مبادرة “حدائق التين” هي مشروع سوري يجمع بين البعد البيئي والإنساني لتخليد ذكرى الضحايا المدنيين والمغيبين قسرًا، عبر زراعة شجرة مثمرة باسم كل منهم. انطلقت المبادرة من إدلب وريف دمشق، ووصلت اليوم إلى داريا كأول حديقة في الغوطة الغربية. تقوم الفكرة على تحويل الشجرة إلى رمز حي للذاكرة، خاصة في ظل غياب القبور أو أماكن الوداع، حيث تصبح بمثابة “قبر حي” وشاهد صامت يستذكر من فقدوا. اختيار شجرة التين يحمل دلالة على الصمود والقدرة على النمو رغم القسوة. ولا يقتصر المشروع على الرمزية، بل يُعد فعلًا علاجيًا يساعد العائلات والمجتمع على التعبير عن الحزن واستعادة حقهم في الحداد، مع التأكيد على تخليد المدنيين الذين قُتلوا أو اختفوا ظلماً.
إعداد: ضياء الصفدي
لم يكن زفاف غيداء وأديب مجرد احتفال بعروسين يبدآن حياتهما معًا، بل كان يومًا اجتمعت فيه حكايتان طويلتان من التعليم والعمل والسعي إلى الاستقلال، لتبدآ فصلًا جديدًا عنوانه المودة والشراكة.
في ذلك اليوم، بدا الفرح حقًا طبيعيًا يليق بالجميع، وبدا الزواج تعبيرًا عن حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الحب وتكوين الأسرة وصناعة مستقبلهم، بعيدًا عن الصور النمطية التي تختصر حياتهم في حدود الجسد.
غيداء… رحلة بدأت بالتعليم
ولدت غيداء أبو فخر، الابنة الوحيدة لوالديها، بإعاقة خلقية في يديها وقدميها أثرت في قدرتها على الحركة والمشي. تنقلت خلال مراحل من حياتها باستخدام الكرسي المتحرك، واستعانت أحياناً بالعكازين.
لكن صعوبة الحركة لم تمنعها من مواصلة تعليمها وتحقيق طموحاتها. تابعت دراستها حتى حصلت على إجازة جامعية في اللغة العربية وآدابها، ثم دخلت سوق العمل، لتبني لنفسها حياة تقوم على المعرفة والاستقلال والمشاركة.
لم تكن رحلة غيداء خالية من التحديات، لكنها لم تسمح للحواجز الجسدية والاجتماعية بأن تحدد خياراتها أو تختصر صورتها. فقد آمنت بأن للإنسان الحق في أن يتعلم ويعمل ويختار شكل حياته، وأن الإعاقة لا تلغي الأحلام ولا تنتقص من القدرة على تحقيقها.
أديب… العمل طريق إلى الاستقلال
على الجانب الآخر من الحكاية، كان أديب أبو محمود، ابن قرية الدور في محافظة السويداء، يشق طريقه الخاص.
يعمل أديب في صناعة خبز الصاج، وقد جعل من العمل والاستقلال جزءًا أساسيًا من حياته. وبيديه اللتين تصنعان الخبز يوميًا، سعى إلى بناء مستقبله وتأمين مصدر رزقه، متمسكًا بحقه في أن يكون فردًا فاعلًا في أسرته ومجتمعه.
جمعت بين غيداء وأديب قيم مشتركة؛ فكما اختارت هي التعليم والعمل طريقًا للاستقلال، اختار هو أن يبني حياته بجهده وأن يصنع لنفسه مكانًا في المجتمع.
ثم التقت الطريقان.
غيداء، القادمة من قرية ريمة اللحف، وأديب، ابن قرية الدور، قررا أن يكملا الرحلة معًا، وأن يحوّلا أحلامهما بالاستقرار والحياة الكريمة إلى بيت يجمعهما.
«الفرح يليق بنا»
في قصة غيداء وأديب، لا يمثل الزواج نهاية رحلة التحديات، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على الشراكة والمودة وتحمل المسؤولية.
ويختصر العروسان رسالتهما بالقول:
«الفرح يليق بنا… من حقنا أن نعيش، وأن نبني سعادتنا وأسرتنا، وأن نساهم في بناء مجتمع ناجح».
لا يطلب هذا الكلام امتيازاً أو معاملة استثنائية، بل يؤكد حقوقاً إنسانية أساسية: الحق في الحب والزواج والعمل وتكوين الأسرة والمشاركة الكاملة في المجتمع.
فالأشخاص ذوو الإعاقة لا تُختصر حياتهم في إعاقاتهم، ولا تتحدد أحلامهم بكرسي متحرك أو عكاز. إنهم أشخاص يمتلكون خيارات وطموحات وعلاقات، ويسعون إلى بناء مستقبلهم شأنهم شأن الآخرين.
فرح شارك في صنعه المجتمع
لم يكن يوم الزفاف فرحاً شخصيًا للعروسين وحدهما، فقد ساهم متبرعون وأصدقاء ومتطوعون من الجمعية السورية للأشخاص ذوي الإعاقة الجسدية، فرع السويداء، في تجهيز العرس وإتمام المناسبة. واختار بعض المساهمين تقديم دعمهم بعيدًا عن الأضواء ومن دون ذكر أسمائهم.
شكّل هذا التعاون صورة من صور التكافل الاجتماعي، حين اجتمعت الجهود لمنح عروسين شابين بداية تليق بأحلامهما، وتحول الفرح الفردي إلى مناسبة شارك فيها الأهل والأصدقاء وأبناء المجتمع.
وتقدمت الجمعية بأصدق التهاني إلى غيداء أبو فخر وأديب أبو محمود، متمنية لهما حياة مليئة بالمحبة والاستقرار. كما أعرب رئيس مجلس إدارة الجمعية، نزار شجاع، عن أمله في أن تكون أيامهما المقبلة امتدادًا للفرح الذي جمع حولهما الأهل والأصدقاء.
ووجهت الجمعية شكرها إلى كل من ساهم في تجهيز العرس، من متبرعين وأصدقاء ومتطوعين، وإلى من قدموا دعمهم من دون أن يرغبوا في ذكر أسمائهم.
أما غيداء وأديب، فقد بدآ حياتهما المشتركة كما أراداها: بيتًا يجمع طريقين، وشراكة تقوم على المحبة والعمل، وحكاية لا تختصرها الإعاقة، بل ترويها الأحلام التي اختارا أن يحققاها معاً.
