منذ آلاف السنين، لم يكن جسد المرأة خارج حسابات الحرب. من نقوش قصر سنحاريب في نينوى التي تصوّر نساء مدينة لخيش كغنائم، إلى السبي في الإمبراطوريات القديمة، وصولاً إلى «نساء المتعة» في اليابان، ثم الإبادة النفسية التي نفذها تنظيم داعش بحق الإيزيديات في سنجار، يتكرر النمط ذاته: استخدام المرأة كسلاح لإذلال المجتمعات وكسر إرادتها. في سوريا، لم يكن العنف ضد النساء استثناءً عن هذا التاريخ، بل امتدّ إليه بشكل أكثر قسوة. داخل معتقلات النظام السابق، قُتلت النساء جسدياً ومعنوياً، وخُوّفت المجتمعات بالصمت. وبعد التحرير، عادت التقارير عن خطف النساء واغتصابهن وتزويجهن قسراً في عدد من المحافظات، وسط إنكار رسمي متكرر. الأثر النفسي لهذه الجرائم لا يصيب الضحية وحدها، بل يمتد إلى الأطفال والمحيط الاجتماعي. اضطرابات ما بعد الصدمة، الاكتئاب، الخوف المزمن، والوصمة الاجتماعية، كلها تتحول إلى ميراث ثقيل داخل البيوت. شهادات ناجيات، مثل فاطمة من حمص، تكشف كيف يتحول الخلاص من الخطف إلى بداية عزلة جديدة. على مستوى المجتمع، يعمّق هذا العنف الانقسامات الطائفية ويكرّس العجز الجماعي، فيما تتحول وسائل التواصل الاجتماعي في كثير من الأحيان إلى أدوات ترهيب وابتزاز بدل أن تكون فضاءات آمنة. في مواجهة هذا الواقع، تأتي حملة «16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف ضد المرأة» كتذكير بأن الصمت شراكة غير معلنة في الجريمة. الرسالة واضحة: العنف ليس قدراً، والنجاة لا تكون فردية، بل مجتمعية تبدأ من الاعتراف، وتستمر بالمحاسبة، وتنتهي بحماية حقيقية للنساء.
منصة إرادة- خليل سرحيل:
في أروقة قصر سنحاريب الآشوري في نينوى، محفورة في الحجر منذ القرن الثامن قبل الميلاد، تروي لوحة نقشية قصة غزو مدينة لخيش. هناك، وسط الرماد والدمار، تُصوَّر النساء، أمهات وبنات، كغنائم حيّة، يُسَاقن حفاة، وأيديهن مربوطة، ووجوههن مشدودة بالرعب، بينما يحمل الجنود سيوفهم لا كأدوات حرب فقط، بل كأدوات إذلال.
هذه اللوحة، المعروضة اليوم في المتحف البريطاني، ليست مجرد وثيقة عن عصور غابرة، بل أقدم شهادة أثرية على استخدام جسد المرأة كسلاح حرب، حيث يتحول الجسد إلى رمز للسيطرة على الروح الجماعية للمجتمع المهزوم.
عبر العصور، تكررت هذه الصورة بأسماء ورايات مختلفة. في الإمبراطورية الرومانية كان السبي والاغتصاب طقساً مرافِقاً للنصر، إذلالاً للعدو عبر انتهاك أعزّ ما يحميه. وفي بعض مراحل التاريخ العثماني استُخدمت النساء لتعزيز تحالفات طائفية، أو كأدوات انتقام في النزاعات القبلية. في القرن العشرين، بلغ هذا العنف ذروته حين أجبرت اليابان أكثر من 200 ألف امرأة أسيرة على «الخدمة الجنسية» لجنودها، في واحدة من أوضح صور استخدام الجنس كسلاح نفسي لتدمير إرادة الشعوب.
وفي 2014، خطف تنظيم «داعش» أكثر من 6000 امرأة إيزيدية من جبل سنجار، وبُعن كجواري، ولا يزال عدد كبير منهن مجهول المصير. لم يكن خطف الإيزيديات جريمة فردية، بل إبادة نفسية جماعية شاهدها العالم عبر الشاشات، في بثّ حيّ لإذلال مجتمع كامل.
هذا الإرث الطويل من العنف المتراكم حوّل المرأة إلى خريطة نزاعات، يُمارَس عليها كل ما هو رهيب تحت مسمّيات دينية واجتماعية واقتصادية.
التاريخ نقل الوقائع، لكنه أخفق دائماً في نقل الألم. لم يكتب كفاية عن العذابات التي عبرت أجساد النساء، ولا عن الخراب الذي أصاب الأطفال والعائلات والمجتمعات المحيطة بالضحايا.
وفي سوريا اليوم، نقف أمام سردية مستمرة من العنف ضد النساء. أساء نظام الأسد لقضية المرأة، واغتالها في المعتقلات، وشرعن اغتصابها بالصمت والتواطؤ. حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تم توثيق ما لا يقلّ عن 8500 امرأة كحالات اعتقال قسري أو اختفاء قسري في سوريا ضمن مجموع حالات الإخفاء القسري التي بلغ عددها حوالي 120 ألف شخصًاً.
وبعد التحرير، تعود التقارير مجدداً عن خطف النساء، واغتصابهن، وتزويجهن قسراً. أخبار المختطفات تتكرر يومياً من عدة محافظات، وصور الضحايا ومناشدات الأمهات والأطفال تُقابل بإنكار رسمي، ونفي متواصل لوقوع الجرائم.
الأثر النفسي لهذه الجرائم يمتد كندوب غير مرئية تُدمّر المرأة والطفل والمجتمع المحيط. فقد سجّلت الأمم المتحدة منذ شباط 2025 اختطاف 38 امرأة وفتاة، معظمهن في حمص وحماة، في سياق يحمل أبعاد طائفية وعمليات ابتزاز مادي، ويعيد رسم الحدود الاجتماعية على جسد المرأة.
لخطف لا يترك جرحاً جسدياً فقط، بل يولّد صدمة نفسية حادة: اضطراب ما بعد الصدمة، اكتئاب، فقدان الثقة بالذات، ووصمة اجتماعية تحوّل الناجية إلى ظلّ في منزلها. قصة فاطمة (اسم مستعار)، كما وثقتها وكالة رويترز، تكشف كيف أصبحت بعد الإفراج عنها أسيرة خوفها، تخشى الظهور، وتتحمل العبء وحدها حتى انفصلت عن عائلتها.
أما الأطفال، سواء أبناء الاغتصاب أو شهود الفقدان، فهم يرثون صمتاً قاسياً واضطرابات في الهوية وخوفاً مزمناً، وارتفاعاً في حالات الاكتئاب.
على مستوى المجتمع، يُفاقم الخطف الانقسامات الطائفية، ويغذّي شعور العجز: آباء يعيشون فشلاً مكسوراً، جيران يتحولون إلى شهود صامتين، ومدن تُعزل بالخوف. تقرير لـ«هيومن رايتس ووتش» في حزيران 2025 وصف الخطف بأنه «وباء اجتماعي» يعطّل التعافي الوطني، ويورّث جيلاً جديداً من الكراهية.
في مواجهة هذا الظلام، أتت الحملة السنوية «16 يوماً من النشاط لمناهضة العنف ضد المرأة» من 26 تشرين الثاني حتى 10 كانون الأول، كتذكير بحجم الانتهاك المستمر، تحت شعار: «اتحدوا لوقف العنف الرقمي ضد النساء والفتيات». ركزت الحملة على محاربة التحرش الإلكتروني، والابتزاز، والترهيب الرقمي، الذي يضاعف جراح الضحايا. كما دعت إلى تطبيق قوانين تجرّم العنف، وتعزيز ثقافة التحالف المجتمعي، وتحدي السرديات المزيفة.
في سوريا، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، إلى أدوات ابتزاز وانتقام بدل أن تكون مساحات للشفاء. وفي الواقع اليومي، ما تزال النساء أهدافاً سهلة للعنف، يتسرّب الخوف إلى البيوت، فيحوّل النساء إلى سجينات غير معلنات، فيما تغذي المنصات الرقمية الكراهية والانقسام.
انتهت حملة 16 يوم، لكن العنف لم ينتهِ.
ما انتهى فقط هو الورشات والشعارات.
أما الألم، فبقي كما هو: النساء يُختطفن، الأمهات يُهددن، والمجتمع ينتظر بينما تُعاد كتابة الحدود على أجساد النساء.
صوت آخر أكثر ارتباطاً بالواقع اليومي للسوريات، ما زال مستمراً: حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” التي انطلقت منذ منتصف تشرين الأول كردّ مباشر على تزايد حوادث الخطف في البلاد. وأصبحت دعوة مفتوحة إلى كسر الصمت، وإلى دعم الناجيات، وإلى التحالف ضد العنف، بكل أشكاله القديمة والجديدة.
وثّق القائمون على الحملة حتى الآن أكثر من 112 حالة خطف لنساء وفتيات منذ سقوط النظام، لا تزال 44 منهن مختطفات حتى اليوم، فيما أُفرج عن أخريات بوساطات أو مقابل فدية.
وقد شارك عشرات الناشطين والروائيين والصحفيين في هذه الحملة المستمرة كتذكير يومي بأن العنف ضد النساء في سوريا ليس قضية موسمية، بل واقعاً يتكرر كل يوم، ويحتاج إلى من يرويه ويواجهه إلى أن تتوقف الجريمة نفسها.
حملة واحدة قد تنتهي، لكن مواجهة العنف في سوريا يجب أن تبقى مستمرة، ما دام الجرح لم يغلق بعد وما دامت النساء يدفعن الثمن الأكبر.
فالجرح السوري لا يُختزل في رزنامة، والنساء لا يملكن ترف الانتظار حتى العام القادم كي يصغي إليهن العالم.
