي

مستقبل غير واضح

قد تكون النقطة الإيجابية الوحيدة في هذه الأزمة هي أن الناس بدأت تشعر بقيمة المياه وضرورة ترشيد استهلاكها. لكن التحديات القادمة تبدو كبيرة، خاصة مع تخوف من تأخر الموسم المطري القادم.

الأزمة باتت أكبر من مجرد شح موسمي. إنها معركة وجودية، تستدعي خططاً استراتيجية عاجلة وطويلة الأمد: من بناء سدود وحفر آبار جديدة إلى التفكير الجدي بمشاريع تحلية مياه البحر.

فالجفاف في سوريا لم يعد حدثاً عابراً، بل كارثة صامتة تهدد حياة الناس وأمنهم الغذائي وحقهم في البقاء.

One Response