تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

«استحبس».. سبع حبات زيتون للذين لم يعودوا

الخط

### ملخص يرصد فيلم «استحبس» تجربة شخصية للمخرج والسجين السابق المراد الديب، الذي اعتُقل مع صديقه ياسر أواخر عام 2013، واقتيد إلى الفرع 215 في دمشق. يستعيد الفيلم سنوات السجن والتعذيب والحرمان، من خلال ذاكرة شخصية تتقاطع مع ذاكرة سبعة أصدقاء لم يخرجوا من المعتقل، وقضوا تحت التعذيب. يستمد الفيلم عنوانه من العبارة التي قالها له زميله في السجن مجد الأخوان في لحظة انهيار: «استحبس، تعوّد على الحبس»، في محاولة لمساعدته على التكيف مع واقع السجن القاسي. أما العنوان الفرعي «ليت السنة كانت 364 يوماً»، فيحيل إلى أمنية صديقه ياسر لو أن يوم اعتقالهما لم يكن موجوداً. يعتمد الديب على الصورة الثابتة، والصمت، والصوت السارد، بدلاً من المشاهد الوثائقية التقليدية، ليحوّل الذاكرة إلى تجربة بصرية وسمعية. وتصبح التفاصيل الصغيرة، مثل حبات الزيتون التي يصنع منها قلادة ترمز إلى أصدقائه الذين رحلوا، وسيلة لاستعادة الغائبين. بعد خروجه، يعود المخرج إلى عائلات أصدقائه السبعة، في محاولة لاستكمال حكايتهم وحفظ ذاكرتهم. وفي النهاية، يبدو «استحبس» أكثر من شهادة عن السجن؛ إنه فيلم عن الذاكرة والنجاة والوفاء، وعن أصدقاء غابوا وبقيت حكاياتهم حاضرة.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

«استحبس» فيلم مدته 80 دقيقة، فيلم وثائقي طويل، يحكي عن تجربة ذاتية في الاستحباس، فيلم بطله وسارده السجين الحمصي المراد الديب، الذي اعتُقل مع صديقه ليلة رأس السنة. فيلم عنوانه: «استحبس»، وله عنوان فرعي: «ليت السنة كانت 364 يوماً».

وقد جاء عنوان الفيلم من حدثين اثنين. فأمام آلة القمع والوحشية والتعذيب المضني، والمعاملة اللاإنسانية في السجن، وأمام انهيار السجين في سجن يسمى الفرع 215 أو سرية المداهمة، في لحظة الاختناق، في المهجع رقم 5، حيث حشر النظام الأسدي النازي، الفاشي، الظالم، 100 سجين في المهجع الذي لا تزيد مساحته على 15 متراً مربعاً، في ذاك العتم تحت الأرض، يكاد السجين-المخرج المراد أن ينهار، لكن زميله السجين الحمصي، الشاب الجميل، مجد الأخوان، يهبه بضع كلمات يُقِمن صلبه، يقول له، شادّاً من أزره:

«استحبس، تعوّد على الحبس، بدك تنسى برا.. بدك تعيش هون وما تتوقع الطلعة.. عيش بالحبس كأنك عايش فيه للأبد حتى تقدر تتعود على المكان وظروفه الوحشية، توحّش حتى تعيش».

هكذا نجا السجين المخرج ببضع كلمات.

عن السجن والنجاة والذاكرة

أما العنوان المضاف الآخر للفيلم: «ليت السنة كانت 364 يوماً»، فهو عبارة صديقه ياسر، الذي تمنى أن تنقص السنة يوماً واحداً، هو يوم اعتقالهما في اليوم الأخير من عام 2013، حين خرجا من المعهد العالي للفنون المسرحية، وكانا يخططان للاحتفال برأس السنة.

يقول المخرج المراد عن فيلمه إنه: «يحكي قصة اعتقالنا في الفرع 215، أنا وياسر ومصطفى وعماد ورودين وفايز وقصي ومعاذ ومحمد، هي قصة ذاكرة مبعثرة مليئة بالألم، وقصة نجاة ناقصة لم تكتمل، يحكي عن السنوات التي مرت بعدها، وعن سبعة أصدقاء لم يعودوا، وعن الذاكرة».

يبدأ الفيلم برشق المشاهد بالصور ذات الزمن الطويل، والصمت الأطول الذي يقطعه صوت السارد، بطل الفيلم السجين المخرج، يحكي حكاية اعتقاله وسجنه وخروجه، يحكي معاناته الشخصية، وعن سبب اعتقاله مع صديقه ياسر، لأنهما كانا يعملان في التنسيقيات وإصدار البيانات ونقل الأخبار في فجر الثورة السورية عام 2011.

الصورة الثابتة طويلة الزمن، وصوت المراد المشحون بذكريات أليمة، أليمة، وبهدوء يتصاعد ليصبح ضجيجاً عند المتلقي. يبدأ الفيلم رتيباً، وفي حوالي 20 دقيقة يبدأ الملل المتحفز عند جمهور اعتاد الأكشن، ورؤية الدمار والخراب والدم والقتلى في أغلب الأفلام الوثائقية السورية. لكن المخرج سرعان ما يُدخل المتفرج في حالة نادرة من المشاهدة والتلقي، حين تصبح الكلمة صورة، والصورة كلمة، والصمت ليس صامتاً، كما الفراغ ليس فارغاً.

يتحدث المخرج عن لحظة اعتقاله ووضعه في سيارة بيجو ستيشن، مكبل اليدين، وخلال الطريق من ساحة الأمويين إلى كفر سوسة، حيث يوجد الفرع 215، إذ عاش لحظات مرعبة نفسياً وفقد السيطرة على نفسه. يقول عن هذه اللحظات إنها «تشبه لحظات الموت والولادة، عندما وضعوني في السيارة فقدت القدرة تماماً على السيطرة على جسمي وحواسي».

يروي السارد يوميات السجن، حفلات التعذيب، منذ حفلة الاستقبال الشنيعة إلى التعذيب الشديد أثناء التحقيق. وفي صور تتوالى على الشاشة، نرى أدوات التعذيب، من الدولاب وكلّابات الشبح، إذ يُعلَّق السجين من يديه المربوطتين إلى كلّابة حديدية متدلية من السقف، ويُرفع السجين بضعة سنتيمترات عن الأرض بحيث بالكاد يرتكز على الأرض بأطراف أصابع قدميه.

يحكي السارد عن وجبة الطعام المؤلفة من كسرة خبز وأربع حبات من الزيتون، وعن الحمام المسموح أن يدخله السجين مرة واحدة في اليوم، وعن جثة سجين يموت في المهجع ولا يخرجونها إلا في اليوم التالي. يحكي عن أصدقائه، عذاباتهم وأحلامهم وفقدهم الواحد تلو الآخر. يقول: «كان السجن يبتلعنا كل يوم».

كل هذا يجري أمام المتلقي على الشاشة، بهارموني سينمائي، بطله الحكاية والصورة والصوت المتخم بالشجن والذكريات والأسى.

سبعة أصدقاء وذاكرة لا تخرج من السجن

في لقطة جميلة من الفيلم، تبدو ثمة يد تحكّ على الأرض عجوة الزيتون، تحفّها بحركة جيبية، وبصوت الحفّ البليد الممض، وكأن الزمن يمضي هكذا في السجن. لكن هذا الملل لا يذهب هباءً، بل يعمد فيه السجين ليصنع من حبات الزيتون قلادة، أو مسبحة. المراد الديب يصنع قلادة من سبع حبات زيتون، كل حبة هي أحد أصدقائه الذين رحلوا، وحبات الزيتون-القلادة تذكرنا بلوحة ابن العم رياض الترك، الذي صنع من حبات العدس لوحة جميلة.

بعد خروج بطل الحكاية من السجن، يقوم بزيارة بيوت أصدقائه السبعة الذين رحلوا، وفاءً منه، ومواساةً لذويهم. فأصدقاؤه ليسوا مجرد رفقة عمر يمضي، ورفقة ثورة وسجن، بل هم الذين يمضون بكينونتهم، بحكاياتهم، بحبهم لبلدهم ولذويهم، وأحلامهم، وضحكاتهم ودموعهم.

بعد عرض الفيلم، جرى نقاش حميمي مع المخرج، الذي أضاء على خلفيات صناعة الفيلم من تحضيرات وتصوير وموسيقى وكتابة النص المرافق، وعن عودته من ألمانيا وتصويره السجن حيث كان وعاش هناك في زنزاناته.

وتحدث الحضور عن الأسى الذي فاض في صدورهم بتذكرهم لأهوال الحرب والفقد. واستأذن صديق ليتحدث، لكنه بعد أن بدأ بالحديث غلبته دموعه، وصار النشيج سيد لغة التعبير. فقد كان سجيناً لسنوات، ذاق فيها مرارة السجن، وسرعان ما اعتذر عن الحديث، فقد اختنقت العبارة في حلقه، وصمت مضرجاً بدموعه.

عنوان هذا الفيلم الوفاء. الوفاء لسوريا، لأن مخرج الفيلم انتمى إلى ثوار سوريا، الذين خرجوا ضد الاستبداد الأسدي، يريدون الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية.

«استحبس» فيلم عنوانه الكبير الوفاء، لأن مخرجه استذكر رفاقه الذين رافقوه في السجن ورحلوا تحت التعذيب، وكان وفياً لهم إذ ضمّن صورهم فيلمه وذكرهم بأسمائهم مرات ومرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *