تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

من ينقب سقف بيتك، يا مادونا؟

إعداد: عبد الكريم عمرين

الخط

تروي المقالة حكاية مادونا، الشابة التي أصيبت منذ ولادتها بشلل جزئي نتيجة نقص الأكسجة، لكنها لم تسمح لإعاقتها أن تحدد مسار حياتها. بدعم أسرتها وإرادتها القوية، تابعت دراستها حتى الجامعة، وعملت في الترجمة وكتابة قصص الأطفال والتطوع وتدريب الآخرين. تكشف مادونا في حديثها عن وعي عميق وإيمان بالمحبة والقبول والصبر، كما تعمل على كتابة رواية عن تجربتها الشخصية. ويختتم الكاتب قصتها باستحضار قصة شفاء المفلوج في الإنجيل، متسائلًا: «فمن ينقب سقف بيتك، يا مادونا؟» في إشارة إلى أهمية من يساند الإنسان ويفتح أمامه طريقًا لتجاوز العوائق.

حين دخلنا بيت السيد أبو ميشيل، والد مادونا، استقبلنا مع زوجته السيدة أم ميشيل. كانت مادونا تجلس على مقعد مزدوج يبدو أنه مخصص لها، وكانت متحمسة لبدء حوارنا معها.

بيت يحتوي مادونا، بيت دافئ، طيب، تزهو فيه الملائكة وتحفّ بمادونا. تستطيع أن ترى حول رأس مادونا هالة من نور تمامًا كما ترى القديسين في أيقوناتهم، أو كما ترى صورة السيدة العذراء، أو السيد المسيح. ومادونا اسم جميل ومميز جدًا، أصله إيطالي، ومعناه: سيدتنا أو السيدة العظيمة. كان يُستخدم قديمًا للدلالة على الاحترام والتقدير للسيدة العذراء، ويرمز للمفاهيم التالية: النقاء والطهارة، القوة مع الرقة، الشخصية المميزة والراقية، المحبة والحنان.

نقص الأكسجة اللعين فعل ما فعله بمادونا منذ ولادتها، خرّب جزءًا من خلاياها الدماغية، فأصابها بالشلل في جزء من جسدها الغضّ. لم يبخل أبو ميشيل في أن يقدم لابنته البكر كل ما يستطيع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إصابتها، ولم يُوهِن مرض مادونا عزيمة أم ميشيل، المرأة الصابرة القوية، بل زاد مرض مادونا الأمَّ حنانًا وصلابة ووعيًا وقوة ورقة في التعامل مع مادونا طفلةً ومراهقةً وصبيةً.

ومادونا، تلك الروح البريئة العطرة، لم تستسلم لشللها. دخلت المدرسة ثم الجامعة، فدرست الأدب الإنكليزي

تندهش حقًا إذ تتحدث مادونا عن نفسها بكل قوة وثقة ووعي، فتبدأ محاورتك، فتقول لك: جوهر الدين المسيحي المحبة، والأديان كلها تدعو الناس للخير والمحبة. أعرف مرضي وأتقبله من الرب، وكما علمني الرب القبول والصبر، علمني، بل ساعدني، لأتعلم وأكون قوية. فأنا متطوعة في دير الآباء اليسوعيين، وأعمل في دير المخلص في تدريب الآخرين، مع ثمانية أصدقاء وصديقات هم مثلي، وأنا أعمل مترجمة، أترجم الأفلام إلى العربية، وأكتب قصصًا للأطفال مع الرسوم.

وأسألها: طيب مادونا، ألم تفكري أن تكتبي عن نفسك؟ هذا الغنى والدفء في قلبك وعقلك الواعي يستحقان أن تكتبي عنهما. فتبتسم بثقة: أنا أكتب رواية عن نفسي، وتطلعني عبر جوالها على بعض ما كتبت، فأستأذنها أن أقتبس بعض المقاطع، فتفرح بجلالة، وتقول بفرح: طبعًا أسمح لك، لكني مهمومة إذ يذهب بعض وقتي في التفكير في نشر روايتي حين أنتهي. لا أعرف كيفية النشر، فأعد بمساعدتها حين تنجز روايتها.

تسألني عن فادي، فأحدثها عنه، فهو يكبرها بسنتين، وأمزح معها، فأقول: يلا بدنا نزوجكم لبعض. فتبتسم فرحًا مكتومًا، وتقول: سلم لي ع فادي. فأرد وأتقصد أن أذكر اسمها: طبعًا سأقول لفادي: مادونا بتسلم عليك.

يا رب الملكوت، من لا يعرف معوّقًا لا يعرف نفسه، من لا يحاور صاحب إرادة لا يعرف مكنونات النفس البشرية، من لا يعيش مع أحد أصحاب الهمم لا يكون إنسانًا تامًا تامًا.. سينقصه نفحات هذه الأرواح العظيمة. تقف منبهرًا أمام جبروت وإرادة أصحاب الهمم، وتغوص في عوالمهم البريئة وعطائهم الذي لا يعرف سمتًا له سوى الحب.

مادونا يا ابنتي.. يا صديقتي: شكرًا لك ولأمثالك لأنكم بيننا، لأنكم في هذا العالم، فبكم يتوازن الكون وينهمر الضياء.

 

كان السيد المسيح يعظ في أحد البيوت بمدينة كفرناحوم، واجتمع حوله جمع غفير حتى لم يعد هناك مكان لأحد، ولا حتى عند الباب. جاء أربعة رجال يحملون صديقهم المصاب بالشلل على فراشه، ولم يقدروا أن يدخلوا به بسبب الزحام. صعد الأصدقاء إلى سطح البيت، وقاموا بفك ونقب السقف (الذي كان بسيطًا ومصنوعًا من الأخشاب والطين)، ودلّوا السرير والمريض من فوق ليوضع أمام يسوع. عندما رأى يسوع إيمانهم الكبير، قال للمفلوج: "يا بنيّ، مغفورة لك خطاياك". تذمر بعض الكتبة في قلوبهم، متسائلين كيف يقدر أن يغفر الخطايا، فأراهم يسوع سلطانه الإلهي. قال للمفلوج: "قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك"، فقام الرجل وخرج أمام الجميع، مما جعل الناس يندهشون.

فمن ينقب سقف بيتك يا مادونا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *