بل أسبوعين فقط، حاولت مجموعة من ذوي الإعاقة تنفيذ اعتصام أمام محافظة دمشق احتجاجاً على دفتر شروط “الأكشاك الحضارية”. انتشرت الدعوة بينهم بهدوء، لكن يوم الاعتصام لم يحضر سوى خمسة أشخاص. لم يكن ذلك دليلاً على ضعف القضية، بل على شعور عميق باليأس: إحساس أن ذوي الإعاقة ما يزالون يُعاملون كديكور في القرارات الحكومية، لا كفئة لها حق فعلي في المشاركة والتمكين. في دمشق يوجد ما بين 450 و490 كشكاً قديماً أُنشئت أصلاً لدعم ذوي الإعاقة وأصحاب الدخل المحدود. لكن هذه الأكشاك تحوّلت خلال العقدين الماضيين إلى سوق سوداء محمية أمنياً، تُباع فيها التراخيص وتُؤجَّر، وسيطر عليها مستثمرون نافذون، بعضهم يدير أكثر من عشرة أكشاك دفعة واحدة. كانت الأكشاك تدر أرباحاً يومية تصل إلى 1.5–3 ملايين ليرة، بينما يحصل صاحب الترخيص الأصلي على 200 ألف ليرة فقط، أو يبيع رخصته بما يُعرف بـ “فروغ رجل”. ومع سقوط النظام، توقّع كثيرون إعادة تنظيم هذا القطاع، لكن ما حصل كان إطلاق مشروع جديد يضم 222 كشكاً “حضارياً”. على الورق، تبدو الخطوة دعماً لأصحاب الدخل المحدود، لكن دفتر الشروط يكشف عكس ذلك: على المستفيد أن ينشئ الكشك على نفقته بكلفة بين 15 و25 مليون ليرة، والفائز هو من يدفع أعلى بدل إشغال سنوي. أما أولوية ذوي الإعاقة، فلا تُطبَّق إلا إذا تساوت العروض المالية—وهو أمر شبه مستحيل. بهذه الطريقة يتحوّل المشروع من دعم اجتماعي إلى مزاد مالي مغلق. الأكشاك الجديدة أكثر نظاماً… لكنها ليست أكثر عدالة. كما يقول أبو عماد، الذي فقد ساقه منذ سنوات: “اليوم القانون هو اللي عم يطالعنا برّا… مو الأمن مثل زمان”. الخلاصة واضحة: سواء عبر السوق السوداء القديمة أو دفتر الشروط الجديد، يبقى الريع بيد القادرين، بينما يعود ذوو الإعاقة إلى المقاعد الخلفية، يستجْدون مكاناً كان من المفترض أن يكون لهم منذ البداية.
منصة إرادة
قبل أسبوعين فقط، اجتمعت مجموعة صغيرة من ذوي الإعاقة أمام مبنى محافظة دمشق. كانوا قد اتفقوا على تنفيذ اعتصام صامت اعتراضاً على دفتر شروط “الأكشاك الحضارية” الجديد. انتشرت الدعوة بينهم كهمسة، لكن عندما جاء الموعد، لم يقف أمام المحافظة سوى خمسة أشخاص تقريباً. لم يكن الغياب دليلاً على عدم أهمية القضية، بل تعبيراً صريحاً عن إحباط قديم: إحساس جماعي أن لا أحد يستمع. لا أحد يهتم. وأن ذوي الإعاقة، ما يزالون “جملة هامشية” تُستخدم لتجميل القرارات الحكومية أو لذر الرماد في العيون.
قصة الأكشاك كانت بالنسبة لكثيرين “القشة التي قسمت ظهر المتأملين” بأن النظام الجديد سيضع ذوي الإعاقة ضمن أولوياته. لكن دفتر الشروط الذي أعلنت عنه محافظة دمشق أعادهم إلى مكانهم القديم: خارج المنافسة، خارج المشهد، وخارج الاهتمام الفعلي.
أصل الحكاية: أكثر من 400 كشك… لكن دون أصحابها الحقيقيين
بدأت هذه الأكشاك كمبادرة حكومية لدعم ذوي الإعاقة وأصحاب الدخل المحدود أواخر التسعينات، كأحد توصيات قانون رعاية المعوقين، ولكن هذا المشروع الاجتماعي تحوّل سريعاً إلى سوق ريعي مغلق تُباع وتُؤجر فيه التراخيص في السوق السوداء وتسيطر عليها الأجهزة الأمنية، وزاد عددها عن 450 كشك، كثير منها كان “غير مصحح الوضع”، أي بلا عقود نظامية، وبعضها كان يحتل مواقع عقارية متميزة مثل الساحات وتحت الجسور وقرب مواقع انطلاق الباصات والسرافيس، هذه المواقع جعلت الأكشاك هدفاً للاستثمار الاقتصادي والسياسي، بعيداً عن هدفها المعلن بتمكين الفئات الأشد ضعفاً.
بحسب شهادات ميدانية، خلال العشر سنوات الأخيرة، استحوذت شخصيات نافذة على قطاع الأكشاك، وأصبحت التراخيص تُباع وتُشترى وتُؤجَّر في سوق سوداء محمية أمنياً. كان بعض المستثمرين يسيطرون على أكثر من عشرة أكشاك في وقت واحد، موزعة على مناطق تجارية حساسة، بعضها يدر أرباحاً يومية تتجاوز1.5 إلى 2 ملايين ليرة بحسب طبيعة الموقع ونشاط البيع، فيما يحصل صاحب الترخيص الأصلي على 200 ألف ليرة فقط.
وفي حالات أخرى، كانت الرخصة تُباع فيما يُعرف بـ “فروغ رجل”، أي بيع حق استثمار الموقع باسم المستفيد الأصلي مقابل مبلغ رمزي، بينما المستثمر الحقيقي يجني ملايين الليرات. وكانت وزارة الإدارة المحلية في النظام السابق أصدرت قراراً عام 2022 بإغلاق الأكشاك غير النظامية باستثناء أكشاك جرحى الحرب وذوي الشهداء، قرار لم ينفذ منه إلا إغلاق الأكشاك المخالفة في ريف دمشق دون المساس بمصالح المستثمرين الكبار.
السقوط لم يسقط الريع… بل غيّر واجهته
مع سقوط نظام الأسد، كان يُفترض أن تُنظم هذه الأكشاك بطريقة تحقق العدالة الاجتماعية. لكن ما حدث عملياً هو أن محافظة دمشق طرحت مشروع “الأكشاك الحضارية الجديدة”، بينما بدأت تفكيك الأكشاك القديمة المخالفة أو إزالتها، بينما بقي المستثمرون الكبار على تراخيصهم.
وفق الإعلان الذي نشرته محافظة دمشق، يقدم المشروع الجديد نفسه كمبادرة جديدة تستهدف دعم أصحاب الدخل المحدود وذوي الإعاقة. فقد أعلنت المحافظة عن طرح 222 كشكاً حضارياً في مواقع محددة “تراعي البيئة وحركة المشاة”، مع السماح بمهن بسيطة مثل الوجبات السريعة الباردة والمشروبات والمواد الغذائية المغلّفة.
من الناحية القانونية، تبدو شروط المشروع واضحة: التعاقد يتم على شكل إجازة إشغال لمدة أربع سنوات، والمستفيد هو من يتحمل كلفة إنشاء الكشك بالكامل وفق دفتر الشروط المعتمد، قبل أن يعود الكشك إلى ملكية المحافظة مع نهاية العقد. أما المنافسة، فتُحسم بناءً على “جودة العرض” والبدل السنوي الأعلى الذي يدفعه المتقدم.
يقول مصطفى عساف وهو أحد ذوي الإعاقة الذين دعوا لاعتصام أمام مبنى المحافظة “الإعلان يقدّم كفرصة للفئات الضعيفة… بينما شروطه مكتوبة عمليّاً لصالح مين معو يدفع…. إقصاء جديد، لكنه هذه المرة مسجَّل في دفتر الشروط”.
تقول المحافظة إن المشروع سيُسهم في “تنظيم المشهد العام” و“توفير فرص عمل مدروسة” وتحسين الإيرادات المحلية. لكن هذه اللغة الرسمية لا تُجيب عن سؤال أساسي: من هو القادر فعلياً على المنافسة في مشروع يشترط رأس مال أوّلي مرتفعاً، وبدلات سنوية تُدفع مقدماً، وإنشاءات قد تتجاوز قيمتها قدرة أي صاحب دخل محدود على تحمّلها؟
ما يبدو على الورق كدعم اجتماعي، يتحوّل في الواقع إلى مزاد مالي مغلق لا يستطيع ذوو الإعاقة أو أصحاب الدخل المحدود الدخول إليه إلا بصفة “مشاهدين”.
أبو عماد، الذي فقد ساقه منذ سنوات، يقول “اليوم القانون هو اللي عم يطالعنا برّا… مو الأمن مثل زمان، قد تكون الأكشاك الجديدة أكثر نظامية وأجمل كما في الصور التي نشرتها المحافظة… لكنها ليست أكثر عدالة”.
بحسب أستاذ في كلية التجارة لم يرغب بذكر اسمه، فإن “دفتر الشروط: دعم للفقراء على الورق… ومزاد للأغنياء على الأرض. الكلفة الأولية لإنشاء الكشك وفق المواصفات الجديدة تتراوح بين 15 و25 مليون ليرة. أما المزايدة السنوية فتُحسم لمن يدفع أكثر. وبذلك يكون أصحاب الدخل المحدود قد خرجوا من المنافسة قبل أن تبدأ. حتى بند “الأولوية لذوي الإعاقة” لا يُفعّل إلا في حال تساوي العروض المالية، وهو بند صُمّم ليبدو إنسانياً دون أن يغيّر شيئاً في النتائج”.
هل من الممكن إصلاح ما فسد؟
تُظهر التجربة أن أي نظام يعتمد أدوات السوق في قطاع خُصّص أصلاً للرعاية الاجتماعية، مصيره أن يفشل أخلاقياً وعدالياً. ليس لأن السوق سيئة بحد ذاتها، بل لأن المستهدفين هنا غير قادرين على المنافسة من الأساس.
الأكشاك القديمة كانت تُنهَب بالواسطة والضغط الأمني.
الأكشاك الجديدة تُغلَق في وجه الفقراء بدفتر شروط ومنافسة غير عادلة.
الريع يبقى بيد القادرين، والفئات الهشة تعود إلى المقعد الخلفي، تستجدي مكاناً كان من المفترض منذ البداية أن يكون لها، بل تم الإعلان أنه لها، لكن ذلك لم يكن أكثر من “جملة هامشية” تُستخدم لتجميل القرارات.
