الإرادة

عام من الانتظار: ذوو الإعاقة بين الحضور الرمزي والغياب الفعلي

الخط

بعد عام على سقوط النظام في سوريا، ما تزال التحولات تمضي بوتيرة بطيئة وغير متوازنة، ويبرز سؤال أساسي حول موقع الأشخاص ذوي الإعاقة في هذه المرحلة الجديدة: هل وصلهم التغيير فعلياً، أم بقي محصوراً في الخطابات والفعاليات؟ يعرض هذا التحقيق شهادات مباشرة لأشخاص من ذوي الإعاقة من محافظات مختلفة، تكشف صورة مركّبة بين تحسن محدود في هامش التعبير والحضور، واستمرار التحديات الجوهرية في العمل والخدمات والبنية التحتية. يصف مهدي الموسى، وهو كفيف، مشاركته في أول ملتقى للتوظيف بعد التحرير بوصفها تجربة حملت أملاً في البداية، لكنها انتهت بخيبة أمل بسبب ضعف التنظيم وغياب النتائج العملية. أما حنان الدولتلي فتروي مشهداً أكثر قسوة عندما شاهدت أوراق المتقدمين تُرمى على الأرض، فيما تقول نور إن دعوتها جاءت فقط للظهور في الصور دون أي اهتمام حقيقي بمؤهلاتها. وفي المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة، تباينت الآراء بين من رأى فيه خطوة رمزية إيجابية، ومن اعتبره بلا أثر عملي واضح. جوا محمد ترى أن مجرد انعقاد المؤتمر يمثل تقدماً في بلد ما زال يحاول النهوض، بينما تؤكد المحامية ميساء بركات أن قيمة هذه المؤتمرات تُقاس بقدرتها على إحداث تغيير تشريعي فعلي. على مستوى الحياة اليومية، يقتصر التحسن لدى كثيرين على تخفيف صعوبات التنقل، في حين بقيت فرص العمل والخدمات الأساسية محدودة. رائد الأعمال محسن مقلة يشير إلى أن معظم النجاحات تحققت بجهود فردية، لا نتيجة سياسات داعمة، لافتاً إلى استمرار حالات الفصل من العمل حتى بعد التحرير. يخلص التحقيق إلى أن قضية ذوي الإعاقة ما تزال عالقة بين التمثيل الرمزي والتمكين الحقيقي، وأن الانتقال من خطاب “الرعاية” إلى “الحقوق” لم يتحقق بعد. وبين الأمل والإحباط، تبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد سياسات دمج حقيقية، أم استمراراً لدورة الوعود والفعاليات.

منصة إرادة- وسيم كناكرية:

 

بعد عام كامل على سقوط النظام، تبدو التحولات في سوريا متفاوتة السرعة والعمق. خرج السوريون من تحت ركام القمع والاستبداد، يتلفتون حولهم غير مصدقين أن نظاماً جثم على صدورهم لأكثر من 5 عقود قد انهار في أيام قلائل. تغيّر المشهد السياسي والإعلامي، واتسعت مساحة التعبير، وبدأ الناس باستعادة يومياتهم تدريجياً، لكن الأسئلة الكبرى حول العدالة الاجتماعية والتمكين الحقيقي ما تزال مفتوحة. ومن بين أكثر هذه الأسئلة حساسية: ماذا تغيّر فعلاً في حياة الأشخاص ذوي الإعاقة؟ هؤلاء الذين عاشوا تحت ويلتين: ويلة النظام القمعي، وويلة الإقصاء المجتمعي. هل انعكس “التحرير” على أوضاعهم حقوقياً واقتصادياً وخدمياً، أم بقي التغيير في حدوده الرمزية؟ هل تحولت الوعود إلى سياسات؟ أم بقيت ديكوراً للمناسبات؟

هذا التحقيق يستند إلى شهادات مباشرة لأشخاص من ذوي الإعاقة من محافظات مختلفة، إضافة إلى آراء قانونية ومجتمعية، لرسم صورة أقرب إلى الواقع بعد عام من التحول.

مشاعر متقاطعة: بين التفاؤل والتشاؤم في زمن التحول

لم يكن التهميش الذي عانى منه الأشخاص ذوو الإعاقة وليد السنوات الأخيرة فقط، بل هو تراكم طويل لسياسات أقصتهم واعتبرتهم “عمل خيري”، وليس مواطنين بحقوق، إضافة لضعف في التشريعات ونقص في الخدمات، تفاقم بفعل الحرب، وازداد بشاعة مع تسييس قضيتهم ووضعهم تحت وصاية سيدة النظام الأولى. ومع التحرير، ارتفعت سقوف التوقعات بإحداث قطيعة واضحة مع الماضي، ليس فقط على مستوى الخطاب، بل في بنية القوانين، وسوق العمل، والبنية التحتية.

لكن بعد مرور عام، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

اختلفت الآراء، وهذا في حد ذاته نعمةٌ بعد عقود من القمع الذي جعل الاختلاف جريمةً عقابها الموت أو الاختفاء. انقسم الناس بين من يرون أنهم قدّموا التضحيات بينما تخاذل الآخرون، وبين من يشعرون بالخيبة ويرون أن شيئاً لم يتغير، وآخرين يعملون بصمت وبأمل.

ملتقى العمل: تجربة مرتبكة بين الأمل والإحباط

في واحدة من أولى الفعاليات التي قُدمت بوصفها مخصصة لتشغيل الأشخاص ذوي الإعاقة، شارك عدد منهم في ملتقى توظيف أُقيم في دمشق. يروي مهدي الموسى، وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، تفاصيل تجربته:

“من إيجابيات هذا الملتقى أننا وأخيراً دخلنا إلى فندق الشيراتون، وهذا بحد ذاته كان أمراً جديداً علينا. كثير منا حضّر سيرته الذاتية، وعاش تجربة التقدم إلى عمل كأي شاب أو شابة، وهذا حق لنا وحق لأصحاب العمل برفضنا أو قبولنا. لكنه يعود ويضيف بنبرة خافتة: “شعرت أن الملتقى لا يليق لا بالتحرير ولا بدم الشهداء وسنوات الاعتقال.”

أما حنان الدولتلي، وهي من ذوي الإعاقة الحركية، فترى أن المشكلة كانت أعمق من مجرد ضعف تنظيمي:

“رأيت أوراق الطلبات تُرمى على الأرض تحت المكاتب. أنا ذهبت وأنا في كامل حماستي، لكن ما شاهدته أحبطني بشدة. الملتقى كان سيئاً بكل معنى الكلمة، تنظيمياً وإدارياً. شعرت بحزن لأن سورية الجديدة لا يليق بها هذا المشهد.”

نور، وهي كفيفة بصر (اسم مستعار)، تضيف زاوية مختلفة لما جرى:

“تم التواصل معي قبل يوم واحد للتأكيد على الحضور في الساعة العاشرة صباحاً. تفاءلت كثيراً، لكن عندما وصلت اكتشفت أن التوقيت يتزامن مع كلمة الوزيرة، وأننا دُعينا لنظهر في الصور فقط. وهذا يعيدنا للأسلوب القديم نفسه.”

المؤتمر الأول: بين الرمزية والبحث عن الأثر

بعد الملتقى، عُقد المؤتمر الأول للأشخاص ذوي الإعاقة، والذي حظي بتغطية إعلامية واسعة وحضور لشخصيات بارزة كوزراء ومنظمات ومؤسسات وجمعيات محلية ودولية. وكغيره من المحطات الأولى بعد التحرير، انقسمت الآراء حول جدواه.

يقول مهدي:

“لم تكن لدي فكرة واضحة عن أهداف المؤتمر. لم تصدر خطة عمل واضحة أو قرارات عملية بعده. لكن من الإنصاف القول إننا كنا ضمن قائمة الاهتمام لأول مرة، ولو ليوم واحد.”

في المقابل، ترى جوى محمد، وهي من ذوي الإعاقة الحركية، أن عقد المؤتمر بحد ذاته يمثل خطوة مهمة:

“الوطن ما زال يحاول النهوض على قدميه بعد سنوات الانهيار. نعم، هناك سلبيات، لكن مجرد انعقاد المؤتمر يُعد إنجازاً. كما أن هناك توجهاً حكومياً لدمج الأشخاص ذوي الإعاقة في بعض الفعاليات. تمت دعوتي مؤخراً لحضور نشاط لوزارة الطوارئ بهدف دمج الشابات في برامج الاستجابة.”

المحامية والمدربة على لغة الإشارة ميساء بركات ترى الموضوع من زاوية قانونية:

“بعد التحرير أصبح لدينا فرص أكبر للعمل ونشر الوعي. على سبيل المثال، أقمت أول دورة لغة إشارة في إدلب، وهذا كان مستحيلاً من قبل. أهمية المؤتمر تكمن في التوصيات التي خرج بها، وفي كونه خطوة مبدئية قد تؤثر لاحقاً على القوانين الناظمة لحقوق ذوي الإعاقة. لكن بطبيعة الحال، التغيير التشريعي يحتاج وقتاً وإرادة سياسية مستمرة.”

ما الذي تغيّر فعلياً في الحياة اليومية؟

بعيداً عن الفعاليات والمؤتمرات، يبقى السؤال الأساسي: هل تغيّر الواقع المعيشي؟

شهدت عدة المحافظات تحركات للأشخاص ذوي الإعاقة ضمن وقفات احتجاجية أو اعتصامات تطالب بمطالب خاصة بهم، إضافة إلى لقاءات وتشكيل عدة تحالفات جديدة للدفاع عن حقوقهم وتوحيد جهود المناصرة والتوعية، إضافة للعديد من المقالات أو الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي. معظم هذه الجهود لم يؤدِ لأي نتيجة حسب العديد ممن سألناهم. ولكن كثير منهم اشاروا أن بعد سقوط النظام، لم يكن مثل قبله، فالمساحة الآن هي أوسع وأكثر مرونة، خاصة من ناحية حرية الرأي وحق التجمع.

يقول مهدي:

“بعد التحرير لم يتغير الكثير في الواقع العام، لكن بالنسبة لي كشخص كفيف، أصبح التنقل أسهل بعد إزالة الحواجز وتوفر الوقود. أما في مجال العمل والخدمات، فالتغيير بطيء جداً.”

حنان ترى أن التحدي الأكبر هو في وعي المجتمع:

“عدد الأشخاص ذوي الإعاقة ازداد بشكل كبير خلال سنوات الحرب. هذا يفرض علينا مسؤولية مضاعفة في إعادة تأهيل المجتمع ليصبح أكثر وعياً بقضايانا، لا أن نُترك للمبادرات الفردية فقط.”

إسراء رفاعية، وهي من ذوي الإعاقة البصرية، تميز بين المكاسب النسبية وحق المساواة:

“إلى حد ما أصبح المكفوف ضمن رؤية بعض المؤسسات، لكن من وجهة نظري يجب أن يُعامل أي مكفوف كأي إنسان آخر، لا كحالة خاصة. لنا حقوق وعلينا واجبات.”

أما نور فتعبّر بوضوح عن خيبة الأمل:

“أشعر اليوم بإحباط كبير لا يمكن وصفه. كم رسمنا من أحلام على وقع هتافات الحرية التي ملأت الساحات. كم كانت توقعاتنا عالية، كنا نحلم بوطن يعترف بنا، بمؤسسات تدمجنا، بفرص عمل حقيقية. لكننا وجدنا في الغالب وعوداً وفعاليات شكلية. نحن لا نريد دعواتٍ للحضور كي نملأ المقاعد أو نظهر في الصور، نحن نريد سياسات حقيقية، نريد فرص عمل حقيقية، نريد اعترافاً بإنسانيتنا وقدراتنا. الفجوة بين ما تمنيناه وما تحقق لا تُطاق، وكأن التحرير كان للمختارين فقط، وكأن أحلامنا كانت مجرد أوهام في زمن التغيير.”

النجاح الفردي في ظل غياب التغيير البنيوي

يرى رائد الأعمال محسن مقلة، وهو من ذوي الإعاقة البصرية، أن التغيير الجذري الذي كان متوقعاً لم يتحقق بعد:

“الناجحون اليوم هم في الغالب أنفسهم الذين كانوا ناجحين قبل سقوط النظام. نجاحهم قائم على جهودهم الشخصية ومبادراتهم الفردية لا على دعم مؤسسي وبيئة داعمة.”

يلاحظ محسن أن أي توجه جماعي أو مؤسسي يهدف إلى صنع تغيير حقيقي يخدم الأشخاص ذوي الإعاقة كفئة مجتمعية، سواء أكان من خلال منظمات المجتمع المدني أو الجهات الرسمية، ما زال يواجه صعوبات جمة، ويحقق نجاحاً محدوداً للغاية لا يتناسب مع حجم الطموحات أو مع حجم المعاناة السابقة. مشيراً إلى هشاشة وضع الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل:

“هناك حالات عديدة لفصل متعددة لأشخاص ذوي الإعاقة ، سواء لمن كانوا بعقود مؤقتة أو مثبتين، إضافة إلى أساتذة مكفوفين أُوقفوا عن التدريس في حلب. هذه أمثلة تثبت أن انتهاء النظام لم يُترجم تلقائياً إلى حماية لحقوقنا.”

بين الخطاب العام والسياسات الغائبة

تشير الشهادات مجتمعة إلى فجوة واضحة بين الخطاب المرافق لمرحلة ما بعد التحرير، والواقع التنفيذي على الأرض. فالحضور الإعلامي والرمزي تحسن نسبياً، لكن: التشريعات ما زالت محدودة، فرص العمل غير مستقرة، البنية التحتية غير مهيأة بشكل كافٍ، والتنسيق المؤسسي ما زال ضعيفاً.

وهو ما يدفع كثيرين إلى الخشية من أن تبقى قضية ذوي الإعاقة محصورة في الإطار الرمزي لا الحقوقي.

ماذا بعد عام؟

بعد عام على التحرير، يمكن تلخيص المشهد على النحو الآتي:

مساحة التعبير اتسعت، والتمثيل الحضورِي تحسّن نسبياً، لكن التمكين الاقتصادي والتشريعي والخدمي ما زال دون المستوى المطلوب.

وفي رسالة تلخص جوهر المطالب، تقول إسراء رفاعية:

“أرجو ألّا يُنظر إلى ذوي الإعاقة بوصفهم أقل من غيرهم. بعون الله نحن قادرون على أن نفعل كل شيء، لكن ينقصنا فقط الاهتمام والمساواة.”

تحرير المجتمع لا يُقاس فقط بسقوط الأنظمة، بل بقدرة الفئات الأكثر هشاشة على نيل حقوقها كاملة. والأشخاص ذوو الإعاقة لا يطالبون بامتيازات، بل بالمساواة في العمل، والتعليم، والتنقل، والتمثيل.

عامٌ مضى، وما زالت الأسئلة الكبرى مفتوحة:

هل تتحول التوصيات إلى سياسات؟

وهل ينتقل الملف من خانة “الفعاليات” إلى خانة “الحقوق”؟

الجواب لم يُحسم بعد.

على هامش التغيير: وقائع وأرقام

المعاناه مع الدراسة والعلاج

84٪ من الأطفال السوريين ذوي الاحتياجات الخاصة لا يذهبون إلى المدرسة ويفتقد الآلاف منهم المساعدة الضرورية والعلاج الداعم. (اليونيسف ، 2020)

إصابات الحرب

يعيش 1.5 مليون سوري الآن مع إعاقات دائمة ناجمة عن النزاع ، بما في ذلك 86000 شخص فقدوا أطرافهم (منظمة الصحة العالمية، 2018)

واحد من خمسة

تشير الأبحاث إلى أن 1 من كل 5 لاجئين سوريين يعاني من 
إعاقة جسدية أو حسية أو ذهنية حادة نتيجة للحرب (UNHCR، 2019)

نسبة خطر عالية

واحد من كل ثلاثين سوري معرض لخطر تطوير احتياجات صحية نفسية (منظمة الصحة العالمية 2017 )

نسبة عالية تحتاج لعناية

 نسبة ذوي الإعاقة وفق المفهوم الموسع للإعاقة في 
سورية هي 28% من عدد سكان سورية  (هيومن رايتس ووتش، 2019)

لا تتوفر العناية لازمة للجميع

يعيش أكثر من 10.000 طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة في سوريا دون الحصول على معظم الحاجات الضرورية (Syria Relief’s 2018)