الإرادة

ديمقراطية الخوارزمية: كيف تُدار عقولنا من خلف الشاشة؟

الخط

لم يعد النجاح في عصر "السيولة الرقمية" يُقاس بما يُشاهَد فعلياً، بل بما يُروَّج له على أنه ناجح. لقد انتقلنا من زمن "الجمهور عايز كده" إلى زمن "الخوارزمية عايزة كده"، حيث تلعب "اللجان الإلكترونية" دور المايسترو الخفي الذي يوجّه الذائقة العامة ويصنع النجومية والقبول الجماهيري، بل وحتى التصورات السياسية. في موسم الدراما، خاصة في رمضان، لم تعد المنافسة قائمة فقط على جودة النص أو الإخراج، بل على القدرة على تصنيع "الترند". آلاف الحسابات الوهمية وشبه الحقيقية تعمل بتنسيق دقيق لإغراق المنصات برسائل متطابقة، ما يخلق وهماً بـ"الإجماع". وهكذا، تُهمَّش أعمال جادة لأنها لا تملك ميزانية للترويج الرقمي، بينما تُرفع أعمال أخرى إلى القمة بفضل الضخ المنظم. لكن الخطر الأكبر يتجاوز الفن إلى الواقع السياسي والاجتماعي، خصوصاً في السياق السوري. إذ تُستخدم هذه الأدوات لتلميع شخصيات، وصناعة "بطولات" وهمية، والترويج لصورة واقع مستقر ومقبول، رغم التناقض مع معاناة الناس. هذا التكرار المكثف يخلق شكاً داخلياً لدى الأفراد: هل المشكلة فينا أم في الواقع؟ وهنا يتشكل ما يُعرف بـ"صمت الأغلبية"، حيث يخشى الأفراد مخالفة الإجماع الزائف. تعتمد هذه المنظومة على ثلاث أدوات رئيسية: التكرار المنسق، الهجوم على الأصوات المعارضة، وتوظيف مؤثرين لتسويق الرسائل بغطاء شخصي. ومع الوقت، يتحول هذا الضجيج إلى "حقيقة" بديلة. المقلق أننا لسنا مجرد ضحايا، بل شركاء أيضاً. تفاعلنا غير الواعي مع "الترند" يعزز هذه المنظومة. لذلك، تصبح الحاجة ملحّة إلى الشك، وإعادة ربط الحقيقة بما نعيشه فعلياً، لا بما تعرضه الشاشات. فالحقيقة ليست ما يُتداول، بل ما يُعاش.

منصة إرادة- خليل سرحيل

في العصور الخوالي، كان النجاح يُقاس بطول الطوابير أمام صالات العرض، أو بنسبة الصمت التي تسكن الشوارع وقت عرض مسلسل تلتف حوله العائلة، كما حصل مع مسلسل كاساندرا. أما اليوم، ونحن نعيش في عصر “السيولة الرقمية”، فلم يعد ما ينجح هو ما يُشاهَد بالفعل، بل ما “يُقال” إنه يُشاهَد. وكأننا انتقلنا من زمن “الجمهور عايز كده” إلى زمن “الخوارزمية عايزة كده”، حيث باتت “اللجان الإلكترونية” هي المايسترو الخفي الذي يدير ذائقتنا، ويقرر لنا من هو “نمبر وان”، ومن هو الممثل “الخارق”، ومن هو القائد الملهم، وصولاً إلى رسم ملامح واقع سياسي واجتماعي كامل من العدم.

ماكينة الدراما: صناعة "الترند" المدفوع

تبدأ الحكاية من موسم رمضان، المختبر الأكبر لقياس قدرة المال على تطويع الوعي. في سوريا، لم تعد المنافسة محصورة في جودة النص أو براعة الإخراج، بل انتقلت إلى غرف مظلمة تدير آلاف الحسابات الوهمية. حين تفتح “فيسبوك” أو “إكس” لتجد سيلاً عارماً يتحدث عن عبقرية أداء تيم حسن هذا العام أو أمير كرارة، أو تكرار وسوم (هاشتاغات) تضع ممثلاً بعينه في خانة “الأعلى أجراً” أو “الأكثر مشاهدة”، فأنت لا تقرأ رأياً عاماً، بل تشاهد “نتائج ميزانية”.

هذه اللجان، التي تتنوع بين حسابات وهمية من الهند أو الصين أو فيتنام تكتفي بوضع إيموجي “أضحكني” أو تعليقات منسوخة، وبين حسابات “شبه حقيقية” يديرها أشخاص حقيقيون برواتب ثابتة، تعمل وفق آلية “التكرار والكثافة”. غير أن القاعدة بسيطة: إذا قيلت الكذبة ألف مرة، في التوقيت نفسه ومن منصات مختلفة، ستتحول في ذهن المتلقي إلى “إجماع شعبي”. وهنا تُهمَّش أعمال جادة، لمجرد أنها لم تملك ميزانية لضخها في عروق “الترند”، فيظن المشاهد أنها فشلت، بينما الحقيقة أنها فقط لم تُبرمج لتكون “ناجحة” رقمياً.

من الشاشة إلى الشارع: صناعة الواقع السوري البديل

لكن زبدة القول تتجاوز شاشات التلفزيون. إن ما يحدث في الدراما ليس سوى “بروفة” لما يجري في المجال العام السوري. فبعد سنوات من الحرب والتحولات الكبرى، انتقلت عدوى “اللجان الإلكترونية” لتصبح الأداة الأولى في إعادة تشكيل الهوية السياسية والاجتماعية.

في المشهد السوري الحالي، وخاصة بعد التحولات الكبرى التي تلت سقوط النظام الديكتاتوري وبدء بناء نظام سياسي جديد، بوجوه وأدوات جديدة، نلاحظ توظيفاً مرعباً لسيكولوجيا النشر الرقمي. يتم تضخيم حضور شخصيات معينة، إعطاء معاني لأحداث عادية وإعادة تفسيرها، وإضفاء صبغة “البطولة” أو “الإجماع” أو حتى “الرؤفض” على قرارات ما عبر جيوش إلكترونية منظمة، تعمل على مدار الساعة لتصوير واقع بديل يختلف تماماً عن معاناة الناس على الأرض.

هذا “الواقع المصطنع” يعتمد على فك ارتباط الجمهور بالحقيقة المعاشة، وربطه بالحقيقة الرقمية. عندما يرى المواطن السوري أن “الكل” يمتدح وضعاً معيناً أو يهلل لشخصية سياسية أو عسكرية عبر المنصات، يبدأ بالشك في حواسه: “هل أنا الوحيد الذي يعاني؟” “لماذا يبدو الجميع راضين؟”. هنا تنجح اللجان في خلق “صمت الأغلبية”، حيث يتراجع الفرد عن قول الحقيقة خوفاً من مخالفة “الإجماع الزائف” الذي صنعته الخوارزمية.

سيكولوجية القطيع الرقمي: كيف تتحول الكذبة إلى "حقيقة"؟

في جمهورية اللايك، تعتمد اللجان الإلكترونية على آلية “تفكيك الوعي” عبر ثلاث خطوات:

– توقيت النشر الموحد: إغراق المنصات، في لحظة واحدة، برسالة محددة لخطف انتباه الخوارزمية.

– الهجوم المنظم: اغتيال معنوي لأي صوت معارض عبر “الريبورتات” أو التنمر الجماعي، لعزل أي حقيقة تحاول البروز.

– صناعة المؤثر “المبرمج”: استخدام مؤثرين محليين يتقاضون مبالغ لترويج أفكار معينة تحت غطاء “الرأي الشخصي”، مما يمنح “الواقع البديل” لمسة إنسانية مضللة.

إن التكرار لا يقنع العقل فقط، بل يرهقه. ومع الوقت، يتحول هذا الضجيج الرقمي إلى مرجعية حقيقية. يصبح “الواقع” هو ما نراه على شاشات هواتفنا، لا ما نلمسه في أحيائنا الفقيرة أو شوارعنا المنهكة. صحيح أن الخوارزمية لا تنتخب… لكنها تحكم.

هل نحن ضحايا أم شركاء؟

يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: هل الجمهور مجرد ضحية لهذه الماكينة الجبارة؟

في الواقع، نحن نلعب دور الشريك، بوعي أو من دونه. انجرافنا خلف “الترند”، ومشاركتنا في منشورات “نمبر وان”، ومساهمتنا في نشر أخبار لا نملك يقيناً بصحتها، هي الوقود الذي يحرك هذه اللجان. لقد أصبحنا نفضل “السهل الرقمي” على “المعقد الواقعي”.

إن المقال هنا دعوة صريحة إلى الشك: شك في كل ما يُقدَّم لنا على أنه “رأي الأغلبية”، وشك في كل “إجماع” يظهر فجأة على شاشاتنا. علينا أن ندرك أن الحقيقة في سوريا اليوم باتت رهينة ميزانية تُدفع وخوارزمية تُبرمج، ولا نعرف من يقف وراءها. لتكون الحقيقة المنفية: هي كل ما يتبقّى خارج الشاشة.

استعادة الحقيقة

إن الانتقال من “تزييف النجاح الدرامي” إلى “تزييف الواقع المعاش” هو قبول بأن يتم تصنيع الحقائق بضجيج مزيف. فإذا كانت جيوش الظل قد نجحت في إقناعنا بأن مسلسلاً فاشلاً هو “القمة”، فهي قادرة على إقناعنا بأن واقعنا المأساوي هو “الاستقرار المنشود”.

الحقيقة ليست “لايك” أو “إيموجي” مستورداً من مزارع الحسابات الوهمية في آسيا، كما هي حسابات “أضحكني”؛ الحقيقة هي ما نعيشه بعيداً عن الشاشات. إنها دعوة للتمرد على “ديمقراطية الخوارزمية”، والبحث عن الحقيقة في عيون الناس، لا في عدد “المشاهدات” التي قد لا تتجاوز كونها مجرد أرقام في كشف حساب بنكي لمتعهد لجان إلكترونية يعيش فوق السحاب، بينما نحن غارقون في قاع الترند.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *