تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

الزيتون والذاكرة… من البراميل إلى القطّارة: حكاية شجرة، وذاكرة ريف، وموسم لا يشبه سائر المواسم

الخط

يستعيد علي صقر في مقاله «الزيتون والذاكرة… من البراميل إلى القطّارة» حكاية شجرة الزيتون في الساحل السوري، بوصفها جزءًا من ذاكرة الريف وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية، ومرآة للتحولات التي شهدتها البلاد خلال عقود. من طفولته في ريف طرطوس، يتذكر الكاتب موسم الزيتون، وتجار الزيت القادمين من درعا، والعلاقات التي نشأت بينهم وبين أهالي القرى، وصولًا إلى زواج بعض صبايا الساحل من هؤلاء التجار. كما يستعيد عمله في قطاف الزيتون، حين كانت حباته تعني مؤونة البيت ومصاريف السنة وربما تكاليف زواج أحد الأبناء. ومع انتشار زراعة الزيتون في أواخر السبعينيات، تحولت الشجرة إلى مصدر اقتصادي مهم، لكن توسع زراعتها جاء أحيانًا على حساب الأشجار الحراجية. ثم دخلت الآلات الحديثة إلى المعاصر، وازدادت الإنتاجية، وظهرت تحديات بيئية مرتبطة بمخلفات العصر. تتداخل هذه الذكريات مع حكايات الفقد. فالحرب السورية لم تحصد البشر والأرزاق فحسب، بل أحرقت أشجارًا احتاجت عقودًا لتكبر، وقطعت علاقة عائلات بأراضيها. ويستعيد الكاتب دموعه حين اضطر إلى شراء قارورة زيت، بعدما كان الزيت يُنتج ويُباع في البراميل. في المقابل، يمثل عيد الزيتون في قرية دغريون بريف اللاذقية الشمالي محاولة لاستعادة العلاقة بالأرض. ويروي الكاتب تجربة الموسيقي والباحث في التراث مروان دريباتي، صاحب فكرة الاحتفال، الذي جعل الموسيقى والرقص ومشاركة الأطفال طقسًا سنويًا للفرح والانتماء. يمتد المقال بين حكايات الريف، وعلاقات الساحل بدرعا، وذكريات المعاصر، وأثر الحرب، ليؤكد أن الزيتون ليس مجرد محصول اقتصادي، بل ذاكرة جماعية وحكاية عائلات وأجيال. وفي النهاية، تصبح شجرة الزيتون رمزًا للعطاء الذي لا يميز بين الناس، وللأرض التي تستحق أن نحافظ عليها، ولطفولة لا يريد الكاتب أن يفقدها مرة أخرى.

منصة إرادة، علي صقر:

في نهاية الستينيات، كنت طفلًا في الخامسة من عمري، أصغر من حبّة زيتون. أما اليوم، فعندما يذهب الأطفال مع آبائهم لشراء شتلات الزيتون، يحصلون على شتلة بعمر سنة، ورغم صغرها، فإنها قد تحمل بعض الحبات.

وهكذا يكبر أطفالنا كالزيتون المعمّر، إنما من دون أن نضمن لهم عمرًا طويلًا، ولا زيتًا دسمًا.

أعود إلى ذاكرتي الزيتية، إلى ريفي البعيد عن مركز مدينة طرطوس. كان يأتي إلينا، بعد انتهاء عصر الزيتون، وضمن طرق بدائية ويدوية، رحّالة لا يشبهون رجال ضيعتي، على أحصنة وحمير لا تشبه، هي الأخرى، حمير ضيعتي!

كانوا تجار الزيت القادمين من درعا.

بعد أن يشتري التاجر الزيت بسعر متفق عليه، تبدأ حكاية أخرى. فأهالي ضيعتنا، المعروفون بالضيافة والانفتاح على الآخر، كانوا يستقبلون هؤلاء التجار في بيوتهم. وهناك نشأت علاقات بين بعض التجار وصبايا الضيعة، انتهت بعضُها بالزواج الشرعي. وكان بينهن صبايا من أقربائي، زرت بعضهن لاحقًا في درعا. وفي نهاية التسعينيات، زارني ابن عمتي القادم من درعا، أي ابن الزيت، وأخبرني عن كيفية زراعة الزيتون في درعا. أخذ عينات من زيتوننا، ثم تابع تعليمه في السودان، وتعرّف هناك إلى شؤون زراعة الزيتون وتربيته. والأهم أن درعا من أكبر مناطق إنتاج الزيتون وتصدير زيته في سوريا، وأن بين درعا وضيعتي الساحلية حكاية قديمة عنوانها الزيتون.

نعم، تعرّفت إلى الزيتون من خلال زيته، لا من خلال زراعته وتقليم أشجاره والعناية بها، ثم حصاده، أو بالأححرى «نبره»، كما نقول في لهجة الساحل. ولا أقول قطافه، كما هو شائع في مناطق سورية أخرى، وفي تونس مثلًا.

فنحن ننبر الزيتون بالعصا، وربما يعود ذلك إلى قساوة بيتنا، أو إلى قساوة الحياة التي جعلتنا نستعجل الحصاد!

في طفولتي الشقية، كان والدي يأخذنا باكرًا إلى قطاف الزيتون. وكانت مهمتي جمع الحبات ووضعها في وعاء، أو داخل بلوزتي.

مهمة شاقة لطفل صغير، يلتقط حبات الزيتون من أرض جبلية مليئة بالشوك!

ومع ذلك، بقيت تلك التفاصيل محفورة في ذاكرتي؛ رائحة التراب، وتعب الأهل، وحبات الزيتون التي كانت تعني أكثر من مجرد محصول. كانت تعني مؤونة البيت، ومصاريف السنة، وربما زواج أحد الأبناء.

أولاد عمتي… وأبناء الزيت

أعود إلى أولاد عمتي اليوم. قليل منهم بقي في درعا، فيما انتقل معظمهم إلى الخليج. من بينهم منصور، الذي جلب غراس الزيتون من ريفنا الساحلي، واستفاد من خبرات السودانيين في هذا المجال، ومنصور، كما عرفت، أصبح من كبار تجار الزيت في سوريا.

قلت له ساخرًا: «سأشتري الزيت من عندكم، لعلّي أحلّى بنصيبي بصبيّة من درعا!».

ضحكنا.

ثم اختفى منصور، واختفى معه موسم الزيتون، أو كاد، في ظل الحرب المدمرة التي حصدت الزيتون والتين، وحصدت معهما حكايات تلك البلاد وأهلها.

زيت الزيتون… بلسم الأرض ودمعة الذاكرة

صديقي هنري، الأرمني والرسام والفنان الجميل، هاجر بلدته قنية في ريف إدلب منذ عقود، وسكن مع أهله في الساحل. وقبل فترة، زار بلدته، والتقيته بعد سقوط النظام.

قال لي: «يا علي، عندي كرم زيتون وأرض مساحتها خمسة دونمات. ولأول مرة بحسّ إن زيتنا بلسم. وكونك بتشتغل بمكتب عقاري، بدّي تلاقي لي حدا يشتري الأرض، بس بشرط ما يقلع شجرات الزيتون. زيتها طيب يا علي».

عندها تذكرت أول دمعة سقطت من عيني يوم تركنا الريف وانتقلنا إلى المدينة، ويوم أهملنا أراضينا هناك. وتذكّرت أيضًا يوم طلبت من الحانوتي قارورة زيت، وحاولت شراءها، فسقطت دمعة من عيني.

نعم، نحن الذين كنا نصنع الزيت ونبيعه بالبراميل، أصبحنا نشتريه بالقطّارة! أي مفارقة هذه؟ أن تتحول علاقتنا بشجرة كانت تملأ بيوتنا خيرًا إلى علاقة مع قارورة صغيرة نحرص على ألا تنفد قبل نهاية الشهر!

ولمواسم قطاف الزيتون حكايات أخرى.

كان الشاب الذي يحب فتاة ويريد الزواج منها يقول لها: «بعد موسم الزيتون منتجوز».

وكان يقصد أنه ينتظر انتهاء الموسم، ليبيع هو ووالده الزيت، ويوفّرا ثمن البيت والزواج.

وكان الشاب يعرف، كما نعرف جميعًا، أن الزيتون سنة يثمر فيها بكثرة، وسنة يقلّ فيها المحصول. لذلك كان موسم الزواج يأتي غالبًا مع موسم العطاء، فيما يتراجع الزواج في سنوات الجفاف.

وهكذا نعيش موسمًا، وننتظر الموسم القادم، وكأن حياتنا كلها معلّقة على شجرة تعرف متى تعطي ومتى تبخل، ولا تسألنا عن حاجاتنا!

من المعاصر الحجرية إلى الآلات الحديثة

دخلت المعاصر الإيطالية الحديثة إلى عالم عصر الزيتون، لتحل تدريجيًا محل المعاصر اليدوية المتعبة، ذات الإنتاج المحدود.

كانت الطريقة القديمة تعتمد على طاحونة من الصخر البازلتي، أو من أي صخر مناسب، داخل حوض حجري. وتُربط الصخرة بوسيلة جرّ، كحمار أو بغل، أو بما يتوفر من أدوات، فتدور وتطحن حبات الزيتون.

وبعد ذلك، يُستكمل العصر وفق الطريقة المتوارثة، التي ما زالت بعض آثارها موجودة في ريف الساحل.

وكان الزيت الناتج كثيف القوام، ويُعرف باسم «زيت الخريج».

أما مع الآلات الحديثة، فقد أصبح إنتاج الزيت أكثر تنوعًا، وظهرت تصنيفات ومواصفات مختلفة، ترتبط بدرجة الحموضة وغيرها من المعايير، مثل زيت الحموضة المنخفضة والزيت البكر الممتاز.

لكن التطور الصناعي، كعادته، لا يأتي وحده؛ فهو يحمل فوائد ومشكلات في آن واحد.

فقد نتج عن عمليات العصر الحديثة مخلفات تحتاج إلى معالجة سليمة. وعندما تُسكب هذه المخلفات في الأراضي من دون معالجة، فإنها قد تؤدي إلى تلوث التربة والمياه الجوفية والينابيع.

ومن مخلفات الزيتون أيضًا نوى الثمار وبقاياها الصلبة، التي تُعالج وتُحوّل إلى ما يُعرف بالجفت، أو «التمز» بلهجة أهالي الساحل.

في إدلب وطرطوس، جرى الاستفادة من هذه المخلفات بتحويلها إلى مكعبات قابلة للاشتعال، تُستخدم في التدفئة، بدلًا من أن تبقى مجرد نفايات.

وهنا تعود بي الذاكرة إلى بداية عام 2002، عندما كنت في القاهرة للمشاركة في مؤتمر لحقوق الإنسان، ثم في مؤتمر للبيئة.

وأذكر تمامًا أن الدكتورة منى الياس حدثتنا عن مخاطر التلوث البيئي وسبل معالجته.

قالت جملة بقيت عالقة في ذاكرتي:

«يوجد معمل يهدد البيئة… كيف تعملون على إغلاقه؟».

أحببت اختصار محاضراتها في تلك الجملة، وكنت أرى أن أمثلتها تتكرر في أكثر من بلد.

وتذكرت معمل تمز الزيتون الواقع على بعد كيلومترين فقط جنوب مدينتي. كان دخان المعمل الأسود يتصاعد من مدخنته القصيرة، خلال معالجة بقايا الزيتون وتحويلها إلى تمز محمّص، يستفيد منه صغار الكسبة في التدفئة.

ومع تطور صناعة التمز، تحوّلت المخلفات إلى مكعبات تُستخدم في الأراكيل والتدفئة أيضًا، وربما تصبح يومًا بديلًا إضافيًا من بدائل الوقود التقليدي.

لكن السؤال البيئي يبقى قائمًا: كيف نستفيد من مخلفات الزيتون اقتصاديًا، من دون أن ندفع ثمن ذلك من صحة أرضنا ومياهنا؟

فليس كل ما ينتج عن الصناعة تطورًا حقيقيًا، إذا كان التطور يلوث الأرض التي نعيش عليها.

الحرب… حين صار الزيتون ضحية أخرى

ومع الثورة السورية عام 2011، وما تلاها من حروب ودمار، كان للزيتون نصيبه من الحرب الملعونة.

تعرّضت مواسم الزيتون للحرق والتخريب، في مشاهد بدا بعضها ممنهجًا، وضاعت أشجار وأرزاق وذكريات.

لم تكن الخسارة خسارة محصول فحسب؛ فالشجرة التي تحترق قد تكون زرعها جدّ، ورعاها أب، وعاش من خيراتها أبناء وأحفاد.

إنها شجرة تحتاج إلى سنوات طويلة لتكبر، وقد تحتاج إلى دقائق قليلة كي تتحول إلى رماد.

وما بين تلك الدقائق وتلك السنوات، تضيع حكاية عائلة كاملة.

عيد الزيتون… لأن الشجرة تستحق الفرح

في ريف اللاذقية الشمالي، وتحديدًا في قرية دغريون، اجتمعنا نحن ثلة من أصدقاء الزيتون، وقررنا أن نقيم عيدًا لهذه الشجرة؛ عيدًا نحتفل به ونحتفل معه.

لقد أقمنا المهرجان ثلاث سنوات، ورغم توقفنا سنتين، فإننا سنحتفل به هذا العام، وكل عام، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

إنها مناسبة للاحتفال بالزيتون، ولتذكّر علاقتنا بالأرض، والعودة إلى تفاصيل كانت يومًا جزءًا من حياتنا اليومية.

نقطف الزيتون، ونستخرج زيته، ونستفيد من ثماره ومخلفاته، ونغني ونرقص ونستعيد مواسمنا القديمة.

وهنا لا بد من العودة إلى حكاية حدثت معي شخصيًا.

كنت أعمل سائق تاكسي، فأشار إليّ بعض الشباب بالتوقف، كأنهم يطلبون النجدة. كانوا يحملون شابة في الثلاثين من عمرها، فأوقفت السيارة وركبوا معي، وانطلقت بها نحو المشفى.

فهمت ممن كانوا معها أن قدمها انكسرت وهي تنبر الزيتون.

وسمعت صوتها وهي تولول:

«يا مصيبة يا سعاد! انكسرت قدمي بآخر يوم لحصاد الزيتون! يا ريتها انكسرت بأول يوم، كنت وفّرت تعبي!».

ضحكت من وجعها، من وجع موسم الزيتون، رغم لمّته وتعبه ومشقته.

يا سعاد، رغم التعب والكسر، فإن كل شيء يهون عندما تذهبين إلى الحانوتي وتطلبين قارورة زيت، حتى لو كان عليك أن تدفعي ثمنها من مال كنت ستخصصينه لمعالجة كسرك عند الطبيب!

فأنت، عندما تعملين وتصنعين الزيت، وتستفيدين من ثمار الشجرة ومخلفاتها، تعرفين قيمة هذا الموسم أكثر من أي شخص آخر.

بين نبر الزيتون وعصره، وبين الأرض والبيت، وبين الحكاية والذاكرة، يبدأ تاريخ الساحل، أو ربما لا يبدأ إلا قبل موسم الزيتون بقليل، حين ينتظر الناس خير الشجرة.

مروان دريباتي… وصاحب فكرة عيد الزيتون

أعود إلى بداية الاحتفال بموسم قطاف الزيتون، الذي جاء بجهود مميزة من الموسيقي والباحث في التراث مروان دريباتي، ومؤسسته «البيت العربي للموسيقى» في الساحل السوري، بمشاركة عدد من الأصدقاء.

لقد اجتمعنا لإقامة عيد للزيتون، على الرغم من ندرة مثل هذه الأعياد في المنطقة الساحلية.

فهناك أعياد ومناسبات مرتبطة بثمار ومواسم أخرى، كالقوزلي، وقطاف العنب والتين والرمان. أما عيد الزيتون، بوصفه احتفالًا اجتماعيًا قائمًا بذاته، فلم يكن حاضرًا في ذاكرتنا المحلية بالشكل الذي يستحقه.

وربما ارتبطت بعض الأعياد القديمة بثمار تُخمّر وتتحول إلى شراب، بينما بقي الزيتون، على الرغم من مكانته الاقتصادية والاجتماعية، ينتظر من يحتفي به.

ولأن الفكرة تستحق أن تُروى بصوت صاحبها، أترك الكلام لمروان دريباتي، صاحب فكرة عيد الزيتون:

عيد الزيتون هو عيد الفرح بالانتماء.

عيد الزيتون هو ردّ جميل للطبيعة الأم، من دون مقابل.

هو مسحة زيت على خبز الفقراء، من شجرة يستظلون بعطائها. زرعوها مرة واحدة، فأطعمت أجيالًا.

شجرة لا يؤمّها من اعتادوا مراكز عبادة الأديان، لكنها تمنح الجميع، بلا تمييز.

الزيتون… الزيتون قصة ترويها شجرة عن التعلّق والتشبّث بالحياة، بالأرض، وبالعطاء من دون مقابل.

يسألني صديقي: لماذا عملت عيد الزيتون؟

لم أرتبك، ولم أتردد عندما أجبته: بكل بساطة، لها فضل عليّ.

أنا لست ضد الأعياد الدينية، لا الوطنية منها ولا أعياد الميلاد، ولا أي مناسبة تخلق طقسًا لفرح الإنسان وبهجته.

لكن الزيتون، بما يحمله من ذاكرة، ومواويل الوديان، والغابات، والتلال، والجروف الصخرية، وأغاني الطفولة، له مكانة خاصة في قلبي.

أتذكر «الزوّادة» التي كنا نحن الأطفال مكلّفين بإيصالها إلى أهلنا، وهم يجنون الموسم. وأتذكّر تفاصيل التفاصيل، وموسم الفرح الذي كان ينتابنا جميعًا، من الصغير إلى الكبير، وصولًا إلى المتسولين الذين كانوا يعرفون موعد جني الزيتون.

أنا مروان دريباتي، من قرية دغريون. عاشت هذه القرية، وعلّمت أبناءها، الذين طاروا أطباء ومهندسين إلى دول العالم، بفضل خيرات هذه الشجرة.

وهذا حال كثير من الأراضي السورية، من إدلب الخضراء إلى درعا والقنيطرة.

وما إن ورثت الأرض عن والدي حتى قررت أن أقيم عيدًا لهذه الشجرة، في تاريخ 11 تشرين الثاني من كل عام.

منذ خمس سنوات، كنت أدعو الأهل والأصدقاء، وخصوصًا الأطفال. أجعل الرقص والموسيقى جزءًا من الاحتفال، وأوزّع الهدايا على الأطفال من خلال مسابقات تدور جميعها حول شجرة الزيتون.

وسنة بعد سنة، صار يحلو لقلبي عهد الولدنة، وصرت أهتم أكثر، وأوسّع دائرة المدعوين، وأوزّع عليهم قناني زيت من إنتاجنا، مع الحفاظ على طقس الموسيقى والرقص والمشاركة بالطعام والشراب.

أسعى كل سنة إلى أن أُورّط الناس أكثر في عيد الزيتون، حتى أصبحت الدعوة عامة.

وكنت أركّز على الطقس المجتمعي؛ يعني اللي بدّه يحضر، لازم يحضر مع أنثى، إن شاء الله يجيب أمه أو بنته أو أخته أو امرأة من الشارع، لكي لا يتحول الاحتفال إلى طقس ذكوري فاشل.

وهكذا، سنة بعد سنة، نشعل نار الأعياد في قلوبنا، عسى ولعلّنا نكمل أعيادًا لكل أنواع الأشجار… وصولًا إلى الموز!

أخيرًا… زيتونة في الذاكرة

ربما يبدو عيد الزيتون مناسبة بسيطة، فيها موسيقى ورقص وأطفال يتسابقون للحصول على بعض المال، وربما قنينة زيت يحملونها إلى بيوتهم.

لكن خلف هذه التفاصيل الصغيرة، توجد حكاية أرض كاملة، وأجيال عاشت من خيراتها، وأناس غادروا قراهم، وأشجار احترقت، وحقول أُهملت، وأسر أصبحت تشتري بالقطّارة ما كانت تبيعه بالبراميل.

من طفولتي في ريف طرطوس، إلى أقربائي في درعا، ومن صديقي هنري في قنية، إلى مروان دريباتي واحتفاله بالزيتون، تمتد حكاية لا تختصرها مواسم الحصاد وحدها.

إنها حكاية علاقتنا بما زرعناه، وبما ورثناه، وبما تركناه خلفنا.

فالزيتونة لا تسألنا عن ديننا، ولا عن طائفتنا، ولا عن انتمائنا السياسي. لا تطلب منا بطاقة هوية كي تمنحنا ثمارها، ولا تنتظر منا خطبة كي تسقينا من خيرها.

إنها شجرة تعطي، ونحن نتعلم منها، أو يفترض أن نتعلم.

أما أنا، فما زلت أتذكّر البراميل، وأتذكّر قارورة الزيت التي اشتريتها بالقطّارة، والدمعة التي سقطت يوم أدركت أنني لم أفقد أرضًا فحسب، بل فقدت جزءًا من طفولتي.

ولذلك، سأظل أحتفل بالزيتون ما استطعت.

ليس لأن الزيتون مجرد محصول، بل لأنه ذاكرتنا التي لا نريد لها أن تُحرق، وأرضنا التي لا نريد لها أن تُهمل، وحكايتنا التي لا نريد لها أن تنتهي.

فالزيتون، في النهاية، ليس زيتًا نضعه على الخبز فقط؛ إنه تاريخ نضعه في الذاكرة، وانتماء نعيد زرعه في قلوب أطفالنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *