الإرادة

أموال السوريين رهينة المصارف: سقف السحب ينخفض وأزمة السيولة تزداد

منصة إرادة- شيماء شريف

 

بعد ثمانية أشهر من سقوط النظام السوري، يجد آلاف المودعين أنفسهم أمام واقع صادم: المصارف الحكومية تحبس أموالهم وتفرض قيودًا صارمة على عمليات السحب، دون تبرير رسمي واضح أو خطة معلنة لإنهاء هذه الإجراءات. فقد حدد مصرف سوريا المركزي سقف السحب الأسبوعي من المصارف الحكومية عند 200 ألف ليرة سورية فقط، أي ما يعادل نحو 14 دولارًا، في وقت يشهد فيه السوق شحًّا شديدًا في السيولة النقدية وارتفاعًا حادًا في الأسعار.

هذا التقييد جاء في إطار سياسة أوسع أطلقها البنك المركزي للحد من الكتلة النقدية المتداولة بعد انهيار النظام، في محاولة – وفق تفسيرات بعض الخبراء – للحد من التضخم وضبط سعر الصرف. لكن في غياب الشفافية، تحوّلت هذه السياسة إلى أزمة معيشية خانقة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة التي أودعت مدخراتها في المصارف أملاً في الأمان، لتجد نفسها اليوم تتوسل أموالها كما لو كانت “منحة” أو “معونة”.

أم أنس… من مدّخرة إلى “موظفة” في المصرف

أم أنس، معلمة متقاعدة من دير الزور، أودعت نحو عشرين مليون ليرة سورية في المصرف التجاري بعد سقوط النظام، خشية تعرضها للسرقة في المنزل. في الأشهر الأولى، كانت قادرة على سحب أكثر من خمسة ملايين أسبوعيًا، لكنها لم تكن بحاجة لذلك. مع مرور الوقت، بدأ السقف يتقلص في آذار: أولًا إلى مليون، ثم نصف مليون، وأخيرًا 200 ألف ليرة في الأسبوع في شهر تموز.

انزلقت أم أنس في دوّامة رحلات يوميّة إلى المصرف التّجاري في محاولة لاسترجاع نقودها، تقول أم أنس:

“ماذا أفعل بـ200 ألف ليرة؟ ولا يمكنني سحب أكثر من هذا الرّقم مهما كان السّبب، نصفها يذهب لتكلفة التاكسي ذهابًا وإيابًا. الباقي لا يكفي سوى ليومين. خلال الأشهر الماضية شعرت بأنني موظفة في المصرف لا زبونة، تقريباً أنا أداوم هناك، اضطرّ للانتظار لساعات طويلة، وأحياناً يتشاجر النّاس مع الموظف والّذي يقوم بدوره بالصراخ في وجهنا جميعاً، العطش، التّعب الشّديد، الإهانة التي نشعر بها جميعاً هناك في طابور الانتظار، وأكثر ما أخشاه أن أسمع: (لا أموال لدينا)، كما حصل في لبنان”. 

تصف أم أنس رحلاتها المتكررة إلى المصرف وكأنها تسلّق يومي لشجرة عالية بأصابع متعبة، محاولة الوصول إلى “بيت أموالها” الذي خبأته هناك. “أنا مريضة قلب، وضغط، وسكّر، أعاني من هشاشة في العظام، المبلغ الّذي قمت بإيداعه في المصرف كان عبارة عن مصروف لمدّة عام على الأقل وثمن أدويتنا أنا وزوجي أعطاني إيّاه ابني اللاجئ في هولندا عندما زار البلد بعد سقوط النّظام… لكن هذه الوديعة تحوّلت إلى عبء ثقيل بدل أن تكون أمانًا”.

أبو أحمد… تحويشة العمر على كرسي متحرك

أبو أحمد، السّبعيني ابن مدينة دير الزّور، فقد ساقه قبل أربعة عقود، أودع مبلغ من المال في المصرف العقاري، كان يحافظ عليه عاماً بعد عام ويعتبره ملاذ آمن يمكن أن يسنده في السنوات القليلة المتبقية من حياته على حد وصفه، ولكنّه الآن قلق جداً على تحويشة العمر الّتي خبئها في جيب الحكومة ليرة بعد ليرة، وحين طلبها قلبت الحكومة جيوبها الفارغة. اليوم، لا يستطيع أبو أحمد حتى سحب المبلغ الأسبوعي المحدود بسبب إعاقته وحاجته لمرافق وليس عنده من يتطوع لهذه المهمة أو يترك عمله ويتفرغ له أربعة أيام كل شهر، وحتى لو توفر هذا المرافق فمن الصّعب جداً على أبو احمد الّذي اصبح يتحرك من خلال كرسي متحرك أن يصعد سلالم ويقف في طابور طويل لاستلام 200الف ليرة سورية كل أسبوع. طلب من إدارة المصرف سحب مبلغ شهر كامل دفعة واحدة ليتجنب المعاناة، لكن طلبه قوبل بالرفض القاطع.

يقول أبو أحمد:

“المصرف بالنسبة لي ساعة منبه تذكرني بعجزي. عملت في دكاني لثلاثين عاماً مثل نملة عنيدة لأدخر المال لشيخوختي، ثم جاءت هذه القرارات لتنسف محاولتي للعيش بكرامة ودون استجداء واسطة أو وكيل يريد لحس اصبعته من تعبي”.

إدارة المصارف… “نُبلَّغ بالقرارات فجأة”

مديرة المصرف التجاري في دير الزور، بشرى الصياح، أكدت أن قرارات خفض سقف السحب تصدر من مصرف سوريا المركزي وتشمل جميع المحافظات، كما أنها تعمم على في جميع المصارف مثل التّجاري، العقاري، الزراعي، وغيرها من المصارف الحكوميّة وتضيف بأنها شخصياً في كل مرة يتم تخفيض السحب لا يتم إعلامها بشكل رسمي فور صدور قرار تخفيض سقف السحب، وبأنّها تفاجأ بتوقّف البرنامج الالكتروني الّذي يعمل من خلاله الموظفون في المصرف التّجاري، دون إشعار مسبق ولا معلومات لديها حول سبب هذا الإجراء.

من جهته، المحلل الاقتصادي حيان حبابة يفسر هذه السياسة بأنها أداة للحد من مؤشرات التضخم بعد زيادة الرواتب، عبر تقليص السيولة المتداولة وتنظيم كمية النقد المتداولة في البلاد وحماية العملة المحلية من خلال تقييد عرض العملة والحد من تدهورها مقابل العملات الأجنبية، لكنه يحذر من أن استمرارها بلا خطة زمنية أو وضوح قد يقوض الثقة بالنظام المصرفي.

دروس قريبة بين ضبط التضخم وفقدان الثقة

تشبه هذه الأزمة تجارب قريبة في المنطقة. في لبنان، منذ أواخر 2019، فرضت المصارف قيودًا قاسية على السحب والتحويل، ما أدى لانهيار الثقة وتحول التعاملات المالية إلى خارج النظام المصرفي. أما في مصر، فشهدت فترات من التشديد المؤقت على السحب والإيداع – خاصة في 2016 و2022 – بهدف ضبط سعر الصرف، لكنها كانت مصحوبة بخطط واضحة ومدة زمنية محددة.

الفرق أن مصر أعلنت أهدافها وجدولها الزمني، بينما في لبنان غابت الشفافية وامتدت الأزمة لسنوات. السوريون اليوم يخشون أن يكون مسارهم أقرب إلى التجربة اللبنانية لا المصرية، خصوصًا مع الصمت الرسمي وغياب أي إعلان عن موعد رفع القيود.

حتى مطلع آب، كان المودعون يأملون في انفراج قريب، لكن هذه الآمال تتبدد مع كل أسبوع جديد من الصمت الرسمي. لغاية يومنا هذا لم يتم صدور أيّ تصريح رسمي يوضح سبب لجوء البنك المركزي إلى سياسة حبس ودائع العملاء، أو رفع هذا السّقف والسّماح للمودعين بسحب مبالغ على الأقل تتناسب مع احتياجاتهم الشّهرية، ويبقى لغز الودائع ملعب يتقاذف فيه المحللون الاقتصاديون زبائن المصارف مثل كرة بين من يراها سياسة نقدية ضرورية ومن يراها مقدمة لانهيار أكبر، فيما يقف المواطن العادي في الطابور، ينتظر دوره على أمل أن يخرج من المصرف وفي يده أكثر من مجرد “فتات”.