تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

اسمي سليمان، وهذه حكايتي: الشهادة على الحائط… والطريق الذي لم ينتهِ

الخط

ولد سليمان جرجس سليمان عام 2000 في قرية بديرة بريف طرطوس، مع إعاقة حركية تتمثل بشلل في الأطراف السفلية. منذ طفولته، كان عليه أن يواجه صعوبات في الحركة والوصول إلى المدرسة، التي لم تكن مهيأة لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة. كانت والدته تحمله إلى الصف، ثم أصبح يستخدم كرسيًا متحركًا، لكن الأمطار والطرق الوعرة في الشتاء كانت تجعله مضطرًا إلى استخدام سيارة خاصة للوصول إلى مدرسته. ولتأمين نفقات الدراسة والنقل، افتحت أسرته دكانة صغيرة داخل المدرسة. عندما التحق سليمان بكلية الآداب في جامعة طرطوس لدراسة الأدب العربي، واجه تحديات جديدة، أبرزها بُعد قريته أكثر من عشرين كيلومترًا عن المدينة، وارتفاع تكاليف النقل، وعدم ملاءمة مباني الجامعة لوضعه. تقدمت والدته بطلب لإعفائه من الدوام، فوافقت إدارة الكلية، وأصبح يحضر الامتحانات فقط، بينما كان يرسل حلقات البحث مع والدته. أتاحت له هذه التسهيلات مواصلة دراسته، ورسخت لديه قناعة بأن عدم القدرة على الحضور لا تعني عدم القدرة على التعلم والنجاح. في عام 2021، توفي والده، الذي كان سند الأسرة ومصدر دخلها الأساسي. وجد سليمان وأسرته أنفسهم أمام ظروف مادية ونفسية صعبة، فيما تولى شقيقه العمل والإنفاق على الأسرة. ورغم امتلاكه أسبابًا كثيرة للتوقف، واصل سليمان دراسته، مدفوعًا بوعد قطعه لوالده الذي كان يردد له: «انجح، بدي ضل رافع راسي فيك». بعد سنوات من الصبر، تخرج سليمان في الأدب العربي. وفي لحظة إعلان نجاحه، بحث عن والده الذي تمنى أن يكون حاضرًا ليشهد وفاءه بوعده، لكنه وجد والدته إلى جانبه. إلى جانب دراسته، وجد سليمان في الرسم مساحة للتعبير والراحة. واليوم، بعد التخرج، يحلم بالحصول على فرصة للعمل مدرسًا للغة العربية. لا يريد وظيفة بدافع الشفقة، بل فرصة عادلة تمكنه من أن يكون منتجًا ومستقلًا ويعيش بكرامة. قصته، كما يراها، ليست قصة استسلام للظروف، بل رحلة طويلة لإثبات أن الإعاقة لا تلغي القدرة على التعلم والعمل وتحقيق الأحلام.

منصة إرادة- مياس سلمان

في اليوم الذي صدرت فيه نتيجة آخر مادة جامعية، لم يستطع سليمان جرجس سليمان منع نفسه من البكاء. قرأ كلمة «ناجح»، وشعر أن سنوات طويلة من الصبر والانتظار انتهت أخيرًا. بحث بعينيه عن أبيه، وتمنى لو كان حاضرًا ليعرف أنه وفى بالوعد الذي قطعه له.

لكنه لم يكن هناك.

اليوم، أصبحت على الحائط شهادة جامعية، فيما ينتظر سليمان فرصة العمل مدرسًا للغة العربية. يريد أن يجد مكانًا لشهادته وتعبه، وألا تبقى، كما يقول، «ورقة على الحائط».

«لا أريد الوظيفة شفقة، ولا أريد وظيفة لأنني شخص لديه إعاقة، بل أريد فرصة كخريج يستطيع العمل مدرسًا للغة العربية، أن أكون شخصًا منتجًا وفردًا مستقلًا ماديًا يعيش بكرامة».

تخرج سليمان من كلية الآداب في جامعة طرطوس، قسم الأدب العربي، بعد سنوات لم يكن الوصول فيها إلى المدرسة والجامعة، أو الاستمرار في الدراسة، أمرًا بسيطًا. لكن الطريق الذي قطعه لم يكن متعلقًا بالتعليم وحده؛ فقد كانت الحركة والتنقل والوصول إلى الأماكن جزءًا من تحدياته اليومية.

أمي التي كانت تحملني وتحمل حلمي

ولد سليمان عام 2000 في قرية بديرة في ريف طرطوس. منذ ولادته يعيش مع إعاقة حركية تتمثل بشلل في الأطراف السفلية، جعلت الحركة بالنسبة إليه أمرًا يحتاج إلى جهد ومساعدة ووقت.

في المدرسة، كان الوصول إلى الصف أول امتحان. لم تكن المدرسة مجهزة لاستقباله، وكانت الحركة أصعب ما يواجهه. كانت أمه تحمله بجسدها حتى يصل إلى الصف. لاحقًا، عندما أصبح لديه كرسي متحرك، بدأ يستخدمه وسيلة للتنقل إلى المدرسة، لكنه اكتشف أن الكرسي لا يعني دائمًا الاستقلال.

في الشتاء، كانت الأمطار الغزيرة والطرقات الوعرة تجعل استخدامه صعبًا. وأمام الأدراج كان الكرسي يتحول إلى عائق آخر. يقول سليمان: «كنت أشعر مع الكرسي بالخيبة. نقف معًا، نحتاج من يحملنا، فيصبح أحيانًا عبئًا ثقيلًا لا مساعدًا».

أما الحرب فلم تكن جزءًا مباشرًا من قصة سليمان. لم يحمل سلاحًا، ولم يعد من جبهة بإصابة، ولم يفقد أحدًا من أسرته بسبب القتال. يقول إن دائرة المقربين منه لم تكن طرفًا مباشرًا في الحرب. لكن الحرب حضرت في حياته من مكان آخر: في أسعار الوقود، وأجور النقل، وفرص العمل، وفي حياة أسرته التي أصبح عليها أن تبحث عن طرق إضافية لتأمين احتياجاته.

في تلك الفترة، كان والداه يحاولان تأمين كل ما يلزمه هو وأخوه، حتى فتحا دكانة صغيرة داخل المدرسة لتأمين مصروف الدراسة وأجرة السيارة وبقية الاحتياجات. لم تكن الحياة مرفهة، كما يقول سليمان، «ولم يكن الطريق ممهّدًا».

طريق آخر إلى الجامعة

البحر قريب من بيت سليمان. قريب إلى درجة أنه جزء من يوميات القرية وحياة شبابها؛ السباحة والصيد من الأشياء التي تبدو طبيعية في مكان كهذا. لكن سليمان يعرف البحر بطريقة مختلفة. يمكن أن يكون قريبًا منه، من دون أن يكون قادرًا على الوصول إليه.

هكذا ستصبح للمسافة تعريفات آخرى في حياة من يعيشون على الكراسي. أحيانًا يكون المكان على مرمى النظر، لكن الوصول إليه هو المسافة الحقيقية. ومثل المسافة إلى البحر، ستصبح العلاقة مع الجامعة.

فعندما قرر سليمان دراسة الأدب العربي في جامعة طرطوس، كان التساؤل الأول عن كيفية قطع عشرين كيلومترًا من بيته إلى المدينة، مسافة بسيطة بالمقاييس العادية تكاد تصبح ضوئية عندما تقاس بإمكانية الوصول. أجرة سيارة الأجرة الخاصة إلى الجامعة  ستكون عبئًا ماديًا كبيرًا. بناء الجامعة غير مناسب لوضعه، وإيجاد منزل للإيجار قريبًا منها كان شبه مستحيل.

وافقت عمادة الكلية على إعفائه من الحضور، وأصبح حضوره مقتصرًا على فترة الامتحانات، بينما كان يرسل حلقات البحث مع والدته.

يتذكر هذه المرحلة بتقدير لإدارة الجامعة والأساتذة الذين تعاونوا معه. «ربما كانت هذه التسهيلات بالنسبة للبعض مجرد إجراءات بسيطة، لكن بالنسبة لي كانت تعني الكثير. كانت تعني أن هناك من رأى الإنسان قبل أن يرى الإعاقة، وفهم أن عدم قدرتي على الحضور اليومي لا يعني عدم قدرتي على الدراسة».

حين غاب الأب

في أيار عام 2021، توفي والده. كانوا يحتفلون بعيد الفصح عندما وصلهم الخبر. يتذكر سليمان ذلك اليوم جيدًا. لم يكن فقدان أبيه فقدان شخص يحبه فقط، بل فقدان «أكبر داعم وسند»، كما يصفه، الشخص الذي كان يريد لابنه أن يقوى ويصبح ناجحًا.

فجأة، وجدت الأسرة نفسها أمام سؤال لم تكن مستعدة له: كيف ستكمل حياتها بدونه؟

كانت والدته ربة منزل، وكان دخل الأسرة يعتمد على راتب الأب. أما أخوه الوحيد، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا، فبدأ العمل فوراً. يقول سليمان: «أصبح أخي عكاز البيت والمسؤول عن الصرف، فلم يكن لديه خيار آخر حتى يبقى البيت صامدًا. فهو بالنسبة لي أكبر من مجرد أخ».

كان بإمكان سليمان أن يتوقف. إعاقة حركية، وصعوبة في التنقل، وفاة الأب، ظروف مادية صعبة، ودراسة امتدت لسنوات. لكنه لم يتوقف.

كان قد وعد والده أن ينجح. والده لم يكن متعلمًا، لكنه كان يكرر له: «انجح، بدي ضل رافع راسي فيك».

يقول: «لم أكن أعرف وقتها كم سيكون تحقيق هذا الوعد صعبًا، لكنني عرفت شيئًا واحدًا: إذا كان أبي زرع هذا الحلم داخل قلبي، فسأصل لحلمي مهما طال الانتظار».

وأخيرًا... ناجح

عندما صدرت نتيجة آخر مادة، قرأ سليمان كلمة «ناجح» ولم يستطع منع نفسه من البكاء. انتهت سنوات من الصبر والانتظار، سنوات واجه فيها تفاصيل وصعوبات ربما لم ينتبه إليها أحد.

في تلك اللحظة بحث بعينيه عن أبيه. كان يتمنى أن يكون الشخص الوحيد الموجود إلى جانبه ليعرف أنه وفى بالوعد. لكن أمه كانت هناك.

رأى في عينيها فرحة يعرف كم دفعت ثمنها من صحتها وعافيتها. بالنسبة إليه، لم يكن التخرج نجاحه وحده، بل نجاح عائلة كاملة ناضلت حتى يتحقق.

ورقة وقلم

يصف سليمان نفسه بأنه شخص حذر، يضع حدودًا في تعامله مع الآخرين، ولا يحب التحدث عن كل ما يخصه حتى أمام أقرب المقربين، كذلك فإن الأسئلة الفضولية عن إعاقته وطريقة تعامله معها لا يحبها. 

ربما لهذا، وجد سليمان في الرسم مساحة مختلفة. بدأ الرسم بعد البكالوريا برسومات بسيطة لشغل وقت الفراغ، ثم بدأ يرسم الشخصيات والوجوه. يقول إنه يشعر من خلال الرسم بأنه قادر على التعبير أكثر من أي موضوع آخر.

ومع الوقت أصبح الرسم بالنسبة إليه مساحة للراحة، خصوصًا حين يستمع إلى الموسيقى.

«الرسم يأخذني ولو لفترة قصيرة إلى مكان لا توجد به طرق صعبة ولا أجور نقل ولا أسئلة عن المستقبل… مجرد ورقة وقلم وأنا».

لكن تلك المساحة لا تلغي السؤال الذي ينتظره بعد التخرج.

ماذا بعد؟

يريد سليمان أن يعمل مدرسًا للغة العربية. ينتظر مسابقة أو تعيينًا، ويريد أن يجد مكانًا لشهادته التي تعب من أجلها.

لا يريد أن تكون إعاقته سببًا في حصوله على وظيفة، ولا أن تكون سببًا في حرمانه منها.

يريد فقط أن يُنظر إليه كخريج يستطيع العمل.

فبعد أن قطع كل ذلك الطريق إلى الجامعة، ثم إلى الشهادة، يبدو أن أمام سليمان طريقًا آخر لم يبدأ بعد: طريق الاستقلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *