الإرادة

التغريبة السورية: ملحمة طفولية من ركام الحرب والأمل

الخط

يُعدّ فيلم "التغريبة السورية" (وثائقي طويل - نزار الحصان) عملاً متفرداً يجنح عن سائد الإنتاج السينمائي السوري، إذ يركز على عالم الطفولة في خضم الثورة ورحلة الشقاء التي تلتها. يبدأ الفيلم برصد المظاهرات السلمية التي انطلقت عام 2011 مطالبة بالكرامة، ثم بالحرية، واصطدمت بالقمع الأمني الشديد والتغوّل الذي دفع المتظاهرين لإدراك أنه لا حلّ إلا بإسقاط نظام الاستبداد الذي جثم لخمسين عاماً ونيّف. يرصد الفيلم تلك البدايات العارمة في مدن كـ "حمص" و "درعا"، ويسلط الضوء على الفرح الطاغي في المسيرات، وتصاعد القمع الوحشي الذي لم يشهد التاريخ مثيله. تتوالى مشاهد القتل والدمار والاعتقال، وصرخة جندي النظام المستنكرة: "بدكم حرية؟!". الفيلم هو بمثابة رحلة مع اثني عشر طفلاً من أعمار وأماكن مختلفة، رافقتهم الكاميرا في ثورتهم، ومن ثم في جحيم القصف، وفي النزوح، وصولاً إلى الهجرة الصعبة عبر مراكب الموت والحدود الشائكة لدول عدة. هذه الرحلة تجعل من الطفل السوري "سيزيف عصره"، يحمل صرّة الأمل ويكافح من أجل النجاة. يتميز الفيلم بدمجه الإبداعي بين الشهادات الحية للأطفال، وصور الأنيميشن المستمدة من رسوماتهم، مع لوحات فنية عالمية لفنانين مثل غويا وبيكاسو، وفنانين تشكيليين سوريين كلؤي كيالي. هذا المعمار السردي البصري يحول المأساة إلى ملحمة بطولية طفولية. الهدف من الفيلم هو إعطاء صوت لهؤلاء الأطفال "الرجال"، الذين علمتهم الثورة محاكمة الواقع والاصطفاف إلى جانب الحق، متطلعين إلى حيواتهم القادمة في الاغتراب. "التغريبة السورية" يشدّ المشاهد، يجعله يبكي وينتعش بروح الأمل، موثقاً تجاربهم وأحلامهم المؤجلة، ومشكّلاً الذاكرة الجماعية من خلال الفن.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

فيلم “التغريبة السورية” يجنح عن كل ما أنتجته السينما السورية إلى رصد عالم الطفولة في تلك الثورة العظيمة، ورحلة شقائها منذ إطلاق “ثورة الكرامة”. وقد أُضيف إلى مطلب الكرامة مطلب عظيم هو الحرية، واكتشف المتظاهرون السلميون الذين ملؤوا ساحات معظم المدن السورية، وأمام التغوّل الأمني والقمع الشديد، أنه لا حلّ إلا بإسقاط النظام، نظام الاستبداد الأسدي الذي جثم على صدور السوريين لخمسين عامًا ونيّف.

حوار إبداعي يمزج الـ "أنيميشن" بصرخة الضحايا

يرصد الفيلم في ربعه الأول تلك المظاهرات العارمة، وفرح الناس لأنها انتصرت على ذواتها أولاً وانطلقت تتجمع في الساحات وتنادي بكرامتها، وبمسائل مطلبية. كان الفرح هو الغالب على تلك المسيرات، وصارت مشاهد التظاهرات تلجأ إلى الكوميديا والغرابة المحببة والإدهاش خصوصاً في عاصمة الثورة حمص، التي ساندت أبطال حوران، ولبّت نداء آباء أطفال درعا الذين أُهينوا واحتُجزوا وسمعوا كلاماً بل تهديدات أمنية يندى لها الجبين.

من تلك البدايات يبدأ الفيلم برصد المظاهرات، ومن ثَمَّ القمع الذي لم يشهد التاريخ مثيله، من اعتقال وقتل وسحل وحرق. وما زالت صرخة جندي النظام تدوي في آذان الناس، وهو يقمع متظاهراً ويسأله مستنكراً: “بدكم حرية؟!”، وقد تضمنها الفيلم إلى جانب مشاهد مؤلمة، وإصرار الثائرين وإبداعهم التكتيكي والفني الغنائي على وجه الخصوص، كعبد الباسط الساروت، وفدوى سليمان، ومي سكاف، والقاشوش… في خضم رزمة مؤلمة من مشاهد القتل والدمار، وقطار الموت الذي يمضي حاملاً معه ضحايا جديدة ابتداءً من الطفل حمزة الخطيب. في هكذا دمار وقتل يبدأ النزوح، ومن ثَمَّ الهجرة. وأي هجرة كان السوري فيها يحمل ما تيّسر من لباسه وحاجاته الأساسية، ويحمل صُرَّة الأمل، ويصعد للنجاة، لكن عزمه وأمله سرعان ما ينهار فيحاول مجدداً، إنه سيزيف عصره، وقد رفض أن يتجرع السم كسقراط.

لجأ المخرج إلى محاورة اثني عشر طفلاً، من أعمار مختلفة وأماكن عيش مختلفة أيضاً، بل رافقهم في ثورتهم، نعم ثورتهم، فالأطفال في سوريا أصبحوا ثواراً، ألم تبدأ الثورة في درعا وكان أبطالها من الأطفال؟ ورافقهم في جحيم القصف والقتل، وفي النزوح، وفي هجرتهم وأهليهم بواسطة “مراكب الموت” عبر البحار التي ابتلعت بعضهم، أو عبر الحدود، ليس الحدود السورية فقط، بل حدود دول عدة ناموا فيها على مقربة من الأسلاك الشائكة، وحاولوا العبور مراراً وفشلوا مرات، وأعادوا الكرة رغم قمعهم وإطلاق النار عليهم من قبل حرس الحدود، إلى أن نجح البعض منهم في العبور. فمنهم من سكن الخيام، أو هنغارات “الجوب سنتر”، ثم انتظموا في مساكن ومدارس ومؤسسات مجتمعات المدن التي وصلوا إليها.

في كل هذا السرد، يلجأ المخرج إلى دمج الأحداث بصور الأنيميشن، ورسوم الأطفال الرائعة، ورسومات لفنانين عالميين كبيكاسو وغويا، وفنانين تشكيليين سوريين، كلؤي كيالي ومصطفى الحلاج وغيرهما، ليصنع من هذا المعمار السردي وبالصورة والمشهدية، ملحمة بطولية طفولية، أبطالها أطفال سوريون أتوا من كل فج عميق، جمعتهم آلة القمع السورية، وحلم الثورة بالحرية.

هذا السرد وهذا الدمج الإبداعي المتفرّد، والمتميز عن كل الأفلام التي أُنتجت عن الثورة السورية، وعددها ستون فيلماً، هو ما يشدّ المشاهد، ويجعله يبكي وهو جالس في كرسيه يشاهد الفيلم، ثم ينتعش بروح الأمل، في حوار المخرج مع الأطفال في كل مراحل ثورتهم، أطفال رجال، علمتهم الثورة محاكمة الواقع والاصطفاف إلى جانب الحق، والوقوف في وجه الظلم والاستبداد، والتطلع إلى حيواتهم القادمة في بلاد الاغتراب، كلاً من منظور طموحه وأمله إلى نفسه وإلى الحياة.

عُرض فيلم “التغريبة السورية” ضمن تظاهرة أفلام الثورة السورية في مهرجان السلام بحمص من 15 ولغاية 25 تشرين الأول (أكتوبر)، وقد أُلغيت عروض بعض الأفلام بسبب سوء التنظيم.

🎞️ بطاقة الفيلم

  • النوع: وثائقي طويل.

  • الإخراج: نزار الحصان.

  • مدة الفيلم: 71 دقيقة.

  • الإنتاج: صناع الحياة للإعلام – فيينا (2024).

  • بلدان التصوير: سوريا، تركيا، اليونان، صربيا، المجر، والنمسا.

🎯 المحتوى والأهداف

  • التركيز: يوثق تجارب الأطفال السوريين خلال الحرب ورحلة اللجوء، بما في ذلك مخاوفهم وذكرياتهم وأحلامهم المؤجلة.

  • الأسلوب البصري: يجمع بين الشهادات الحية للأطفال، ورسومهم التي تحولت إلى مشاهد متحركة، وصور حقيقية، ولوحات فنية عالمية تناولت مواضيع الحرب والدمار، مثل أعمال غويا وبيكاسو ومونك.

  • الأهداف الفنية والإنسانية: يهدف إلى إعطاء صوت للأطفال في خضم ضجيج الخطابات الإعلامية والسياسية، وتسليط الضوء على الآثار النفسية للحرب، وإعادة تشكيل الذاكرة الجماعية من خلال الفن.