إعداد: ماريا قيومجيان
يسلط المقال الضوء على جهود عشرين شابة من فريق «فسحة أمل» للوصول إلى أسر الأطفال ذوي الإعاقة في مناطق جنوب دمشق، من خلال الجلسات التوعوية والزيارات المنزلية. ويكشف ما تواجهه هذه الأسر من صعوبات نفسية واقتصادية، وارتفاع تكاليف التأهيل، وغياب البيئة التعليمية الدامجة. ويسعى الفريق إلى تمكين الأمهات بالمعرفة والدعم، وتعزيز حق الأطفال في التعليم والمشاركة، انطلاقًا من أن كل طفل يمتلك قدرات تستحق أن تُكتشف.
فريق «فسحة أمل» يختار الوصول بدلاً من الانتظار
في المناطق البعيدة عن مركز العاصمة، حيث تتضاعف التحديات وتندر الخدمات المتخصصة، تعيش أسر الأطفال ذوي الإعاقة واقعاً يومياً مثقلاً بصعوبات العلاج والتأهيل والتنقّل.
ولأن الاحتياج لا ينتظر، قرر فريق «فسحة أمل» التطوعي أن يبدأ من هناك؛ من المناطق الأبعد والأكثر هشاشة، وأن يصل إلى الأسر بدلاً من انتظار وصولها.
يتألف الفريق من عشرين شابة من أبناء المناطق المستهدفة، يعملن على تنفيذ مبادرات تطوعية موجهة إلى الأطفال ذوي الإعاقة وأمهاتهم، من بينها مبادرتا «حقيبة وعي» و«خطوة بخطوة». وتُنفّذ كل مبادرة ضمن مدة زمنية محددة، بما يساعد على تنظيم أنشطتها ومتابعة أثرها.
تنتمي الشابات إلى البيئة نفسها، ويعرفن تفاصيلها الاجتماعية والاقتصادية وتحدياتها اليومية، ما يجعل عملهن الميداني أكثر قربًا من الناس واحتياجاتهم، وأكثر واقعية وفاعلية.
في يلدا والحجيرة وبيت سحم والبويضة وسبينة وببيلا، طرق الفريق أبواب المنازل حاملاً هدفاً أولياً وبسيطاً: الاستماع.
فخلف كل باب حكاية، ولكل أسرة احتياج مختلف، وفي داخل كل طفل قدرة تنتظر من يكتشفها ويمنحها فرصة للظهور.
«كسر لي قلبي حكيه»
حين تتحول الكلمات إلى عبء نفسي يضاف إلى أعباء الإعاقة
خلال إحدى الجلسات، روت أم محمد، والدة طفل لديه متلازمة داون، ما قاله لها أحد الأطباء عن مستقبل ابنها:
«ابنك لا بيتزوج، ولا بيجيب أولاد، ولا بيعيش».
ثم أضافت بصوت يختصر أثر تلك الكلمات:
«كسر لي قلبي حكيه».
لم تكن العبارة مجرد رأي طبي، بل صدمة أثقلت أيام الأم ولياليها، ورسمت أمامها صورة قاتمة لمستقبل طفلها قبل أن يُمنح فرصة الحياة والنمو وإظهار قدراته.
لكنها، وهي تنظر إلى ابنها بابتسامة أكثر هدوءاً، قالت:
«عم يجتمع مع الفريق لأنسى نفسيتي التعبانة».
بالنسبة إلى أم تعيش ضغطاً مستمراً في محيط لا يتفهم دائماً ما تمر به، لا تعود الجلسة مجرد لقاء توعوي، بل تصبح مساحة للتنفّس واستعادة الأمل، وفرصة للشعور بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة.
«ما قبلوه بالمدرسة… خافوا يوقع من الكرسي»
روت أم أخرى تجربة مؤلمة عاشها طفلها ذو الإعاقة الحركية، بعدما رفضت إحدى المدارس قبوله بحجة الخوف من سقوطه عن كرسيه.
قالت:
«ما قبلوه بالمدرسة، خافوا يوقع من الكرسي».
جملة قصيرة، لكنها تكشف حجم الفجوة في تهيئة المدارس وغياب التجهيزات المناسبة والوعي الكافي بحق الأطفال ذوي الإعاقة في التعليم.
فالمشكلة ليست في قدرة الطفل على التعلّم، بل في قدرة المدرسة على إزالة الحواجز واحتضانه وتوفير بيئة آمنة ودامجة له.
وقد ساهمت زيارات الفريق في تقديم الدعم النفسي للأسرة والتأكيد أن الإعاقة لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لعزل الطفل عن المدرسة والمجتمع، أو إلى ذريعة لحرمانه من أحد حقوقه الأساسية.
جلسات المدارس: وعي يكسر العزلة
تحولت الجلسات التي ينظمها الفريق في المدارس إلى نقاط لقاء مهمة للأهالي، تتيح لهم تبادل الخبرات وطرح الأسئلة ومناقشة التحديات التي تواجههم في تربية أطفالهم ودعمهم.
وتفتح هذه الجلسات باباً للحوار، وتساعد على تصحيح المفاهيم الخاطئة، كما تمنح الأسر شعوراً بأنها جزء من مجتمع يتقاسم مخاوف متشابهة ويسعى إلى إيجاد حلول مشتركة.
فعندما تكتشف أم أن أسئلتها تشبه أسئلة أمهات أخريات، وأن خوفها ليس تجربة فردية، يبدأ شعورها بالعزلة بالتراجع، لتحل مكانه مساحة من المشاركة والانتماء والتضامن.
الزيارات المنزلية: حين تصل المعرفة إلى الأمهات
تُعد الزيارات الميدانية التي تنفذها الاختصاصيات التربويات إلى منازل الأطفال من أبرز خطوات الفريق. وتهدف هذه الزيارات إلى تمكين الأمهات من فهم احتياجات أطفالهن والتعامل معهم وفق أساليب تربوية وتأهيلية مناسبة.
ولا تمثل هذه الزيارات وصولاً جغرافياً فحسب، بل وصولاً إلى المعرفة والدعم، ولا سيما للأمهات اللواتي تمنعهن الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية من زيارة المراكز المتخصصة أو حضور الجلسات.
وفي بعض البيئات المحافظة، قد يكون دخول الاختصاصيات إلى المنازل خطوة حساسة تحتاج إلى بناء الثقة وتواصل دقيق، وأحياناً إلى موافقات عائلية يصعب الحصول عليها. ومع ذلك، تبقى هذه الخطوة ضرورية، لأنها تضع المعرفة في متناول الأم داخل بيتها، وتمنحها أدوات عملية تساعدها على دعم طفلها في تفاصيل حياته اليومية.
هنا يصبح الوصول فعلاً متعدد الأبعاد: وصولاً إلى المنزل، ووصولًا إلى المعرفة، ووصولاً إلى قدرة جديدة تكتسبها الأم لمساندة طفلها.
ومن أقرب نقطة إلى حياة الطفل، يبدأ التغيير.
العلاج والتأهيل: احتياج يتجاوز إمكانات كثير من الأسر
تكشف الزيارات الميدانية عن تحدٍ أساسي تواجهه الأسر، يتمثل في ارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل في المراكز الخاصة.
فالمشكلة لا تكمن في عدم رغبة الأهل في متابعة علاج أطفالهم، بل في عجز كثير منهم عن تحمّل تكاليف الجلسات المستمرة والبرامج التأهيلية طويلة الأمد، إلى جانب نفقات المواصلات والضغوط المعيشية الأخرى.
وحين يحتاج الطفل إلى جلسات متكررة، يتحول العلاج إلى عبء مالي يفوق قدرة الأسرة، وقد يؤدي إلى توقفه أو عدم البدء به أصلاً.
لذلك يصبح الوصول إلى هذه الأسر ضرورياً، ليس فقط للتعرف إلى احتياجاتها، وإنما لتطوير مبادرات وخيارات دعم تنطلق من واقعها الفعلي وتراعي إمكاناتها.
الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة
لأن الخدمة تفقد معناها إن بقيت بعيدة عمن يحتاج إليها
لا تستطيع الفئات الأكثر هشاشة الوصول إلى الخدمات دائمًا. فقد تحول المسافة دون ذلك، أو تصبح تكاليف المواصلات عائقًا، أو تمنع الظروف الاقتصادية والاجتماعية الطفل من الحصول على الرعاية والتعليم والتأهيل الذي يحتاج إليه.
لذلك لا يكفي أن تكون الخدمة موجودة؛ بل يجب أن تكون متاحة وقابلة للوصول.
ومن هنا جاءت زيارات فريق «فسحة أمل» في جنوب دمشق، بوصفها خطوة لفهم الواقع من داخله، والاقتراب من الاحتياجات الحقيقية للأطفال وأسرهم، والوصول إلى من يصعب عليهم الوصول إلى الآخرين.
كل طفل لديه قدرة تستحق أن تُكتشف
لا يحتاج الطفل ذو الإعاقة إلى الشفقة، بل إلى فرصة وبيئة داعمة وأسرة تمتلك المعرفة والمساندة، ومدرسة ومجتمع يؤمنان بحقه في التعلّم والمشاركة.
وتحتاج أسرته، بدورها، إلى من يستمع إليها من دون أحكام، ويدرك أن رحلتها قد تكون طويلة ومكلفة ومرهقة نفسيًا وماديًا.
هنا يبرز دور فريق «فسحة أمل» في الاستماع إلى الأهالي، ودعمهم وتوجيههم، وتعزيز وعيهم باحتياجات أطفالهم، وتشجيعهم على اكتشاف قدراتهم وتنميتها بما يتناسب مع ظروف كل طفل وأسرة.
لأن الطريق إلى الطفل يبدأ أحيانًا من باب منزله، وحين نصغي إلى الحكايات نفهم الاحتياجات، ومن فهم الاحتياجات يبدأ التغيير.

One Response
بدنا مراكز