تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

بين كسر العصا ومحبس الزوجة.. كيف تورّطت أفكارنا في التنمر؟

الخط

تبدأ الحكاية من صورة وسيم الحمام، الشاب القادم من ريف الحسكة إلى دمشق للعلاج، التي تحولت من صورة شخصية عابرة إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل، قبل أن تنقلب الموجة إلى حملات تضامن، وتظهر صورته على شاشة في ساحة الأمويين. بين السخرية والتضامن، ظل شيء واحد ثابتاً: حاجة المجتمع إلى وضع الإنسان المختلف داخل صورة جاهزة؛ ضحية أو بطلاً أو صاحب معجزة، بدلاً من تركه ببساطة ليكون إنساناً. هذه الحاجة ليست جديدة. فمنذ الأمثال الشعبية، حملت اللغة صوراً قاسية عن الأشخاص ذوي الإعاقة، من «إذا شاهدت أعمى فاكسر عصاه» إلى أمثال تربط الإعاقة بالشر أو النقص. ثم جاءت بعض الخطابات الدينية السطحية لتفسر الإعاقة باعتبارها عقوبة أو غضباً إلهياً، وتفتح الباب أمام ممارسات استغلالية تحت عناوين الرقية وفك السحر. ولم تكن الدراما العربية بعيدة عن ذلك؛ فقد قدمت الشخصيات ذات الإعاقة داخل قوالب جاهزة: الكفيف صاحب البركات الخارقة، والشرير الذي يعاقب بالشلل أو فقدان البصر، والشخصية التي تستعيد قدرتها فجأة في نهاية العمل. هكذا تتحول الإعاقة إلى رمز أو عقوبة أو عقبة درامية، بدلاً من كونها جزءاً من حياة إنسان عادي. ويستعيد المقال نماذج أدبية، من قصة «بيت من لحم» ليوسف إدريس إلى صورة الحمال الكفيف في شعر ابن الرومي، قبل أن ينتقل إلى الوجه الآخر للتنميط: تحويل شخصيات مثل أبي العلاء المعري وطه حسين وهيلين كيلر إلى «بطاقات تحفيزية» تحت شعار «الإعاقة لا تمنع النجاح». هنا يصبح الإعجاب نفسه موضع سؤال. فاختزال الإنسان في إعاقته، حتى بنية حسنة، قد يكون شكلاً من التنمر الناعم. المشكلة ليست في القول إن الإعاقة لا تمنع الإنجاز، بل في جعل الإنجاز شرطاً لقبول الإنسان. فما نحتاج إلى تغييره ليس الإنسان المختلف، بل الطريقة التي ننظر بها إليه.

منصة إرادة، علي صقر:

لم يكن وسيم الحمام بحاجة إلى شيء من السوريين سوى أن يتركوه يلتقط صورة. جاء الشاب من ريف الحسكة إلى دمشق للعلاج، ووقف أمام نصب السيف الدمشقي في ساحة الأمويين، والتقط صورة. كان يفترض أن تنتهي الحكاية هنا، لكن الصورة خرجت إلى الناس، وبدأت التعليقات الساخرة من مظهره وملابسه وانتمائه الجغرافي.

ثم حدث ما يحدث عادة حين يكتشف المجتمع فجأة أنه قاسٍ أكثر مما ينبغي: انقلبت الكفة. بدأت حملات التضامن، ثم ظهرت صورته على شاشة كبيرة في ساحة الأمويين نفسها تحت عبارة: «ابن الحسكة.. نورت الشام». لكن شيئاً ما في الحكاية ظل نفسه.

في البداية، لم يتركوا الرجل وشأنه لأنه كان مختلفاً بما يكفي ليسخروا منه. وبعدها لم يتركوه وشأنه لأنه أصبح مختلفاً بما يكفي ليتضامنوا معه.

ربما هنا تبدأ الحكاية الحقيقية عن الثقافة التي تحتاج دائماً إلى أن تضع الإنسان المختلف داخل قالب كي تعرف كيف تنظر إليه: ضحية، أو بطلاً، أو صاحب معجزة، أو مادة للشفقة، أو حتى دليلاً على أننا، أناس طيبون. لا نترك المختلف ببساطة ليكون مختلفاً. نريد أن نفسره، أو نصلحه، أو نرثيه، أو نصفق له.

ولعل هذا هو الجزء أقدم من مواقع التواصل بكثير.

في موروثنا الشفاهي العظيم، تعوّدنا أن نُشرّح المآسي بقلب بارد ونغلّف القسوة بعبارات من السجع اللذيذ. ومن يتأمل هذا التراث الشفاهي يظنّ للوهلة الأولى أن أجدادنا كانوا يحملون مطارق بدلاً من القلوب.

خذ عندك مثلاً ذلك المثل القاسي: «إذا شاهدت أعمى فاكسر عصاه.. فما أنت بأرحم من ربه!»؛ وهو منطق عجيب يفترض أن القدر حين يسلب إنساناً نصيبه من الضوء، يتطوع المجتمع لإكمال المهمة بسلب عصاه أيضاً! ولا ينتهي السيرك الكلامي هنا، بل تتناسل حِكم الحارة لتخبرك أن «كل ذي عاهة جبار»، وكأن الإعاقة الجسدية تمنح صاحبها اشتراكاً مجانياً في نادي الأشرار، أو المثل القائل: «اقعد أعمى وجرّح في الصحيح»!

لكن كيف تشكّلت هذه النظرة؟ وكيف ظلت تتناسل وتتكيّف مع الزمن؟

دخل مدّعو التدين وبعض الخطابات الدينية السطحية على الخط، فتحولت الإعاقة، في بعض البيئات، من ظرف جسدي طبيعي إلى مسرح للتطبيب الروحي والتكسّب. كم من شخص ذي إعاقة أُجبر على جلسات «فك السحر» و«طرد الشياطين»، لأن أحد مدّعي المعرفة قرر أن فقدان البصر أو صعوبة الحركة ليس سوى غضب إلهي أو عقوبة على ذنب قديم!

لقد حوّل هؤلاء ألم الناس إلى بضعة دراهم تُدفع تحت باب الرقية وتخليص الجسد من الأرواح الشريرة، متناسين جوهر الأديان الذي رفع الحرج عن الأعمى والأعرج، وجعل معيار الكرامة في الإنسان لا في سلامة أعضائه.

ولم تكن الشاشة بأرحم من الشارع، بل غطّت التنمر بأغطية من «العاطفة المبتذلة». في الشاشة العربية والدراما المصرية تحديداً، لطالما جرى تقديم الأشخاص ذوي الإعاقة داخل أكليشيهات جاهزة، بدلاً من أن يكونوا أشخاصاً عاديين يمارسون حياتهم بأخطائهم وذكائهم وعواطفهم.

هناك «الشيخ المبروك»: الكفيف الذي حُرم من البصر ليُمنح بركات خارقة؛ كأن يقرأ الأفكار، أو يعرف الغيب، أو ينطق بالحكمة بينما الموسيقى التصويرية تعزف في الخلفية! وهي صياغة تجرد الشخص الكفيف من إنسانيته الطبيعية وتحوله إلى مجرد مجسم للبركة أو تحفة للتبارك.

وفي المقابل، تجد الشرير الذي يمارس أطماعه طوال ثلاثين حلقة، قبل أن تقرر الدراما قتله فنياً في المشهد الأخير بـ«جلطة» أو «شلل» أو «فقدان بصر». هنا تُستدعى الإعاقة كعقاب، وكأن المرض والإعاقة هما اللغة التي يكتب بها القدر نهاية الأشرار. سيناريست عاجز عن حبك الخاتمة، فيترك الجسد يتولى المهمة!

ثم تأتي معجزة الحلقة الأخيرة: يصرخ الكفيف فجأة «أنا شايف!»، أو تنهض الشخصية التي تستخدم الكرسي المتحرك لأنها سمعت خبراً سعيداً. هذا الاستسهال الإخراجي يتعامل مع الإعاقة كعقبة مؤقتة تزول بمعجزة، بدلاً من تقديم التعايش والدمج الحقيقيين.

وفي قصة قصيرة كتبتُها عن ثلاثة أشخاص مكفوفين يقفون على تحويلة مدينة «حمص»، يستجدي الأول الناس باسم «المسيح»، والثاني باسم «علي»، والثالث باسم «عمر»، حسب مذهب المارة ودغدغة عواطفهم. حتى إذا أقبل الليل، جلس الثلاثة معاً في جلسة صفاء أخوية، يتقاسمون الغلّة والنقود بالسوية.

هنا يتفوق عمى العيون على عمى الطائفية.

أدرك الثلاثة ببصيرتهم ما عجز عنه المبصرون: أن الفقر واحد، وأن الحاجة لا تسأل عن المذهب، وأن اللعب على التفرقة ليس أكثر من حيلة عيش في عالم يقسو على الجميع.

وعلى نفس رصيف البؤس، يذهب الأديب المصري يوسف إدريس في قصته الشهيرة «بيت من لحم» إلى نقطة أكثر إيلاماً وتكثيفاً؛ حيث يرسم صورة مقرئ كفيف يحلّ زوجاً على أرملة تعيش مع بناتها الثلاث في غرفة واحدة ضيقة تفتقر إلى أبسط شروط الخصوصية.

لم يكن للزوج وسيلة لتأكيد شريكته في الظلمة سوى تلمّس «المحبس» في يدها. وفي مفارقة مأساوية تتداخل فيها الحاجة بالصمت الاجتماعي، يتداول الخاتم بين أيدي الإناث، بينما يتظاهر الأعمى بالعمى الكامل، متشبثاً بالخاتم كحجة أخيرة للصمت، كي لا ينهار البناء كله.

يتحول «المحبس» هنا إلى رمز مأساوي لمجتمع يحرم الأشخاص الأكثر هشاشة من كرامتهم، ثم يجبرهم على العيش في عتمة التواطؤ.

وحين مرّ ابن الرومي في السوق، لم يرَ أعمى يستجدي على أبواب السلاطين، بل رأى حمالاً كفيفاً يطحن الهجير ويحمل أثقال الميسورين فوق رأسه. لم يجد ابن الرومي أمامه سوى أن ينحني إجلالاً لهذا الكبرياء، فكتب:

رَأَيْتُ حَمَّالاً مُبِينَ الْعَمَى … يَعْثُرُ فِي الأَكَامِ وَالأَكْتَافِ
لَمْ يَمْنَعِ الْعَمَى زَهَادَةً فِيهِ … وَلا اسْتَحْيَا مِنَ الْأَطْرَافِ
يَحْمِلُ أَثْقَالَ الْوَرَى مَابَيْنَ … شَمْسٍ فِي الهَجِيرِ وَصَافِي
فَقُلْتُ سُبْحَانَ الَّذِي يُعْطِي … رِزْقَ الْعِبَادِ بِلا اعْتِرَافِ

لكن حتى هذه الصورة يمكن أن تنقلب، إذا لم ننتبه، إلى فخ آخر.

فقد اعتدنا أن نستدعي أسماء قامات كأبي العلاء المعري، وطه حسين، والبردوني، والرافعي، وبورخيس، وهيلين كيلر، ثم نحولهم إلى «بطاقات تحفيزية» تُرفع في ورش التنمية البشرية تحت شعار: «الإعاقة لا تمنع النجاح».

يبدو الكلام جميلاً. لكنه قد يكون شكلاً آخر من أشكال التنمر الناعم.

هؤلاء لم ينيروا العالم ليكونوا مجرد «نماذج مدهشة» ترضي غرور الأصحاء. المعري لم يكن مشروعه الأدبي تعويضاً عن فقدان البصر، وطه حسين لا تختصر تجربته في كونه أديباً «تغلب على العمى». وحين نختزل كاتباً أو مفكراً أو فناناً في إعاقته، حتى لو فعلنا ذلك بنية الإعجاب، فإننا نعيده إلى المكان نفسه الذي نظن أننا أخرجناه منه: مكان «الآخر» المختلف الذي يجب أن يدهشنا كي نستحق أن نراه.

المشكلة ليست في أن نقول إن الإعاقة لا تمنع الإنجاز؛ المشكلة أن نجعل الإنجاز شرطاً لقبول الإنسان.

فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يكون ضحية ملهمة كي يستحق الاحترام، ولا إلى معجزة كي يستحق مكانه في العالم. يكفي أن يكون إنساناً.

وربما لهذا، إذا عدنا إلى صورة وسيم في بداية الحكاية، سنجد أن المشكلة لم تكن في الصورة وحدها، ولا في الذين سخروا منها، ولا حتى في الذين حملوها لاحقاً بنية التضامن. المشكلة الأعمق هي حاجتنا المستمرة إلى أن نضع الإنسان المختلف داخل صورة نعرف مسبقاً كيف نقرأها.

إن كسر عصا الأعمى في الأمثال والشاشات لم يكن مجازاً لكسر إرادته فحسب؛ كان أيضاً طريقة مريحة لتقسيم العالم إلى مبصرين ومكفوفين، وأشخاص ذوي إعاقة وأشخاص من دون إعاقة، أقوياء وضعفاء. ثم جاءت الثقافة الحديثة لتعيد إنتاج التقسيم نفسه بلغة أكثر نعومة: هذا بائس، وهذا بطل استثنائي، وهذا صاحب معجزة، وذاك انتصر على إعاقته.

تتغير اللغة، وتتغير الشاشة، وتتغير الوسائل، لكن الفكرة القديمة تستطيع دائماً أن تجد لنفسها شكلاً جديداً.

ربما لا نحتاج إلى كسر العصا بعد اليوم. يكفي أن نحول صاحبها إلى صورة، أو إلى قصة، أو إلى بطل، أو إلى ضحية.

العصا قد تنكسر.

أما ما نحتاج حقاً إلى إصلاحه، فهو العين التي لا تعرف كيف ترى الإنسان خارج الصورة التي صنعتها عنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *