الإرادة

الكراسي المتحركة المستعملة: قصة السوق الذي لم تُقعده الحرب

الخط

يستعرض التقرير واقع سوق الكراسي المتحركة المستعملة في سوريا بوصفه ظاهرة نشأت نتيجة الحرب والانهيار الاقتصادي وضعف منظومة الدعم الرسمي للأشخاص ذوي الإعاقة. فمع ارتفاع نسب الإعاقة إلى نحو 28% من السكان، وتجاوزها 37% في بعض المناطق الأكثر تضرراً، لم يعد الحصول على كرسي متحرك مجرد مسألة طبية، بل شرطاً أساسياً للاستقلال الاجتماعي والاقتصادي. خلال سنوات الصراع، وُزعت كراسٍ متحركة عبر جهات حكومية ومنظمات إنسانية، لكن محدودية الأعداد، وتدني الجودة أحياناً، وتعقيد شروط الاستلام والاستبدال، دفعت كثيرين إلى البحث عن بدائل. ومع انهيار بعض المؤسسات ونهب مستودعات مساعدات في مرحلة سقوط النظام عام 2024، انتقل جزء كبير من هذا السوق إلى الفضاء الافتراضي، حيث تنتشر مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي لبيع الكراسي المستعملة وقطع غيارها بأسعار مرتفعة قياساً بالقدرة الشرائية المحلية. يظهر التقرير من خلال شهادات واقعية كيف تحوّل هذا السوق إلى شبكة دعم غير رسمية. يروي مزارع فقد القدرة على العمل بعد تعطل كرسيه الكهربائي واضطراره شراء كرسي كامل للحصول على قطع غيار، فيما يوضح بائع يقوم بإعادة تأهيل الكراسي أن عمله يتجاوز التجارة إلى مساعدة أشخاص يسعون لاستعادة استقلالهم. كما يصف أحد المستخدمين تجربة الحصول على كرسي كهربائي بأنها نقطة تحول سمحت له بالعودة إلى العمل والاندماج الاجتماعي. في المقابل، تكشف الظاهرة عن تحديات أوسع، أبرزها نقص خدمات الصيانة المتخصصة، وارتفاع الأسعار، وضعف تهيئة البنية التحتية الحضرية، حيث ما تزال الأرصفة والمباني العامة غير مهيأة بشكل كافٍ لمستخدمي الكراسي المتحركة. يخلص التقرير إلى أن السوق غير الرسمي يمثل حلاً مؤقتاً لا يغني عن سياسات عامة شاملة، تشمل اعتماد التصميم الشامل في إعادة الإعمار، وتوطين صناعة قطع الغيار والصيانة، وتعزيز التشريعات الحقوقية لضمان مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق لا متلقين للمساعدة فقط.

منصة إرادة- خليل سرحيل

في أحد أحياء حماة، ينحني أبو أحمد فوق هيكل كرسي متحرك قديم في ورشته الصغيرة. يفك العجلة الأمامية بحذر، يختبر المحور، ثم يبتسم كمن يعيد الحياة إلى شيء كاد يُنسى. لا يصف عمله كتجارة عادية؛ فهو لا يبيع بضائع فقط كجيرانه، بل إمكانية حياة. “هذا الكرسي قد يعيد شخصاً إلى عمله”، يقول وهو يشير إلى مقعد أعاد تنجيده بقماش سميك يتحمّل الاستعمال اليومي القاسي.

في سوريا التي أنهكتها الحرب والانهيار الاقتصادي، لم يعد الحصول على كرسي متحرك مسألة طبية فحسب، بل مسألة بقاء اجتماعي واقتصادي. تشير تقارير منظمة Handicap International لعام 2025 إلى أن نسبة الإعاقة في البلاد بلغت نحو 28% خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاعها في بعض المناطق الأكثر تضرراً إلى قرابة 37%. يعيش الملايين اليوم بإعاقات مرتبطة بإصابات الحرب أو نقص الرعاية الصحية أو الزلازل والكوارث اللاحقة، في ظل نظام دعم هش وخدمات صيانة شبه غائبة.

من المساعدات إلى السوق الافتراضي

خلال سنوات الصراع، كانت الكراسي المتحركة تُوزع من الحكومة السابقة لمصابي الحرب بشكل محدود: نوع يدوي إسعافي رخيص، ونوع كهربائي صيني يبدأ سعره من 500 دولار. شروط الاستلام كانت طويلة ومعقدة دخلت فيها عوامل مختلفة من الواسطة إلى الرشوة إلى الولاء إلى شروط الاستبدال التعجيزية (سنتان لليدوية، خمس سنوات للكهربائية)، إضافة إلى جودتها منخفضة مقارنة بالمعايير العالمية. مع احتكار المنظمات الحكومية السابقة للمساعدات، انتقل السوق إلى الفضاء الافتراضي. على مجموعات فيسبوك، يتبادل الآلاف صوراً لكراسي “بالية” بأسعار تبدأ من 200 دولار لليدوي وتتجاوز 1000 دولار للكهربائي؛ وهي مبالغ فلكية حين تُحسب بسعر صرف يقترب من 11,770 ليرة للدولار الواحد.

“هذا السوق ليس مجرد بيع، بل هو شبكة دعم”، يقول أبو أحمد. تجارة الكراسي المتحركة لا تقتصر على العرض والطلب. هنا، يتقاسم “ذوو الهمم” خبراتهم في الصيانة، ويتبادلون قطع الغيار مجاناً أحياناً. ليصبح الإنترنت دليل الاستخدام غير الرسمي، ولتتشكّل شبكة غير رسمية من المستخدمين والبائعين والمصلحين، يتبادلون النصائح حول البطاريات والمحركات، ويحذّرون من أعطال شائعة، ويتعاونون لتجاوز نقص القطع الأصلية، مثلما ستتشكل سوق سوداء من النصابين ومن وكلاء الظل للجمعيات الخيرية التي تبيع الكراسي التي تصلها كتبرعات، وحتى بيع الكراسي التي تم سرقتها من المستودعات الرسمية التي نهبت محتوياتها في اللاذقية وحلب خلال فترة سقوط النظام في كانون الأول 2024، ونهبت محتوياتها التي كانت مكدسة لسنوات ولم تصل لمستحقيها، لا قبل ولا بعد.

“اشتريت كرسيًا كاملاً لأجل عجلتين”

يروي أبو عبدو، وهو مزارع من ذوي الإعاقة الحركية، كيف تغيّرت حياته مع أول كرسي كهربائي حصل عليه:

“كنت من المحظوظين بامتلاكي كرسي كهربائي جيد وسعره مرتفع للغاية، وقد تمكنت بواسطته من التنقل والعمل في راحة تامة. لكن مع الزمن بدأت العجلات تهترئ حتى أصبح من المستحيل استخدام الكرسي. وهكذا ببساطة توقفت عن العمل في مزرعتي. بدأت البحث عن إطارات أمامية يمكنني استخدامها، ولم أجد حتى في مستودعات العاصمة طلبي. وجدت مجموعة على فيسبوك لبيع الكراسي والعكازات وغيرها. وجدت كرسياً مشابهاً للذي أستخدمه وأحبه. وعندما سألت إن كان باستطاعتي شراء الدواليب الأمامية فقط، رُفض طلبي واضطررت إلى شراء الكرسي كاملاً والسفر إلى محافظة أخرى لجلبه، كي أستخدم الإطارات الأمامية وأعود إلى عملي.

بعد عام ونصف توقف الكرسي عن العمل لنفس العطل تماماً. وعلى فيسبوك رأيت إعلاناً عن صب إطارات بالكِيل الذي أريده، لكن طُلب مني صب عشرة إطارات وأنا بحاجة إلى اثنين فقط. وافقت ودفعت، وأصبح لدي احتياطي من الإطارات التي تتشقق وتتفتت مع الزمن. فعلت كل هذا لأني لمست معنى الاستقلالية وقدرتي على الإنجاز بوجود الكرسي المناسب. وجدت نفسي في العمل، ولن أعود إلى السرير بعد أن عرفت أنني أستطيع العمل والاكتفاء”.

قصته تختصر مفارقة هذا السوق: حلول مبتكرة لكنها مكلفة ومؤقتة، تبقي المستخدم متأرجحاً بين الاستقلال والعودة القسرية إلى العزلة.

"هذا ليس أي سوق"

بالنسبة لأبو أحمد، الذي يشتري الكراسي غير المستخدمة ويعيد تأهيلها، المسألة تتجاوز الربح:

“أبحث بين الصفحات على كراسي للبيع: اشتريت الكثير منها لعجائز توفوا حديثاً. وأقوم بفحص الكرسي وصيانته حسب معرفتي. أقوم بتنجيد المقاعد باستخدام قماش المفروشات، وفي حال احتجت لقطع غيار، لدي الكثير من الكراسي البالية أبحث فيها عن طلبي. وعندما انتهي التقط صورة للكرسي وابيعه عبر الفيسبوك. ربما لعاجز جديد أو شخص لديه إعاقة، وأقدم لهم تخفيضات لا يقدمها أصحاب محلات الأدوات الطبية”.

بمرور الوقت، دفعت هذه الندرة المبتكرين المحليين لاجتراح حلول مبتكرة وغريبة أحياناً، من صب الدواليب إلى تركيب بطاريات الموتورات القديمة أو ربط الكرسي بالطاقة الشمسية. في ظل غياب ورش متخصصة، يتحول الحدّاد ومصلح الدراجات إلى تقنيي أجهزة مساعدة، في مشهد يعكس غياب الدعم الرسمي والتعقيدات التي فرضها القانون 34 لعام 2004، الذي ظل لسنوات حبيس الورق دون آليات تنفيذية حقيقية.

الاستقلالية كتحول وجودي

يعاني همام الياقوتي من شلل رباعي ويقول عن تجربته مع الكرسي الكهربائي: “حصلت على الكرسي الكهربائي متأخراً جداً. بعد أن نال التكلس من جسدي وأصبحت قطعة واحدة كما تراني الآن. قدمته لي جمعية خيرية ودفع أخي المغترب ثمن البطاريات. ولكني على الرغم من ذلك لا زلت أتذكر اللذة التي نلتها عندما خرجت إلى الحديقة القريبة من المنزل بمفردي على الكرسي الكهربائي. وخلال أسبوع استطعت التعرف مجدداً على محيطي الذي دمرته الحرب، وفي أحد الأيام وقفت أمام ورشة حداد. شرحت له وضعي الصحي وحاجتي إلى تعديل مسند الرجل، عدت إلى المنزل وأرسلت الكرسي مع أخي وبعد ساعات، كان لدي كرسي مريح. لم أسأل حتى عن صيانة في المشافي بحثت عبر الإنترنت ووجدت الحل. وبعد شهرين استأجرت مكتبة جانب المنزل وأعمل بها حتى اليوم. أتمنى لو نستطيع اليوم من الحصول على حقوقنا كاملة مقارنة بالدول الحديثة، حيث برامج التأهيل ضخمة وحديثة. وضمان الاستقلالية والحاجة لها هدف واضح. أما اليوم لا نزال في حرب المصطلحات بين الإعاقة والاحتياجات الخاصة. وبين أيدينا فرصة كبيرة يجب استغلالها وهي سقوط النظام. الذي كان يحدد لمن يوزع الكراسي ولمن يوزع البراميل. الحديث عن الاستقلالية لذي الإعاقة هو حديث عن إعادة إعمار البلد من جديد ولكن مع ذوي الإعاقة وليس بدونهم”.

البنية التحتية: العدو الخفي

 لكن الكرسي المتحرك، مهما بلغت عبقرية صناعته، يظل عاجزاً أمام “رصيف عالٍ” أو “باب ضيق”. تشير الدراسات العمرانية في سوريا التي جرت خلال العام الماضي إلى أن معظم المباني العامة والمراحيض لا تزال غير مهيأة، وتفتقر لأبسط المنحدرات. الشوارع الضيقة في أحياء دمشق القديمة وحلب، الأحياء المهدمة في حمص وريف دمشق المليئة بالعوائق والأنقاض، تجعل من دفع الكرسي عملية شاقة تتطلب “بطلاً” وليس مجرد مستخدم.

رغم الدور الحيوي للسوق الافتراضي، يبقى حلاً إسعافياً. غياب الصيانة المتخصصة في المشافي، وارتفاع أسعار الكراسي عالية الجودة، وعدم تهيئة البنية التحتية، كلها تحديات تجعل الاستقلالية هشّة.

بدأ توزيع الكراسي مع الثورة السورية عام 2011، عبر منظمات إنسانية دولية. لكن الاحتكار الحكومي أدى إلى تخزينها في مستودعات سرقت لاحقاً، وبيعت عبر الإنترنت.

اليوم، بعد سقوط النظام في 2024، تستمر المنظمات في تقديم مساعدات، لكن الصيانة غائبة في المشافي أو مكلفة. يلجأ الناس إلى مصلحي الدراجات أو الحدادين، رغم نقص الخبرة المتخصصة. تقارير منظمات مثل Handicap International  تشير إلى أن هذا يزيد من المخاطر الصحية، لكنه ضروري للحفاظ على الاستقلالية.

لم يعد المطلوب مجرد “تبرعات” أو “كراسي صينية رخيصة” تنتهي صلاحيتها في أشهر، بل استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على: التصميم الشامل (، أي أن تكون كل مدرسة أو مشفى يُعاد إعماره في 2026 متاحاً للجميع منذ الحجر الأول، وتوطين الصناعة عبر تحويل الورشات الصغيرة في “عدرا” و”الشيخ نجار” إلى مراكز إنتاج وصيانة معتمدة لقطع الغيار الحساسة والأهم هو التشريع الحقوقي الذي ينتقل الانتقال من عقلية “الإحسان” إلى عقلية “المواطنة”، وتفعيل حصص التوظيف الـ 4\% في القطاع العام والـ 2\% في القطاع الخاص.

في نهاية المطاف، لا يختصر هذا السوق قصة نقص معدات، بل يعكس تحوّل الحاجة إلى ابتكار جماعي. بين عجلتين مستعملتين ومنشور على فيسبوك، تتشكل شبكة بطيئة لكن فعالة لإعادة تعريف الاستقلالية. وفي بلد يعيد بناء نفسه، قد تكون هذه الشبكات الصغيرة هي البذور الأولى لمجتمع أكثر شمولاً.