الإرادة

“الصورة الخلفية”: فيلم ذاتي يفتقد الوثيقة

الخط

عرض في حمص فيلم الصورة الخلفية للمخرج خالد عبد الواحد، في دير الآباء اليسوعيين، ضمن فعالية نظمها شباب مجتمع حمص السينمائي بالتعاون مع مهرجان أيام الوثائقيات السورية. حظي الفيلم بدعاية واسعة واهتمام خاص لكونه يُعرض لأول مرة في سوريا. الفيلم، الممتد على 64 دقيقة، يقوم على تسجيلات صوتية من طرف واحد بين الأب وابنه المخرج. يروي الأب، الذي وصل ألمانيا عام 1956 لدراسة الهندسة البترولية، تفاصيل رحلاته ودراسته هناك، وخطابه في تجمع طلابي حول الوحدة السورية المصرية، وزياراته لمدن مثل لينينغراد ودريسدن. يعمد الابن إلى معالجة صورة وحيدة لوالده بالكمبيوتر، فيضعها في أماكن يذكرها الأب: أمام الجامعات، الساحات، والمساكن الطلابية. النص السينمائي يغرق في الذاتية، إذ يكتفي الابن بالتأمل في صورة والده ولصقها في فضاءات أوروبية، بينما يغيب عن السرد أي ذكر للحرب السورية أو لمعاناة السوريين تحت القصف والاعتقال واللجوء. لا يسأل الابن أباه عن أوضاعه في سوريا، ولا يخبره عن حياته كمهاجر في ألمانيا، رغم أن هذه القضايا تمثل هاجساً جماعياً ومعاناة يعيشها مئات الآلاف. الفيلم اتسم بفترات صمت طويلة وصور ثابتة أشبه بتجارب على تطبيقات رقمية، ما جعله يبدو أشبه بتمرين شخصي على استعادة ذكرى الأب الذي توفي عام 2019، أكثر منه فيلماً وثائقياً. فلا يوثق لحدث ولا يعكس سياقاً سياسياً أو اجتماعياً، بل يقدم حنين ابن يفتقد والده من خلال صورة واحدة وصوت مقتضب. في النهاية، بدا الفيلم أقرب إلى مرثية خاصة، خالية من البنية العاطفية أو الشحن الدرامي الكفيل بتحويلها إلى عمل وثائقي حي.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

على مدى 64 دقيقة مدة عرض الفيلم، وفوقها ست دقائق لحديث المخرج المسجَّل لمشاهدي الفيلم، تابع جمهور حمص فيلم “الصورة الخلفية” من إخراج خالد عبد الواحد، وذلك في باحة دير الآباء اليسوعيين؛ الدير الذي فتح صدره لاستضافة الكثير من الفعاليات الثقافية والسياسية وورش العمل، الدير الذي بُني من البازلت، حجارة حمص المعروفة منذ جوليا دومنا الحمصية إمبراطورة روما وأم أباطرتها.

سبق عرض الفيلم بأيام دعاية مكثفة، واكتسب سمعة حسنة والكثير من التقدير والاحترام، باعتبار أنه سيُعرض لأول مرة في سوريا وفي مدينتهم حمص، وقد استضاف الفيلم: شباب مجتمع حمص السينمائي بالتعاون مع مهرجان “أيام الوثائقيات السورية”.

قصة الفيلم – إن كان للفيلم قصة – تُروى من خلال المهاتفات بين الأب والابن، ومن طرف واحد؛ إذ يقول الأب إنه وصل إلى ألمانيا عام 1956، وبدأ الدراسة عام 1957. وفي عام 1958 ألقى خطاباً وسط تجمع طلابي عربي أغلبه من السوريين والمصريين، تحدث فيه عن الوحدة بين مصر وسوريا. ذهب في رحلة إلى لينينغراد التي صار اسمها سان بطرسبورغ بعد سقوط الشيوعية، ويقول الأب إن الأرميتاج في لينينغراد هو أكبر متحف في العالم، وليس متحف اللوفر في باريس. ينتقل الأب إلى دريسدن ويشيد بأهلها الذين يمثلون الألمان. وهنا ثمة نقطة كان يمكن للمخرج أن يستثمرها بإجراء تقاطع بين ما جرى في الحرب السورية من تدمير للأحياء والقرى، وبين ما جرى لدريسدن في الحرب العالمية الثانية، حيث دُمّرت المدينة عن بكرة أبيها، وكانت مأساة عالمية كتب عنها الأدباء والفنانون الكثير من القصص والروايات والمسرحيات، ومنها مسرحية “احتفال ليلي خاص لدريسدن” للكاتب المسرحي السوري مصطفى الحلاج.

يلجأ المخرج إلى السرد عبر مكالمات من طرف واحد بينه وبين أبيه؛ فالابن يملك صورة واحدة لأبيه، يعالجها بالكمبيوتر، فيلبسها لباساً مختلفاً حسبما يكون حديث الأب عن الأماكن: دار السكن الطلابي، الجامعة، الساحات العامة… إلخ، ويعمد إلى لصق الصورة أمام مبنى الجامعة أو أي مكان يتحدث عنه الأب.

إنه فيلم مغرق في ذاتيته، عبر علاقة خاصة جداً بين الأب وابنه مخرج الفيلم؛ الأب الذي – من المفترض ومن سياق السرد – أن يعاني الأمرّين من ويلات الحرب السورية، فليس ثمة بقعة من أرض سوريا لم تمسسها الحرب: قصفاً، دماراً، موتاً، اعتقالاً… كل تلك المعاناة من شظف العيش إلى براميل الاستبداد الأسدي لم يأتِ على ذكرها الأب الموجود في سوريا، ولا الابن مخرج الفيلم الذي يعيش مهاجراً في ألمانيا يسأل عن أخبار سوريا: أخبار الموت والبارود والجوع. كل ما يفعله الابن هو تأمل صورة أبيه، وتكبيرها، ولصقها في أماكن تواجد فيها الأب في ألمانيا الديمقراطية، وأخبر عنها باقتضاب شديد، منذ وصوله إلى ألمانيا ببعثة حكومية ليدرس الهندسة البترولية، وحتى تذكارات بسيطة، بل سخيفة أحياناً.

غريبة تلك العلاقة بين الأب والابن؛ فالابن الموجود في ألمانيا الموحدة/الحالية لا يتحدث إلى أبيه حول أحواله كمهاجر أو لاجئ، رغم أن سوريا قاطبة والمنظمات الدولية تعرف الصعوبات الهائلة التي يواجهها السوريون في دول النزوح الأوروبية، ومنذ وصولهم وقد تركوا بيوتهم المهدمة وأهلهم تحت القصف، وركبوا مراكب الموت، وجلسوا في “الجوب سنتر” ينتظرون اللقمة وشربة الماء وقليلاً من اليوروهات كمصروف يومي، إنهم ينتظرون مصيرهم المجهول في بلاد غريبة عنهم في كل شيء: لغةً وطقساً، وعاداتٍ، وتقاليدَ، وأعرافاً. هذا الابن المخرج لا يذكر لأبيه أية معاناة في عيشه الجديد، ولا تفاصيل تحركاته ليُحضِر أباه إلى ألمانيا، وقد أخبرنا بعد وفاة الأب أنه فشل في مسعاه. ولا يذكر أي خبر عن أحواله المعيشية التي تحسنت كثيراً وصار رجلاً “ألمانياً” أو يكاد.

فيلم ممل، لطول فترات الصمت، وبقاء الصور الثابتة، كلقطة فيلم طويلة لزمن فني ممتد، واستخدام صورة الأب كتدريبات على تطبيق “كانفا” الإلكتروني ربما، ليصنع المخرج من ومضات من حياة أبيه حكاية ذاتية، وبالتكافل والتضامن والاتفاق مع الأب، لكن هذا الاتفاق توقف بوفاة الأب عام 2019.

من الغرابة أن يُسمى هذا الفيلم فيلماً وثائقياً؛ فهو لا يوثّق لشيء، إنما هو شجنُ ابنٍ يفتقد أباه، دون بنيةٍ عاطفية أو شحن وجداني لتلك العلاقة وعند كليهما.