في السويداء، نظّمت «نوفا غالوري» بالتعاون مع مجموعة «سيدات حبق ميديا» أمسية «مساحة فرح»، جمعت نساءً شاركن في الغناء والرسم والأعمال اليدوية. وتسعى المبادرة إلى إحياء تقليد الصالونات الثقافية وإتاحة فرص للقاء والتعبير بعد فترة صعبة، فيما يأمل المنظّمون أن تتكرر هذه الأنشطة وأن تمتدّ ممارسة الفن من الصالة إلى البيوت.
إعداد: ضياء الصفدي
في صالة «نوفا غالوري» بالسويداء، عُزف العود وغنّت مشاركات بين لوحات وأعمال يدوية. حمل اللقاء اسم «مساحة فرح»، وجمع نساءً وجدن فيه فرصة للقاء ومشاركة اهتماماتهن الفنية بعد فترة صعبة تراجعت خلالها الأنشطة الثقافية والاجتماعية.
الفكرة، كما أرادتها مؤسسة نوفا غالوري حنان الحلبي، تتجاوز إقامة حفل موسيقي في مكان محدد، لتصبح بداية لمسار أوسع: نقل «مساحة الفرح» من الغالوري إلى البيوت، ومن خلال النساء والأمهات تحديداً.
فالمرأة، وفق هذه الرؤية، ليست متلقية للثقافة والفن فحسب، بل قادرة على نقلها إلى أبنائها وأسرتها، وتشجيعهم على الموسيقى والبرامج الثقافية والفنون، بحيث يصبح البيت نفسه مساحة صغيرة للفرح والإبداع.
الفن كمساحة للتعافي
جاءت الفعالية في ظل ظروف صعبة عاشتها السويداء، وما رافقها من مشاعر الحزن والتعب والقلق، لتمنح المشاركات فرصة للابتعاد، ولو لساعات، عن أجواء التوتر، والعودة إلى الموسيقى واللقاء الإنساني.
وتنوعت المشاركات بين الغناء والموسيقى والرسم والأعمال اليدوية والحرف والفنون المختلفة، لتشكل الصالة مساحة مفتوحة أمام النساء للتعبير عن مواهبهن واهتماماتهن، واستعادة علاقتهن بالأنشطة الثقافية والترفيهية.
وتقول شذا حامد، إحدى منسقات مجموعة سيدات حبق، إن المجموعة تسعى إلى تنظيم المزيد من الأنشطة الموجهة للنساء، بحيث لا تقتصر على الفعاليات الفنية، وإنما تشمل أيضاً النشاطات الرياضية والرحلات والبرامج الترفيهية التي تتيح للنساء فرصة اللقاء وكسر رتابة الحياة اليومية.
أما إيليا رضا، منسق سيدات حبق، فيرى أن «مساحة فرح» تمثل قبل كل شيء مساحة آمنة للنساء، يمكن لهن من خلالها التعبير عن مشاعرهن والتحدث عن همومهن وآلامهن، وتفريغ طاقاتهن عبر الموسيقى والفن.
ويشير رضا إلى أن فكرة الفعالية ولدت بعد الأزمة التي مرت بها السويداء، كاستجابة للحاجة إلى استعادة الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وخلق بيئة تساعد الناس على استعادة شعورهم بالحياة.
الصالونات الثقافية تعود
تستعيد الفعالية بذلك تقليداً ثقافياً واجتماعياً عُرفت به السويداء، يتمثل في الصالونات واللقاءات الثقافية التي كانت تجمع المهتمين بالفن والموسيقى والأدب والحوار.
لكن «مساحة فرح» تمنح هذا التقليد بعداً نسائياً واضحاً، وتفتح الباب أمام نساء في مراحل عمرية مختلفة، وخصوصاً ممن تجاوزن الأربعين، للعودة إلى المشهد الثقافي والفني والمشاركة فيه بوصفهن صاحبات مواهب وتجارب، وليس فقط جمهوراً.
وتعكس عودة هذه اللقاءات رغبة لدى المشاركات في استعادة الحياة الثقافية والترفيهية التي كانت تشكل جزءاً مهماً من يوميات المدينة. وقد عبّرت نساء شاركن في الفعالية عن سعادتهن بعودة النشاطات الفنية والترفيهية والصالونات الثقافية، معتبرات أن وجود مثل هذه المساحات يمنحهن فرصة للقاء والتعبير واستعادة الفرح.
من الغالوري إلى كل بيت
الرسالة الأساسية التي حملتها «مساحة فرح» لا تتوقف عند حدود المكان. فالغاية أن تنتقل الموسيقى والفن والثقافة من صالة نوفا غالوري إلى المنازل، وأن تصبح كل سيدة وربة منزل قادرة على صناعة مساحة فرح خاصة بها، داخل بيتها ومع أبنائها.
ومن هنا، تبدو الموسيقى والفنون في الفعالية أكثر من مجرد نشاط ترفيهي؛ إنها وسيلة لبناء علاقة مختلفة مع الحياة، وتشجيع الأجيال الجديدة على الفن والثقافة، وإعادة اكتشاف قدرة النساء على صناعة الأثر في محيطهن.
وبين صوت الموسيقى وألوان اللوحات وتفاصيل الأعمال اليدوية، حملت نساء السويداء رسالتهن ببساطة: أن الفرح يمكن أن يبدأ من مساحة صغيرة، وأن ينتقل من امرأة إلى أخرى، ومن بيت إلى بيت، حتى تستعيد المدينة شيئاً من نبضها الثقافي والإنساني.
فـ«مساحة فرح» لم تكن أمسية موسيقية وحسب، بل محاولة لفتح نافذة على الحياة، وإعلاناً بأن الفن، حتى في أصعب الظروف، يستطيع أن يمنح الناس سبباً للقاء، وللتعبير، وللاستمرار.
