يختتم مهرجان حمص المسرحي عروضه بمسرحية “تحت الصفر” لفرقة حلم المسرحية من إدلب، وهي المسرحية الوحيدة التي ذهبت مباشرة إلى واحد من أكثر الجروح السورية عمقاً: السجن والتعذيب والاختفاء القسري. استلهم إبراهيم السرميني نصه من مسرحية “الجرافات لا تعرف الحزن” للمسرحي العراقي الراحل قاسم مطرود، لكنه أعاد صياغتها داخل التجربة السورية، مستحضراً ما عاشه السوريون من قمع وعنف وفقد خلال سنوات الاستبداد والحرب. تدور أحداث العرض داخل فضاء التحقيق والاعتقال، حيث ينهار السجين تحت وطأة التعذيب، ويصبح مستعداً للاعتراف بكل ما يريده الجلاد، قبل أن يتحول الصراع إلى مواجهة بين الجسد المنهك والإرادة التي ترفض الاستسلام الكامل. وبين الواقع والهذيان والذاكرة، يستعيد السجين عائلته وأحبته وأرضه، قبل أن يواجه موته معلناً أن الأفكار لا تموت وأن الحكاية لم تنتهِ بعد. تميّز العرض بمشهدية عالية المستوى، ولعبت الإضاءة دوراً أساسياً في تشكيل الفضاء المسرحي، من الزنزانة إلى غرفة التحقيق، فيما منح الأداء التمثيلي القوي للنص كثافة عاطفية وإنسانية واضحة. كما بدا العرض أكثر انسجاماً بين موضوعه وبنيته الدرامية من معظم العروض الأخرى التي قُدمت في المهرجان. ومن هذا العرض تنطلق القراءة الختامية للمهرجان. فبعد خمسة عروض تناولت الحب والحرية والمنفى والهجرة والسجن، يبقى السؤال الأساسي: هل نجح المسرح السوري، بعد سقوط النظام، في إنتاج لغة مسرحية جديدة تعبر عن الواقع الجديد؟ أم أن كثيراً من العروض ما زالت أسيرة آليات التفكير والرؤى الفنية التي تشكلت في زمن الاستبداد؟ يرى الملف أن معظم العروض حاولت التكيف مع المرحلة الجديدة عبر تعديلات أضيفت إلى نصوص عربية وعالمية، بينما بقي النص السوري الجديد غائباً أو ضعيف الحضور. ومع ذلك، فإن مجرد طرح هذه الأسئلة على خشبة المسرح، وفي فضاء حر نسبياً، يمثل خطوة أولى في طريق طويل نحو مسرح سوري جديد، يكتبه ويصنعه أناس أحرار.
استمع للمقال
منصة إرادة- عبد الكريم عمرين
في القسمين السابقين من هذه القراءة حضرت موضوعات الحب والذاكرة والحرية والمنفى والهجرة، عبر شخصيات تحاول النجاة من الخراب أو التعايش معه. أما في هذا القسم، فتعود الخشبة إلى الجرح السوري الأكثر قسوة: السجن، والتعذيب، والاختفاء القسري، وما تركته عقود الاستبداد من آثار في الأجساد والأرواح.
في عرض “تحت الصفر” لا يغادر السوري وطنه كما في “المهاجران”، ولا ينتظر قارباً للرحيل كما في “القارب22”، بل يجد نفسه داخل الزنزانة ذاتها، في مواجهة الجلاد مباشرة. هنا يصبح القهر هو الحكاية، ويغدو التعذيب جزءاً من البنية الدرامية، جزء لا يمكن للمتفرج أن يشيح وجهه عنه.
ومن هذا العرض تحديداً تنطلق الخاتمة العامة للملف، فالسؤال، بطبيعة الحال، لم يعد متعلقاً بالموضوعات التي يختارها المسرح السوري بعد التحرير، وإنما بالكيفية التي يحول بها هذه التجارب إلى فن. فهل استطاعت عروض مهرجان حمص المسرحي أن تقدم ملامح مسرح جديد يليق بالحرية التي استعادها السوريون؟ أم أن آثار المرحلة السابقة ما تزال حاضرة في النصوص والرؤى وآليات التفكير المسرحي؟
في العرض الأخير، ثم في القراءة الختامية للمهرجان، نحاول الاقتراب من هذا السؤال.
العرض الخامس: "تحت الصفر"... الزنزانة ذاكرة وطن
عن مسرحية “الجرافات لا تعرف الحزن” للمسرحي العراقي الراحل قاسم مطرود، كتب المسرحي السوري إبراهيم السرميني نصه المسرحي “تحت الصفر”، وأخرجه بنفسه مع فرقة حلم المسرحية. وقد عُرض “تحت الصفر” لأول مرة في إدلب، بعد تدريب شاق تحت القصف والحصار.
يدور نص قاسم مطرود حول هرب أحد الشباب إلى الخارج بسبب الأوضاع السياسية التي يعيشها العراق في ظل نظام الحكم الدكتاتوري لصدام حسين، وعلى إثر ذلك يُعتقل الأب العجوز ويُحقَّق معه في قبو مظلم حتى الموت، دون عودة الابن ولا هزيمة الجلاد. والجلاد قاسٍ، والعجوز في نص مطرود يتلو الأنين إثر الأنين بغنائية عراقية واضحة، تكاد تشبه غنائيات إحياء الحسين، لكن بلغة رمزية عميقة.
كتب مطرود “الجرافات لا تعرف الحزن” في الغربة عن وطنه، وبين الأمل والتجهم كتب صراعاً درامياً عبّر عنه بروح غنائية كثيفة، كثافة القسوة التي يتعرض لها غريب البلاد التي يسكنها، وبمسحة شعرية في العبارة الدرامية. إنه تعبير عن توحد الذات الجمعي، وليس عن اختزاله، وعن تسامي الذات الفردية لتتقمص آلام جموع العراقيين.
حافظ السرميني في كتابته الثانية للنص على روح نص مطرود، بل زاد عليه حكاية السوري والسوريين، الذين ما عُرف عبر التاريخ عن قمع وقسوة مارسها أي نظام في العالم على شعبه أو أعدائه كما فعل الإجرام الأسدي. والسرميني كتب عن نفسه وعائلته، وعن إدلب وسوريا كلها. وقد عاش قصة انشقاقه عن الجيش وهربه من خدمته الإلزامية، وعاد إلى مدينته إدلب، وهي عاصمة ما تحرر أثناء الحرب من أرض سوريا. كما عاش هو وطاقم المسرحية أهوال الجوع ونقل الجثث ومناظر الدماء وبتر الأطراف، وعاشوا أيضاً آلام الفقد، موتاً أو سفراً أو غياباً مجهولاً.
الحكاية التي لم تنته
يكتب السرميني في نصه ويتحدث إلى الجمهور قبل بدء العرض:
«يأتي عرض “تحت الصفر” بوصفه تجربة مسرحية مكثفة تغوص في أقسى حالات الإنسان حين يُجرَّد من حريته، ويُدفع إلى مواجهة ذاته في فضاء مغلق تحكمه القسوة والخوف. العمل مستوحى من نص “الجرافات لا تعرف الحزن” للكاتب قاسم مطرود، ويقدّم معالجة إخراجية تشتبك مع الذاكرة والواقع، حيث تتلاشى الحدود بين الحقيقة والوهم، وبين ما يُقال وما يُنتزع تحت الضغط».
ويضيف المؤلف/المخرج:
«يشتغل العرض على تفكيك البنية النفسية للشخصية، مقدماً صورة إنسانية عارية من كل الأقنعة، حيث يمتزج الخوف بالحنين، والضعف بالرغبة في الصمود. حضور الطفلة داخل العمل لا يأتي كشخصية فحسب، بل كرمز للبراءة المسلوبة، وللحلم البسيط الذي تحطمه قسوة الواقع. أما “رجل X”، فيمثل سلطة غامضة (سجان، محقق، قاضٍ، جزار، ضابط)، تفرض سطوتها وتعيد تشكيل الحقيقة وفق ما تريد».
ويبدأ العرض باعتراف السجين بكل ما يريد المحقق أن يعترف به. فهو الذي دبّر الكمائن، وهو من قتل، ومستعد لأن يقول إنه يمول المسلحين وينقل لهم الدواء والغذاء، وهو الذي زودهم بالسلاح، فقط ليرتاح من تعذيب الجلاد المُمِضّ له، ومن فنون التعذيب التي تتجدد بقسوة أكبر وعنف أشد.
وبعد تعذيب شديد ينهار، وفي غبش أو خيال أو وهم أو حلم، وربما هذيان، يعتذر لأحبته، لعائلته ولأرضه:
«أشعر بأني انهزمت، والعصر ليس عصري، والحاضر ظلمة دامت على قدري».
وبعد جولات أخرى من التعذيب، وفي لحظة تسليم روحه إلى بارئها، يخاطب القتلة:
«سأرحل الآن، وستبقى روحي تجول المكان، تلعنكم، وتمزق أحلامكم. فلن تستطيعوا قتل الأفكار، لأن الحكاية لم تنتهِ بل بدأت الآن… لأن الحكاية لم تنتهِ بل بدأت الآن».
ويبدأ الجلاد بلف الكفن حول جثته.
الخبرة الإخراجية
تميز إخراج “تحت الصفر” بمشهدية حرفية عالية، ولعبت الإضاءة المدهشة دور السينوغرافيا. وكل ما على المسرح، من شريط الحدود إلى الزنزانة وقاعة التحقيق والتعذيب، يوحي بأناقة العرض، الأناقة التي تدل على خبرة إخراجية مكينة وفهم عالٍ للنص ولمقولته. وزاد من جمال العرض الأداء الرائع للممثلين.
الحرية بوصفها شرطاً لا نتيجة
حين سأل المسرحيون إدارة المهرجان عن السقف الذي لا يمكن أن يتجاوزوه، وعن الممنوعات من الموضوعات المسرحية والرؤى والصيغ المسرحية لتجسيد هذه الموضوعات، كان جواب إدارة المهرجان ومديرية ثقافة حمص:
«السقف مفتوح، فضاؤكم الحرية، اختاروا ما شئتم من موضوعات، لكن عالجوها من خلال رؤية إنسانية، مزاجها العدالة والجمال، وبعيداً عن خطابات الفرقة والبغضاء والكراهية».
لا شك أن الكثيرين ممن يعشقون الآداب والفنون، وبخاصة المسرح، ينتظرون ويتطلعون إلى مشاهدة مسرح جديد كل الجدة، يعبّر عن الحياة الجديدة في سوريا بعد التحرير. لكن التحولات العظيمة والعميقة والكبيرة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، لا يمكن أن نراها معكوسة ومتجلية مباشرة في أدب أو فن.
نعم، التحولات العظيمة والثورات العظيمة تعكس آدابها وفنونها العظيمة أيضاً، لكن بعد اختمار، وبعد زوال الصعاب التي تعقب نجاح الثورة. فالمهم والأهم اليوم هو التخلص من عقلية العمل في النظام البائد، وأن نقول للناس إنه لم يعد ثمة أجهزة أمنية تراقب مسرحكم، ولا وساطات لتصعدوا إلى خشبة المسرح، ولم تعد هناك رشاوى ولا فساد ولا إفساد.
فهل نجحت عروض مهرجان حمص المسرحي في أن تقدم أي ملمح من ملامح المسرح الجديد الحر الذي ينتظره الجمهور، ويتوق المسرحيون أنفسهم إلى إبداعه وخلقه وترسيخه؟
الجواب ببساطة: لا. لم ينجح أي عرض مسرحي من عروض مهرجان حمص المسرحي، ولا في مسارح سوريا في الغالب الأعم، في تحقيق هذا المسرح الحلم. فما زالت عقليات الكثيرين تفكر بميكانيزمات وآليات تنفيذ العمل المسرحي في العهد البائد، والمسألة حقاً تحتاج إلى وقت، وإلى أن يتشبع الفنان من نسيم الحرية والأمان والعدالة الاجتماعية.
والفنان المسرحي اليوم مطالب بأن يعتمد النص المحلي، الذي كُتب في مرحلة ما بعد التحرير، لا الاعتماد على نصوص عربية أو عالمية وترقيعها بما يتناسب مع ما تطلبه السلطة الجديدة في سوريا من الأدب والفن. فالعهد الجديد وسلطته أعطيا حقاً هامشاً واسعاً من الحرية، يبدأ من القضايا المطلبية المعيشية، إذ سُمح بالتظاهر والوقفات الاحتجاجية، وينتهي بحرية الاعتقاد والممارسات السياسية.
في مهرجان حمص المسرحي قُدمت خمس مسرحيات، واحدة منها فقط من تأليف سوري، لكن النص كان ضعيفاً حقيقة. وثمة ثلاث مسرحيات عربية ومسرحية عالمية واحدة. وقد عمل المخرجون على إعداد هذه النصوص لتناسب مرحلة ما بعد التحرير، وتعبر عن الانتصار، وتبث الأمل بحياة جديدة.
لكن، وللأسف، كانت اللفتة الوطنية في كل عرض تأتي مفاجئة وخارج السياق الدرامي، وفي نهاية العرض على الأغلب، وعلى نمط السوشيال ميديا: «نسخ ـ لصق وكفى الله المؤمنين شر القتال».
طبعاً أستثني من هذه العروض عرض إدلب، “تحت الصفر”، الذي كان موضوعه العسف والظلم وقسوة ولا إنسانية الاستبداد الأسدي في السجون السورية، وتغييب الناس ظلماً ليكونوا في قائمة المفقودين، القائمة الأكثر كارثية إنسانياً، على أقل تقدير.
