الإرادة

ممثل خرج عن النص: 95 دقيقة من القلق والمنفى والذاكرة السورية

الخط

يقدّم فيلم «ممثل خرج عن النص» للمخرج رامي فرح شهادة شخصية وسياسية عن مسار الممثل السوري فارس الحلو منذ لحظة خروجه في مظاهرات دمشق عام 2011، حتى سنوات المنفى في فرنسا. ينطلق الفيلم من حدث مفصلي: وقوف فارس الحلو ومحمد آل رشي أمام جمهور متظاهر، وإلقاؤهما كلمة تطالب بالحرية والكرامة. تلك اللحظة، التي بدت عفوية وطبيعية في سياق ثورة سلمية، كانت كافية لفتح أبواب الترهيب والتهديد، ثم التشبيح المباشر، وصولاً إلى دفع فارس الحلو لمغادرة سوريا. لا يتعامل الفيلم مع فارس الحلو بوصفه “نجماً” بقدر ما يقدّمه كإنسان وجد نفسه فجأة في مواجهة سلطة لا تحتمل الصوت المختلف، حتى لو جاء من فنان محبوب جماهيرياً. يوثّق العمل مسار التضييق عليه: رسائل التهديد، “النصائح” الأمنية بالابتعاد عن السياسة، ثم التصعيد الذي انتهى بالمنفى القسري له ولعائلته. على مدى 95 دقيقة، يعتمد الفيلم على لقطات طويلة وتأملية تتابع تفاصيل الحياة اليومية في المنفى: متابعة الأخبار، المؤتمرات السياسية، التواصل مع الداخل السوري، تعلّم اللغة الفرنسية، ومحاولات التكيّف مع واقع جديد لا يشبه الوطن. يظهر التدخين كفعل متكرر، لا بوصفه عادة فقط، بل كتنفيس عن قلق مزدوج: قلق الغربة، وقلق العجز أمام ما يتعرض له السوريون في الداخل من قمع ووحشية. لا يقدّم الفيلم إجابات جاهزة أو خطاباً سياسياً مباشراً، بل يترك المشاهد أمام أسئلة مفتوحة عن معنى الالتزام، وحدود دور الفنان، وكلفة الخروج عن “النص” الذي تفرضه السلطة. في عرضه الأول داخل سوريا بحمص، ضمن نشاط مشترك بين مجتمع حمص السينمائي ونادي جرمانا السينمائي، بدا الفيلم كاستعادة متأخرة لذاكرة حاولت طويلاً أن تُقصى عن الفضاء العام، لكنه أيضاً تذكير بأن الثورة، رغم الهزائم والخيبات، ما زالت حاضرة في تفاصيل البشر الذين حملوها.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

كما في فيلم «الابن السيء» لمخرجه غطفان غنوم، وفيلم «الرقيب الخالد» لزياد كلثوم، وفيلم «من أجل سما» للمخرجة وعد الخطيب، وفيلم «ماء الفضة» لأسامة محمد، كذلك في فيلم «ممثل خرج عن النص» لرامي فرح، هناك الكثير من المشاهد التي صُوِّرت أثناء الحرب التي أطلقها النظام ضد الثورة وثوارها، والتي كانت تنادي بسقوط الأسد الابن. ذلك أمر طبيعي، أن يكون للسينما نصيب في تسجيل أحداث أتون الثورة اللاهب والقاسي والمرّ، وأن ترصد البدايات منذ كانت الثورة سلمية ذات مطالب بسيطة، ولا تطالب بإسقاط النظام. فمنذ أن خرجت المظاهرات الأولى، لم يكن لأحد أن يتوقع أن تلك المظاهرات ستفجّر أقذر ما في عقلية الاستبداد الأسدي، القذرة أصلاً. وقد ساهم قلة من الفنانين في الخروج بهذه المظاهرات، ومنهم فارس الحلو، الذي تواجد في إحدى مظاهرات دمشق مع صديقه الفنان محمد آل رشي، ووجد نفسه، وهو الفنان المشهور والمحبوب جماهيرياً، مطالباً من الجمهور المحتشد بإلقاء كلمة. وكأي فنان يستجيب لمطالب محبيه، وقف يخطب في الناس مطالباً بالحرية، ومندداً بالظلم والديكتاتورية، وكذلك فعل زميله محمد آل رشي.

    • الإخراج: رامي فرح.
    • النوع: وثائقي.
    • السنة: 2019.
    • المدة: 95 دقيقة.
    • الفئة العمرية: غير مناسب لمن هم دون 16 سنة.
    • اللغة: العربية والفرنسية – مع ترجمة إلى الإنجليزية.
    • التصوير: رامي فرح.
    • المونتاج: غلاديس جوجو.
    • الإنتاج: سينية بيرية سورينسين، ليانا صالح، سيندي لوتامبليه.

من هذا الحدث يبدأ فيلم «ممثل خرج عن النص»، وتبدأ معاناة فارس الشخصية؛ فمن رسائل الترهيب والتهديد، إلى حوارات “لطيفة” يطالبه فيها رجال المخابرات، أو من هم من المقربين أو المتنفذين في النظام، بالابتعاد عن هذه المظاهرات وعن الشأن السياسي. وإذ يرفض أن يخضع لهم، بل يناقشهم في مشروعية مطلبه ومطالب الجماهير، تبدأ حملات التشبيح ضده، من تهديد بالقتل ومهاجمة بيته… إلخ. هنا يغادر فارس الحلو وطنه ويستقر في فرنسا، وتغادر عائلته أيضاً لتنضم إليه.

كل من وقف مع الثورة من السوريين كان يعتقد أن المسألة السورية ستُحل خلال ثلاثة أو أربعة أشهر على أبعد تقدير، وفارس أيضاً ومن معه كانوا يعتقدون ذلك. كان الأمل كبيراً جداً بانتظار نصر الثورة القريب، لذلك لجأ فارس الحلو إلى أن يكون من صنّاع هذا الانتصار؛ فالتقى في فرنسا بالمخرج الكبير هيثم حقي، وأسامة محمد، وميشيل كيلو، وجورج صبرا، ونظّم المظاهرات هناك. لكن الأمل بدأ يخبو قليلاً، في لحظات يأس عابرة ومُضنية؛ فقد مضى زمن طويل، ومرت ثماني سنوات منذ غادر فارس الحلو وطنه، والداخل السوري تكبر مأساته، والخارج السوري يعتصر قلبه ألماً للفراق والغربة، وعالماً يطالبه بالاندماج.

مدة الفيلم 95 دقيقة، فيه الكثير من اللقطات الطويلة لفارس، وترصد هذه اللقطات تأملاته، ومتابعته للأخبار والمؤتمرات، ومحادثاته مع البعض في الداخل، واستقباله لعائلته، وتعلّم اللغة الفرنسية، وحياته اليومية، وتدخينه بشراهة، إلى الحد الذي يمكن أن نقول فيه: دخّن فارس في الفيلم أكثر مما تكلّم. طبعاً، يلعب التدخين هنا دور التنفيس عن حالة نفسية قلقة؛ قلق بسبب العيش في وسط غريب والابتعاد عن الوطن، وقلق بسبب القمع والوحشية التي مارسها النظام على الناس المعارضين والحياديين أيضاً.

عُرض فيلم «ممثل خرج عن النص» في سوريا لأول مرة في حمص، في دير الآباء اليسوعيين، ودعا إلى مشاهدته تجمع «مجتمع حمص السينمائي»، بمشاركة من نادي جرمانا السينمائي. وقد حضر العرض في حمص مدير نادي جرمانا، الذي التقته «إرادة» ليتحدث إلينا عن نشاط نادي جرمانا السينمائي، وأين ولماذا خرج بنشاطه إلى المحافظات. يقول السيد ناصر منذر: كان النادي مبادرة من مجموعة أرادت عرض الأفلام السينمائية في دمشق ومحيطها منذ عام 2019، ونشر الثقافة السينمائية عبر الحوارات التي تلي عروض الأفلام. عروض الأفلام مجانية للجمهور، ومنذ عام 2019 استمررنا بعرض الأفلام أسبوعياً، رغم أننا لم نحصل على ترخيص رسمي لعملنا، وكنا لا نعلن عن نشاطنا بسبب بعض التساؤلات والمراقبة لعملنا في جرمانا، وجرمانا كما يُذكر لها وضع خاص. وحتى عام السقوط والتحرير، تحررنا نحن أيضاً وحصلنا على ترخيص رسمي لنشاطنا، وقمنا بتاريخ 28/12/2024 بتنظيم مهرجان «سينما الحرية»، عرضنا فيه 24 فيلماً، واستضفنا مخرجين وممثلين، وعقدنا ندوات لمناقشة الأفلام بعد عرضها مباشرة.

وعن سؤال «إرادة»: متى بدأ تعاونكم السينمائي مع مجتمع حمص السينمائي؟ أجاب السيد ناصر: بعد التحرير توسعنا في أنشطتنا السينمائية، فعرضنا أفلاماً في داريا وجرمانا وصيدنايا، واليوم نتعاون مع مجتمع حمص السينمائي لرغبتنا في زيادة نشاطنا جغرافياً، وبسبب تقاعس السلطة الحالية عن تقديم الدعم للسينما، حيث أُغلقت سينما الكندي في دمشق مثلاً. ويُعد عرض فيلم «ممثل خرج عن النص» أول نشاط مشترك لنا مع مجتمع حمص السينمائي.

وعن سؤالنا: لماذا لا نرى أفلاماً روائية حول الثورة السورية؟ وهل الجهة المانحة لنشاطكم «اتجاهات» لديها توجيه معين؟ أجاب: أبداً، نحن من ينتقي الأفلام لعرضها، وقد عرضنا فيلم «دنيا وأميرة حلب» مؤخراً في دمشق وبعض ضواحيها. واتجاهات تقدم لنا دعماً مادياً ضئيلاً، ولا تتدخل في عملنا، بل تراقب نشاطنا كجهة مانحة من حيث الكم.

في نهاية العرض، عُقد لقاء عبر تطبيق «زووم» مع المخرج رامي فرح، جرى خلاله نقاش مع الحضور، استمع فيه المخرج إلى الأسئلة وأجاب عنها، وأخبر أنه يعمل حالياً على تصوير فيلم عن المُهجَّر/المغترب وعلاقته باللغة الجديدة، ومصاعب الدلالة اللغوية، والانتماء لجنس الشيء، كأن تقول عنه في لغتك إنه مذكر، وتقول عنه مؤنث في اللغة التي تتعلمها في موطنك الجديد.