يرصد هذا التقرير واقع عمّال اليومية في مدينة دير الزّور، حيث يتقاطع الدمار الواسع مع هشاشة سوق العمل وغياب الحماية القانونية. معاذ المحمد (54 عاماً)، نموذج لآلاف العمّال الذين دفعتهم ظروف الحرب والفقر إلى العمل في إزالة الركام ضمن ورشات غير منظّمة، مقابل أجر يومي لا يتجاوز 100 ألف ليرة سورية. يعمل هؤلاء لساعات طويلة في بيئة عالية الخطورة، دون تدريب أو معدات سلامة أو أي ضمان اجتماعي يحميهم في حال الإصابة أو المرض. ورغم أن نسبة الدمار في المدينة تصل إلى 90% وفق تقديرات رسمية، إلا أن قطاع إزالة الأنقاض ما يزال خارج أي إطار تنظيمي فعّال. معظم الورشات غير مسجّلة، ولا تُلزم بتأمين العمال أو تسجيلهم لدى الجهات المختصة. ويؤكد أصحاب الورشات أنهم لم يتلقّوا أي طلب رسمي للتسجيل، في حين تشير الجهات المعنية إلى وجود تعليمات تُلزم بذلك، ما يكشف فجوة واضحة بين السياسات المعلنة والتطبيق الفعلي على الأرض. تنعكس هذه الفجوة بشكل مباشر على حياة العمّال، حيث يتحمّلون وحدهم كلفة المخاطر. وفي غياب أي شبكة أمان، يضطر المرضى وكبار السن، بل وحتى القُصّر، للعمل في هذه المهن الشاقة. قصة رياض عباس، الذي توفي بعد أشهر من العمل في إزالة الركام رغم معاناته من مرض رئوي، تجسّد هذا الواقع القاسي، حيث يتحوّل العمل إلى تهديد مباشر للحياة بدلاً من أن يكون وسيلة للنجاة. كما تكشف الملاحظة الميدانية تغيّراً في صورة عامل اليومية، إذ لم يعد الشاب القوي هو الغالب، بل رجال متقدمون في السن وأجساد منهكة تدفعها الحاجة للعمل تحت أي ظرف. وفي ظل غياب الرقابة والتأمين، يبقى هؤلاء العمّال عالقين بين فقر يفرض العمل، وخطر قد يكلّفهم حياتهم. في المحصلة، يعكس واقع عمّال اليومية في دير الزّور نموذجاً لاقتصاد هشّ يُدار خارج الأطر القانونية، حيث تتقدّم الحاجة على الحقوق، ويُترك الإنسان لمواجهة مصيره دون حماية.
استمع للمقال
منصة إرادة- شيماء شريف
هنا، في دير الزّور، لا تُبنى المدينة من جديد، بل تُبنى على أجساد عمّالها. كل حجر يُرفع، يقابله شيء يُدفن: صحّة، عمر، أو حياة كاملة. في مدينة دُمّرت بنسبة 80%، لا يقتل الدمار من سقطت فوقهم الجدران فقط، بل يقتل أيضاً من يزيلونها. عمّال اليوميّة يدخلون كل صباح إلى مقابر مفتوحة، بلا خوذات، بلا ضمان، وبأجر لا يكفي للبقاء أحياء.
يعملون بلا ضمان… ويمرضون بلا علاج
معاذ المحمد (اسم مستعار)، 54 عاماً، من أبناء مدينة دير الزّور، تزوّج من أرملة أخيه الذي قُتل خلال سنوات الحرب، وتكفّل بتربية أبنائه الثلاثة، إضافة إلى ثلاثة أطفال رُزق بهم لاحقاً. نجا معاذ من مرض السرطان الذي أُصيب به عام 2013، كما تعافى من الإدمان على المواد المخدّرة منذ ثلاثة أعوام. يعمل اليوم في إحدى الورشات الصغيرة غير المنظّمة في تنظيف وترحيل الركام، مقابل 100 ألف ليرة سورية يومياً (أقل من 10 دولارات)، لقاء ثماني ساعات من العمل المتواصل في تكسير ونقل وترحيل إرث أربعة عشر عاماً من الحرب في سوريا.
وبحسب الأرقام الرسمية، تصل نسبة الدمار في مدينة دير الزّور إلى 80%. وعلى الرغم من ذلك، لا يخضع عمل الورشات الصغيرة الناشئة في تكسير وتجميع وترحيل الأنقاض لأي ضبط أو تنظيم. فجميع الورشات التي تمت مقابلتها خلال إعداد هذا التقرير غير مسجّلة رسمياً، ولا تخضع لأي إطار مهني يضمن حقوق العمال أو يحميهم من الاستغلال. يعمل هؤلاء في بيئة عالية الخطورة، دون إشراف تقني أو تدريب أو معدات سلامة، ولساعات طويلة وفي ظروف مناخية قاسية، من دون أي ضمان اجتماعي في حال الإصابة أو التوقف عن العمل بسبب المرض أو التقدّم في السن.
مهنة محفوفة بالمخاطر خارج أي إطار قانوني
محمد السوادي (30 عاماً)، منظم ورشة صغيرة تضم خمسة عمّال يوميّة غير ثابتين، يقول: “أعمل مديراً لهذه الورشة منذ سقوط النظام وانتعاش حركة البناء نسبياً. لم تطلب مني أي جهة تسجيل الورشة أو العمّال. أدفع لكل عامل 100 ألف ليرة يومياً مقابل نحو ثماني ساعات عمل، مع وجبة غداء (سندويش فلافل). عندما أُصيب أحد العمال واضطر للبقاء في المنزل أسبوعاً، دفعت له أجره كاملاً من تلقاء نفسي، لكن لا يمكنني تحمّل تكاليف علاجه أو إعالة أسرته إن طالت فترة مرضه. أنا أيضاً أعمل لأعيل عائلتي”.
ويضيف: “يتقدّم للعمل رجال بأعمار متقدمة، بعضهم يتجاوز الخامسة والستين، وآخرون مرضى، ولا أستطيع تشغيلهم. نحن كمشغّلين نرحّب بتسجيل العمّال لدى الحكومة لضمان حقوقهم، لكن لم يُطلب منا ذلك حتى الآن”.
في المقابل، أفاد مصدر في دائرة التأمين والمعاشات لمنظمة الإرادة أن الدائرة تطالب مشغّلي الورشات بتسجيل العمّال لضبط العمل وضمان حقوقهم، ويتوجب على المشغّل دفع 200 ألف ليرة شهرياً عن كل عامل. وفي حال التهرّب، يتعرض للإنذار ثم الغرامة. ويحصل العمال المسجّلون على تعويض نهاية الخدمة وتعويض في حال الإصابة.
العمل حتى الانهيار
سعاد الموسى (45 عاماً)، من دير الزّور، فقدت زوجها رياض عباس (53 عاماً) قبل نحو شهر، وتعيش اليوم مع أطفالها السبعة في شقة مستأجرة. تدهورت صحة رياض بعد سنوات من التهجير والمعاناة، إثر ملاحقته واعتقاله سابقاً بسبب ظهوره في مقطع مصوّر ينتقد فيه قبضة الأفرع الأمنية.
عاد رياض إلى دير الزّور بعد سقوط النظام وهو يعاني مرضاً رئوياً حاداً. لم يجد علاجاً ولا فرصة عمل، فالتحق بإحدى ورشات إزالة الركام. أمضى أشهره الأخيرة يعمل وسط الغبار، يكسر الجدران المتهالكة رغم مرضه، حتى انهار جسده كما انهارت الجدران التي عمل على إزالتها. حاول أقاربه المغتربون إنقاذه في اللحظات الأخيرة، لكن الأوان كان قد فات.
أجساد تحت الطلب
لم تعد صورة عامل اليومية كما كانت: شاب قوي البنية، مفتول العضلات. في ساحات التجمع اليوم، يظهر مشهد مختلف؛ رجال بأعمار متقدمة، لحى بيضاء، أجساد منهكة، ونظرات تنتظر فرصة عمل. بينهم قُصّر لا تتجاوز أعمارهم الرابعة عشرة، وآخرون مرضى، مثل معاذ الذي يعاني السكري ويواجه نوبات غيبوبة بين الحين والآخر.
لا يملك هؤلاء رفاهية اختيار العمل المناسب. يعملون في أخطر المهن لإعالة أسرهم، في ظل غياب أي بدائل. الركام في دير الزّور لا يُنقل… بل يُعاد إنتاجه داخل أجساد العمّال. كل ضربة مطرقة تقصّر عمراً، وكل يوم عمل يقرّب من النهاية.
عمل خطِر بلا حماية ولا حقوق
بين واقع الورشات غير المسجّلة، والتوجيهات الحكومية، تتسع فجوة التطبيق على الأرض. المسافة بين التصريحات الرسمية وحياة العمّال اليومية تعادل المسافة بينهم وبين حياة كريمة وآمنة؛ حياة تضمن لهم الحد الأدنى من الأمان عند التقدّم في السن أو التعرض لإصابة.
الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع لم تعد مجرد تأخير في التطبيق، بل أصبحت سياسة قائمة بذاتها. القوانين موجودة، لكن غياب الرقابة والمحاسبة يحوّلها إلى نصوص بلا أثر. وفي ظل هذا الفراغ، يتحوّل العمّال إلى الحلقة الأضعف في معادلة إعادة الإعمار، يدفعون الثمن وحدهم، دون أن يكون لهم أي صوت في رسم شروط العمل أو ضمان حقوقهم.
ما يجري في دير الزّور ليس خللاً إدارياً عابراً، بل نموذجاً مكثّفاً لاقتصاد يُدار على حساب الأضعف. حين يُترك العمّال بلا تسجيل، وبلا حماية، وبلا مساءلة، فإنّ ذلك ليس صدفة بل نتيجة لغياب إرادة حقيقية لتنظيم العمل وحماية الإنسان. إعادة الإعمار التي تُبنى على هذا النحو لن تُنتج مدينة آمنة، بل دورة جديدة من الهشاشة والاستغلال.
