خلال سنوات الحرب، لم تكن المستشفيات السورية بعيدة عن العنف. دخلتها الأسلحة والأجهزة الأمنية، وتعرض بعضها للقصف، وارتبطت مستشفيات عسكرية بوقائع الاعتقال والتعذيب. وبعد سقوط النظام، بدأت المنشآت الصحية تستعيد عملها تدريجياً، لكن عودة الأطباء والممرضين إلى المناوبات لم تعنِ بالضرورة عودة الأمان إلى أماكن عملهم. خلال الأشهر الماضية، شهدت مستشفيات سورية حوادث اعتداء وتهديد طالت الكوادر الطبية، وتنوعت بين حمل السلاح داخل المشافي، والاعتداء من ذوي المرضى، وتخريب المعدات، وضرب العاملين، وصولاً إلى استهداف كوادر صحية خارج أماكن عملهم. في مشفى يوسف العظمة «601»، تحدثت طبيبة عن حادثة رفع فيها طبيب سلاحه في وجه زميله بعد خلاف حول حمله داخل المشفى. وفي مشفى الأطفال الجامعي بدمشق، تعرض الكادر للتهديد والاعتداء بعد وفاة طفل، بعدما اتهمت والدته المستشفى بالتسبب في وفاته. وفي مشفى «ميديكالز» في أعزاز، تحول الغضب بعد وفاة مريض إلى اعتداء وتخريب لمعدات طبية، فيما توفيت مريضة كانت موصولة بجهاز تنفس بعد توقف الجهاز خلال الفوضى، وفق ما أعلنت الجهات الرسمية. وفي طفس، أدى الاعتداء على ممرض مناوب إلى توقف المناوبات مؤقتاً، بينما شهد مشفى درعا الوطني حادثة اعتداء أخرى على الكادر، دفعت العاملين إلى المطالبة بمنع دخول المسلحين إلى حرم المشفى وتأمين الحماية لهم. أما في حمص، فقد تعرض عاملون في مشفى «الكندي» لإطلاق نار بعد انتهاء نوبتهم، ما أدى إلى مقتل عدد منهم. تختلف هذه الحوادث في أسبابها وتفاصيلها، لكنها تطرح مسألة واحدة حول قدرة العاملين الصحيين على أداء عملهم بأمان، وحول الحدود التي تفصل بين الشكوى والمحاسبة من جهة، والتهديد والاعتداء من جهة أخرى. فالمستشفى الذي خرج من سنوات طويلة من العنف يحتاج اليوم، إلى جانب الأدوية والأجهزة والكوادر، إلى استعادة شيء أساسي أيضاً: حرمته وأمانه.
استمع للمقال
منصة إرادة – مادلين جليس
المستشفى مكان تتغير فيه الأشياء بسرعة. يدخل إليه الناس وهم يحملون خوفاً من مرض، أو انتظاراً لنتيجة، أو أملاً بأن يخرج قريبهم من غرفة العمليات. وفي الداخل، يفترض أن تكون هناك مساحة يمكن فيها للطبيب أن يعمل وللمريض أن ينتظر.
في سوريا، حملت المستشفيات خلال سنوات الحرب أشياء كثيرة لم تكن جزءاً من وظيفتها: السلاح، الأمن، الاعتقال والقصف. وبعد سقوط النظام، كان يفترض أن تكون عودة المستشفيات إلى عملها الطبيعي واحدة من العلامات الصغيرة على أن الحياة في سوريا يمكن أن تستعيد إيقاعها.
لكن خلال الأشهر التالية، ظهرت قصص أخرى. طبيب يحمل سلاحاً داخل المشفى. أهل مريض يعتدون على كادر طبي. مجموعة تحطم معدات مستشفى. ممرض يتعرض للضرب، فتتوقف المناوبات. وعاملون صحيون يُستهدفون بعد انتهاء دوامهم.
ليست هذه القصص متشابهة، وربما لا يجمعها سبب واحد. لكنها حدثت داخل المستشفيات وحولها، وفي الطريق إليها أو منها؛ في أماكن يأتي إليها الناس وهم في أكثر لحظاتهم هشاشة، ويضعون فيها شيئاً من أملهم وثقتهم.
السلاح يدخل من باب المستشفى
«ينتهك السلاح حرمة الثوب الأبيض فيه، ليخترقها إلى جسد قطاع صحي متهاوٍ».
تقول الطبيبة «سيدرا ن» ذلك وهي تتحدث عن سلاح صار يمكن أن يظهر في مكان لا يفترض أن يكون له فيه مكان. لا تتحدث عن حاجز عسكري أو نقطة تفتيش، بل عن المستشفى.
بحسب روايتها، رأى طبيب في مشفى يوسف العظمة، أو «601» كما يسميه الناس، زميلاً له يحمل سلاحاً على خصره. طلب منه أن ينزعه. لم يمر الطلب بهدوء. ارتفع الصوت بين الاثنين، ثم رفع الطبيب سلاحه في وجه زميله وهدده بالقتل.
تتوقف سيدرا عند هذه الصورة تحديداً: طبيب بسلاح، داخل مشفى، في مواجهة طبيب آخر.
«الثوب الأبيض يمكن أن يخفي تحته أدوات للقتل بدل العلاج»، تقول.
في كانون الثاني الماضي، تعرض مشفى الأطفال الجامعي في دمشق لاعتداء من ذوي طفل توفي فيه. قال الدكتور أيمن البلخي، مدير العناية المشددة، إن والدة الطفل اتهمت المستشفى بالتسبب في وفاته، وإن مجموعة من المرافقين اعتدت على الكادر وهددته، كما تعرض مكتب مديرة المستشفى للاعتداء.
كان الطفل مصاباً بكورونا ويعاني من مشكلات طبية معروفة، بحسب البلخي. لكن ذلك لم يكن كافياً لإقناع والدته بسبب الوفاة.
يقول طبيب مقيم في مشفى الأطفال إن أسباب التوتر كثيرة، منها نقص الأدوية والاختبارات وفترات الانتظار الطويلة والفوضى الإدارية، لكنه يرى أن أياً منها لا يبرر الاعتداء على الكادر. ويعزو جانباً من تزايد هذه الحوادث إلى انتشار السلاح وثقافة العنف، وإلى ما يصفه بتراخي الإجراءات الرادعة.
«ما يحدث في المستشفيات يأتي من أماكن مختلفة: غضب عائلة فقدت شخصاً، سلاح يحمله شخص إلى مكان العمل، خلاف يتحول إلى تهديد، أو نفوذ يجعل بعض الموجودين يشعرون بأنهم يستطيعون فعل ما لا يستطيع غيرهم فعله. في الحالات جميعها هناك أشخاص يشعرون أنهم فوق القانون أو أنهم لن يحاسبوا».
حين تتوقف المناوبة
في أعزاز، اتخذت حادثة أخرى شكلاً أكثر فوضى.
بعد وفاة رجل في العقد السابع كان يعاني من سرطان كلوي منتشر، دخلت مجموعة من الأشخاص إلى مشفى «ميديكالز». قالت إدارة المشفى إن المجموعة اعتدت على الكادر وكسرت معدات وأثاثاً.
وسط الشغب، كانت مريضة موجودة في العناية المشددة وموصولة بجهاز تنفس. بعد الاعتداء، توقف الجهاز، وتوفيت المريضة، بحسب ما أعلنت الجهات الرسمية التي فتحت تحقيقاً في الحادثة.
في طفس، تعرض ممرض مناوب للضرب داخل المشفى على يد مجموعة من المراجعين. بعدها أعلن المشفى إيقاف المناوبات إلى حين تأمين حماية للكادر.
يقول موظف في وزارة الصحة إن حادثة طفس أثارت ضجة بعدما انتشر خبر «إيقاف المناوبات» على صفحات التواصل الاجتماعي، لكنها لم تكن الأولى ولا الأخيرة. ويضيف أن مطالبات الكوادر الطبية بالحماية أصبحت أمراً متكرراً في الاتصالات اليومية بين المشافي العامة ووزارة الصحة.
وقبل أيام، طالب العاملون في مشفى درعا الوطني بمنع دخول الأشخاص المسلحين إلى حرم المشفى وتوفير الحماية لهم، في أعقاب حادثة اعتداء على الكادر الطبي.
وكان تسجيل من كاميرات المراقبة، انتشر في 22 آب، أظهر مجموعة من الأشخاص داخل أحد مشافي درعا وهم يعتدون على أفراد من الكادر الطبي. وظهر في التسجيل أيضاً عناصر أمنية وعسكرية. وتحدثت روايات محلية عن صلات عائلية ونفوذ أمني مرتبط ببعض المشاركين.
قبل ذلك بأشهر، كان الخطر قد تجاوز التعدي إلى القتل، عندما كان خمسة أشخاص، بينهم أربعة من العاملين في في مشفى «الكندي» في حمص وسائق سيارة أجرة، يغادرون المنطقة المحيطة بالمشفى. تعرضت السيارة لإطلاق نار من مسلحين، فقُتل ثلاثة من العاملين والسائق، بحسب ما نقلته مصادر محلية، فيما نجا الشخص الخامس.
مستشفيات خرجت من الحرب… لكن الحرب لم تخرج كلها منها
يصعب فهم هذه الوقائع من دون النظر إلى التاريخ الذي حملته المؤسسات الصحية السورية. فالمستشفى السوري لم يكن دائماً مساحة مدنية مستقلة عن العنف. وثقت منظمات حقوقية، خلال سنوات حكم النظام السابق، استخدام مستشفيات عسكرية مثل 601 وتشرين وحرستا في التعامل مع جثامين معتقلين، كما وثقت شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة داخل مستشفيات عسكرية.
تلك كانت صورة مرعبة للعنف الطبي: دولة وأجهزة أمنية ومؤسسات عسكرية تستخدم المرفق الطبي ضمن منظومة القمع. أما المشهد الحالي فيبدو أكثر تشتتاً حتى لو كان أقل عنفاً.
لم يعد السلاح مرتبطاً فقط بمؤسسة أمنية فقط، السلاح الذي يظهر اليوم في المستشفى لا يأتي دائماً من الجهة نفسها. قد يكون مع فرد، أو مرافق مريض، أو عنصر أمني، أو شخص آخر دخل إلى المكان. وأحياناً لا يكون السلاح نفسه هو المشكلة الوحيدة، بل الشعور بأن حامله يستطيع استخدامه أو أن وجوده يمنحه سلطة إضافية.
من يحمي الثوب الأبيض؟
لا تقول هذه الحوادث إن كل المستشفيات السورية تحولت إلى أماكن عنف، ولا إن كل المراجعين أو ذوي المرضى يحملون السلاح أو يعتدون على الأطباء.
لكنها تذكرنا بجملة عامية كان يقولها السوريين “المشافي إلها حرمتها”.
اليوم، هناك سلاح يمكن أن يدخل إلى المكان، وغضب يمكن أن يتحول إلى اعتداء، ونفوذ يمكن أن يتدخل، وكادر يمكن أن يقرر أنه غير مستعد للعمل إذا لم تتوفر له الحماية. والسؤال الذي يعرف الجميع إجابته، من تقع عليه هذه المسؤولية؟
المستشفى لا يحتاج إلى أن يكون خالياً من الخلافات حتى يكون آمناً. يحتاج فقط إلى أن يعرف كل من بداخله أن الخلاف لن يحسم بالسلاح أو الضرب أو التهديد، وأن هناك جهة قادرة على التدخل عندما يتجاوز أحدهم حدود القانون.
