الإرادة

ألحان الثورة السورية: صوت الشعب وحكايات الحرية

استمعوا إلى هذه الحلقة من بودكاست “إرادة” حول رحلة الأغنية السياسية السورية، من المهرجانات الرسمية إلى ساحات الهتاف وأغاني الحرية

إعداد: رزان توماني صوت: مها العلي

مقدمة

لم تكن الأغنية السورية يومًا تفصيلًا جانبياً في حياة الناس؛ كانت دائمًا مرآة لتحولات المجتمع والسياسة، وأحيانًا السلاح الوحيد المتاح في وجه الاستبداد. في هذه الحلقة من بودكاست “إرادة”، نعود إلى تاريخ الأغنية السياسية في سوريا، نتوقف عند أهم محطاتها، ونستمع للألحان التي رافقت الثورة وخلّدت صوت الناس وتطلعاتهم

من نشيد الوطن إلى أناشيد الحزب

في العقود الأولى بعد نهاية الحكم العثماني، ارتبطت الأغاني الوطنية بأحلام السوريين وهويتهم الجامعة. ظهرت أناشيد تمجّد سوريا، مثل:
“سوريا يا ذات المجد والعزة في ماضي العهد”
حيث كانت الكلمات تتحدث عن وطنٍ واسع يفوق حدوده السياسية.

لكن مع وصول حزب البعث إلى السلطة، تغيرت وظيفة الأغنية. أعيدت كتابة كلمات بعض الأغاني لتتماشى مع خطاب الحزب، كما حدث في أغنية:
“من قاسيون أطل يا وطني”
التي تحوّلت إلى أغنية تمجّد البعث أكثر مما تمجّد الشعب.

 

حين صار القائد هو النص


مع استقرار حكم حافظ الأسد في الثمانينيات، أصبحت الأغنية الوطنية مرتبطة بشخص الحاكم. ظهرت عناوين مثل:
“حماك الله يا أسد”
“تسلّم للشعب يا حافظ”

لم تعد الأغنية تتحدث عن الوطن، بل عن الفرد.
خضعت الفنون لرقابة صارمة، ومُنع أي صوت يخرج عن المسار:

“الأغنية التي كانت تحكي نضال الناس، تحوّلت إلى أداة لترسيخ الطغيان في اللاوعي الجماعي.”

وأصبح بعض الفنانين العرب يغنون للأسد لا لسوريا، لضمان استمرار ظهورهم في المهرجانات الرسمية.

"الأغنية التي كانت تحكي نضال الناس، تحوّلت إلى أداة لترسيخ الطغيان في اللاوعي الجماعي."

ثورة 2011: عندما حررت الثورة الأغنية قبل أن يتحرر الشعب


مع اندلاع الثورة السورية، عاد الصوت إلى أصحابه الحقيقيين:
الناس. برزت أصوات مثل عبد الباسط الساروت، وإبراهيم القاشوش صاحب أغنية:
“يلا ارحل يا بشار”
التي أصبحت رمزًا للثورة. كما انتشرت أغنية “يا حيف” لسميح شقير، التي وثّقت اعتقال أطفال درعا واستخدام الرصاص ضد المتظاهرين.

الأغنية في الساحات لم تكن مجرد ألحان؛ كانت فعل مقاومة.

“يا حيف… صرخة شعب كامل ضد القهر. أغنية لم يستطع النظام إسكاتها.”

 

"يا حيف… صرخة شعب كامل ضد القهر. أغنية لم يستطع النظام إسكاتها."

الفن كفعل مقاومة… وخوف الطغاة من الأغنيات

يرى كثير من الباحثين أن للفن طبيعة ثورية في ذاته؛ لأنه يهزّ الساكن في داخلنا، ويطرح الأسئلة التي تحاول السلطة الهروب منها. يتجلى ذلك بوضوح في الأغنية الملتزمة، التي تجمع بين قوة الكلمة وقوة الموسيقى، فتصل إلى الوجدان دون استئذان، وتتجاوز الحدود واللغات.

الأغنية الملتزمة لا توثّق اللحظة فقط، بل تسجل تاريخ الشعوب من زاوية من يعيشون الألم والأمل معًا، لا من زاوية من يكتبون الكتب الرسمية. لهذا قيل إن التاريخ يكتبه المنتصر، لكن الأغنية تكتب سيرة الناس، ولا يمكن حبسها بين الجدران.

كما يقول محمود درويش:

“على هذه الأرض ما يستحق الحياة… خوف الطغاة من الأغنيات.”

خوفهم من الأغنيات لأنها قادرة على توحيد الناس، ولأنها تُغنى جماعيًا فتخلق شعورًا بالقوة والحماية، حتى في أشد اللحظات ظلامًا

من ذاكرة الأغاني الثورية جنة جنة – عبد الباسط الساروت يلا ارحل يا بشار – إبراهيم القاشوش يا حيف – سميح شقير إلى داريا – زياد حرب إلى السويداء – زياد حرب

مستقبل الأغنية السورية: ما بعد الساحات

يرتبط مستقبل الأغنية السورية بما ستشهده البلاد من تحولات سياسية واجتماعية في السنوات المقبلة. إذا ما اتسعت مساحة الحرية، ستتاح للفنانين فرصة أوسع للتجريب والابتكار، ولإنتاج موسيقى تعبّر عن تجارب السوريين بعد الثورة والحرب واللجوء.

يمكن للأغنية في سوريا الجديدة أن تكون صوتًا للعدالة والذاكرة والمصالحة، وأن تساهم في إعادة بناء الهوية الموسيقية للبلد، من خلال إحياء التراث وتقديم أعمال جديدة تُلهم الأجيال القادمة. أما الأرشيف الموسيقي للثورة، فيبقى كنزًا مفتوحًا، وذاكرة حيّة لما عاشه السوريون وهتفوا به في الشوارع.

شاركونا ذاكرتكم ما هي الأغنية التي تشعرون أنها تختصر لكم معنى الثورة؟ وما الحكاية التي تربطكم بها؟

أُنجز هذا البودكاست في إطار برنامج تدريب يضم صحفيات وصحفيين من سوريا من تنظيم "أوان" وبدعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي International Media Support".