الإرادة

أطباء بلا رواتب: مسار مهني عالق بين وزارتين

الخط

بعد سقوط النظام السابق في سوريا، يواجه عشرات الأطباء الذين التحقوا سابقاً بمفاضلة وزارة الدفاع أزمة مهنية ومعيشية متفاقمة، بعد توقف صرف رواتبهم بالكامل، رغم استمرارهم في العمل داخل المشافي العامة. هؤلاء الأطباء وجدوا أنفسهم عالقين في فراغ إداري وقانوني، نتيجة تفكك منظومة المشافي العسكرية وتنازع الصلاحيات بين وزارتي الدفاع والصحة، في واحدة من أكثر ملفات المرحلة الانتقالية حساسية. قبل التغيير السياسي، كان الالتحاق بمفاضلة وزارة الدفاع مساراً مهنياً معتمداً، لا سيما في سنوات ما بعد الحرب، في ظل النقص الحاد في الكوادر الطبية وتراجع فرص القبول في مفاضلتي وزارة الصحة والتعليم العالي. عمل الأطباء ضمن إدارة الخدمات الطبية التابعة لوزارة الدفاع، في مشافٍ عسكرية أو مختلطة، بموجب قرارات رسمية ورواتب منتظمة. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد الأطباء الذين سلكوا هذا المسار قبل السقوط تراوح بين 200 و400 طبيب وطبيبة في محافظات عدة. في تلك الفترة، كانت وزارة الدفاع تشرف على شبكة من نحو 18 مستشفى عسكري، شكّلت جزءاً فعلياً من المنظومة الصحية، وقدمت خدمات للعسكريين والمدنيين على حد سواء. لكن بعد سقوط النظام، أُغلق عدد من هذه المشافي أو تقلّص دورها، فيما بقي مصير أخرى غير محسوم، ما أدى إلى تفكك المنظومة التي كان يعمل ضمنها هؤلاء الأطباء. محاولة معالجة الوضع تمثلت بقرار نقل الأطباء إلى مشافي وزارة الصحة مع استمرار صرف رواتبهم من وزارة الدفاع، إلا أن هذا الترتيب لم يستمر سوى أسابيع، قبل أن تتوقف الرواتب كلياً. ومنذ ذلك الحين، يعمل الأطباء دون أجر، وسط تبادل للمسؤوليات بين الوزارتين، ودون حل واضح. بعد أكثر من 11 شهراً من الإهمال، نظم الأطباء وقفات احتجاجية مطالبين بصرف مستحقاتهم وتثبيت وضعهم الوظيفي. وتبرز هذه القضية اليوم كاختبار مبكر لقدرة الدولة في مرحلة ما بعد السقوط على إدارة الانتقال المؤسسي، وضمان الحقوق المهنية في قطاع حيوي كالصحة، دون إنتاج مظالم جديدة.

منصة إرادة- مادلين جليس:

منذ سقوط النظام السابق في سوريا، يواجه عشرات الأطباء الذين التحقوا سابقاً بمفاضلة وزارة الدفاع أزمة مهنية ومعيشية مفتوحة، بعد توقف صرف رواتبهم بشكل كامل، رغم استمرارهم في العمل داخل المشافي العامة. هؤلاء الأطباء، الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج أي إطار إداري واضح في النظام الصحي، باتوا مثالاً على الإرباك الذي رافق إدارة الملفات المهنية في مرحلة الانتقال السياسي، حيث تحوّل الالتزام الطبي إلى عمل بلا مقابل، مع تجاهل مستمر لمطالباتهم بتسوية أوضاعهم.

مشافي وأطباء: قبل وبعد

قبل سقوط النظام، لم يكن التحاق خريجي كلية الطب بمفاضلة وزارة الدفاع خياراً استثنائياً، بل أحد المسارات المعتمدة أمام الأطباء الجدد، خاصة في سنوات ما بعد الحرب، في ظل النقص الحاد في الكوادر الطبية وتراجع فرص القبول في مفاضلتي وزارة الصحة والتعليم العالي. كثير من الخريجين لجؤوا إلى هذا المسار بحثاً عن فرصة تدريب أو تخصص، أو لضمان استقرار وظيفي نسبي في قطاع صحي أنهكته الهجرة والاستنزاف.

عملياً، كان هؤلاء الأطباء يُفرزون للعمل ضمن إدارة الخدمات الطبية التابعة لوزارة الدفاع، ويباشرون عملهم في مشافيها العسكرية أو المختلطة، بموجب قرارات رسمية ورواتب منتظمة، وبوضع مهني معترف به من قبل الدولة. وتشير تقديرات غير رسمية، استناداً إلى تغطيات إعلامية وشهادات نقابية، إلى أن عدد الأطباء الذين سلكوا هذا المسار في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام تراوح بين 500 و600 طبيب وطبيبة في مختلف المحافظات.

حتى ما قبل سقوط النظام، كانت وزارة الدفاع السورية تشرف على شبكة من نحو 18 مستشفى ومرفقاً طبياً عسكرياً موزعة على عدة محافظات، أبرزها مشافي تشرين العسكري، حرستا، حمص العسكري، حلب العسكري، واللاذقية العسكري. ورغم أن هذه المشافي خُصصت أساساً لعلاج العسكريين وعائلاتهم، فإنها كانت، في فترات مختلفة، تستقبل مدنيين أيضاً، وتسهم في تخفيف الضغط عن مشافي وزارة الصحة، خصوصاً خلال سنوات الحرب.

شكّلت هذه المشافي بيئة عمل وتدريب لعدد كبير من الأطباء، بمن فيهم أطباء مقيمون ومتعاقدون عبر مفاضلة وزارة الدفاع، وكانوا جزءاً من منظومة صحية قائمة، لها موازناتها وإدارتها وسياقها المؤسسي.

من نقل إداري إلى فراغ قانوني

مع التغيّر السياسي الكبير وسقوط النظام الأسدي، تقلّص دور المشافي العسكرية بشكل كبير. أُغلقت بعض المنشآت أو توقّف عملها فعلياً، فيما جرى نقل كوادر طبية أخرى، من بينهم أطباء وزارة الدفاع، إلى مشافي وزارة الصحة بقرارات إدارية مؤقتة، دون استكمال نقل الملاك أو العقود.

تفاجأ الأطباء بتوقف صرف رواتبهم بعد سقوط النظام، رغم أنهم استمروا في العمل بناءً على قرار وزير الصحة السابق، ماهر الشرع، الذي قضى بإعادتهم إلى تخصّصاتهم وفرزهم وفق احتياجات المشافي، مع استمرار صرف مستحقاتهم المالية من قبل وزارة الدفاع، غير أن هذا القرار لم يُطبّق سوى لفترة قصيرة، قبل أن يُتراجع عنه بعد نحو شهرين، ويتوقف صرف الرواتب كلياً.

منذ ذلك الحين، يعمل هؤلاء الأطباء في المشافي التي نُقلوا إليها دون أي أجر، وسط تضارب في المواقف بين الوزارتين؛ إذ تؤكد وزارة الصحة أن الأطباء لا يزالون على ملاك وزارة الدفاع، فيما تشير الأخيرة إلى أنهم باتوا عملياً تابعين لوزارة الصحة، ما خلق حالة من الفراغ الإداري والقانوني مباشرة على حياتهم المعيشية ووضعهم النفسي.

يقول أحد الأطباء، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه: “اضطررنا للتقديم لمفاضلة وزارة الدفاع في البداية لأن الفرصة كانت أكبر للالتحاق بالتخصصات التي نرغب بها. لكننا فوجئنا بعدم صرف رواتبنا بعد سقوط النظام رغم استمرارنا في العمل بشكل كامل بالمستشفيات التي تم ندبنا لها.”

وتروي طبيبة تعمل في مستشفى المجتهد بدمشق العامة أنها لم تتلقَّ أي أجر عن عملها منذ حوالي العام، رغم تأديتها لواجبها المهني بالكامل والتزامها بالدوام. وتضيف: “الأطباء الآخرون يتقاضون رواتبهم كاملة، وأنا هنا أعمل بلا مقابل. كيف يمكن أن نستمر في أداء عملنا في ظل هذا التهميش؟”

التعاقد مع أطباء جدد

خلال الأشهر الماضية، وجّه الأطباء المتضررون عدداً من الكتب الرسمية إلى الجهات المعنية، دون أن يتلقوا ردوداً واضحة. وبعد أكثر من 11 شهراً من توقف الرواتب، نظموا وقفات احتجاجية أمام الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في دمشق، مطالبين بصرف مستحقاتهم المتراكمة، وتثبيت وضعهم الوظيفي عبر عقود رسمية مع وزارة الصحة، أسوة بزملائهم العاملين في المشافي العامة، إضافة إلى منحهم تراخيص طبية رسمية تعترف بهال الدولة، وتضمن لهم استكمال مسارهم المهني والحصول على شهادة التخصص.

ويرى الأطباء المحتجون أن تجاهل ملفهم يعكس حالة من التراخي الإداري في التعامل مع الأزمات الصحية في سوريا، الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار القطاع الصحي وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين. وفي هذا الصدد، لا يمكن تجاهل تداعيات هذا الإهمال على حياة المرضى الذين يعتمدون على الرعاية الصحية المقدمة من قبل هؤلاء الأطباء.

في خضم هذه الأزمة التي يعاني منها الأطباء المكلفون، أعلنت وزارة الدفاع مؤخراً عن رغبتها في التعاقد مع أطباء جدد للعمل لصالحها في عدد من التخصصات الطبية، وهو ما أثار استياء عشرات الأطباء المسرحين من مشافي وزارة الدفاع والذين ما زالت أوضاعهم معلقة مع وزارة الصحة، وما زالوا محرومين من حقوقهم المالية، ما يطرح تساؤلاً مهماً: أليس من الأفضل للوزارة إعادة الأطباء المكلفين سابقاً إلى ملاكها وصرف مستحقاتهم، بدلاً من البحث عن أطباء جدد في وقت يعاني فيه الأطباء الحاليون من الإهمال؟

اختبار مبكر للانتقال المؤسسي

اليوم، يقف هؤلاء الأطباء عند تقاطع حساس بين وزارتين ومنظومتين، دون حل واضح أو جدول زمني لمعالجة قضيتهم. وفي بلد يعاني من أزمة صحية عميقة ونقص حاد في الكوادر، تبدو معالجة هذا الملف ضرورة ملحّة، ليس فقط لإنصاف الأطباء، بل لحماية ما تبقى من النظام الصحي، ومنع نزيف إضافي في قطاع لا يحتمل المزيد من الخسائر

هذا الملف يشكل أيضاً اختباراً مبكراً لقدرة الدولة في مرحلة ما بعد السقوط على إدارة الانتقال المؤسسي دون إنتاج مظالم جديدة.

ففي نهاية المطاف، لا تتعلق القضية برواتب متأخرة فحسب، بل بسؤال أوسع: كيف يمكن بناء نظام صحي جديد، بينما يُترك أطباء يعملون بلا أجر، في قلب هذا النظام؟