تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

قصيرتان في مدينة طويلة: هند وأمل وجندي الحاجز

الخط

افي أحد مراكز النزوح بمدينة حمص، تخرج الشقيقتان أمل وهند متكئتين على بعضهما. تنتمي كلتاهما إلى فئة الأقزام، لكن المرض والوهن يجعلان هند أكثر هشاشة، بينما تحاول أمل أن تخفي قلقها بالسخرية والصلابة. يجلس رجال أنهكتهم الحرب على شرفة المركز، يراقبون المشهد بصمت ثقيل، وقد سلبتهم سنوات العنف القدرة على الدهشة. وسط أحاديث عابرة وقذائف تتساقط في الأحياء المجاورة، ينكشف حلم هند البسيط: الزواج. كل ما تستند إليه في هذا الحلم كلمة قالها لها جندي على أحد الحواجز: «الله يبعت لك ابن الحلال». تتمسك هند بهذه العبارة بوصفها آخر ما بقي لها من اعتراف بإنسانيتها، بينما تصر أمل على أن الجندي لم يكن سوى ساخر أو مخادع، وأن الحرب لا تمنح أحداً وعوداً مجانية. بالتوازي، يرسم النص صورة أخرى لعلاقات القوة داخل مركز النزوح، من خلال مدير يستغل سلطته في ملاحقة إحدى النازحات، كاشفاً كيف تمتد أشكال الاستغلال إلى أكثر الأماكن التي يُفترض أن توفر الحماية. وفي لحظة يائسة، تقرر هند الذهاب إلى الحاجز لتصارح الجندي بحبها. لكن رحلتها تنتهي بصورة مأساوية؛ إذ يسخر منها الجنود، ثم تُقتاد إلى أحد الفروع الأمنية، لتختفي من دون أن يُعرف مصيرها. أما الرجال، فيعود كل منهم إلى غرفته، بينما تستمر القذائف في السقوط، وكأن الحرب تبتلع الأحلام الصغيرة كما تبتلع البشر. تقدم القصة صورة موجعة عن النزوح السوري، حيث يصبح الحب حلماً مستحيلاً، وتتحول كلمة عابرة إلى أمل أخير، قبل أن تبتلعه آلة الحرب بلا أثر.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين:

من باب مركز النزوح في حمص خرجتَا؛ هند المريضة تستند إلى أختها أمل. كانت غاضبة، بوجه شمعي أصفر وعينين صغيرتين، وتخطو واهنة الجسد، بينما كانت أمل مشدودة الظهر، ممسكةً بهند من تحت إبطها. ومن بعيد، لا يكاد المرء يلاحظ أي فرق في بنيتهما الجسدية؛ فهند وأمل تنتميان إلى فئة الأقزام من خلق الله، وتلبسان اللباس نفسه، والألوان نفسها، والأحذية نفسها، وتسريحة الشعر ذاتها، رغم أن فارقاً بسيطاً يظهر لمن يمعن النظر؛ فشعر أمل أكثر خشونة قليلاً من شعر هند.

كنّا رهطاً من الرجال نجلس على شرفة واطئة؛ رجالٌ كادوا أن ينسوا رجولتهم، يراقبون بكسل فتاتين عانستين قزمتين تخرجان من مركز النزوح. فتاتان قصيرتان جداً تتشبثان بأمل يابس، بل بآمال يابسة؛ أحدها أن تنتهي الحرب، وتعودا إلى بيتهما في حي البياضة بحمص، الحي الذي تهدمت كل البيوت فيه، أو كادت، بسبب قصف النظام الشرس، ومعارك المعارضة المسلحة من أبنائه وأبناء الأحياء المجاورة.

حي البياضة

مسح مشرف المركز صلعته الجميلة، وصرخ بكسل وتراخٍ:

– إلى أين يا مُيسّر؟
التفتت الفتاتان إلى الصوت الكسول، إلى رهط الرجال الذين فقدوا ظلهم.

قالت أمل، الصغرى، شاكيةً من أمراض هند:

– عاملة حالها مريضة.
ثم سخرت من حلم أختها بالزواج:

– بدها تتزوج الجندي اللي عالحاجز.
ثم خاطبت مدير المركز، الذي بدأ يهرش صلعته مطرق الرأس:

– لوين يعني رايحين؟ إلى المركز الصحي.
ثم التفتت إلينا وقالت:

– تصوروا يا رجال، أقصر مني بثلاثة سنتيمترات، وأكبر مني بثلاث سنوات، وتعشق جندي الحاجز الأهبل.
انتفضت هند، وكادت تقع. أرغدت وأزبدت، ثم انفجرت بصوت أخنف:

– الأمراض من الله، والشافي هو الله. أقصر منك؟ انظروا واسمعوا: طولي واحد وثمانون سنطاً، وطولها اثنان وثمانون سنطاً، فكيف أصبح الفرق ثلاثة سنطات؟
وشدت قامتها قليلاً بصعوبة، ثم ابتسمت ابتسامة ذابلة واهنة، وقالت:

– جندي الحاجز قال لي: «الله يبعت لك ابن الحلال». منذ نزحنا من حي البياضة لم أسمع كلاماً جميلاً.
ثم استجدتنا، نحن الرجال الباقين، الهاربين من الموت والخطف، وسألتنا:

– ألستُ إنسانة تستحق الحياة والزواج؟
دوّت قذائف سقطت في حي الوعر القريب، وتبعتها زخات الشيلكا.

حدّقت أمل في وجه هند بغضب، وصرخت:

– يا هبلة، جندي الحاجز كان يقصد بابن الحلال عزرائيل! لن آخذك إلى الطبيب. دعي الجندي يأخذك إليه، الجندي الكذاب الذي لطش من محفظتك علبة الدخان، يا هبلة.
غابت أمل عائدة إلى غرفتها في مركز النزوح، وبقيت هند وحيدة، متعبة، متكئة على الجدار، بينما كان الرجال الذين لا ظل لهم يختلفون في تحديد أماكن سقوط القذائف على الوعر، ويبسملون ويحوقلون. أما هند فكانت تنتظر أن ينطقوا بأحكامهم في مسألة ابن الحلال الذي سيأتيها.

دخلت هيام إلى المركز. هيام الجميلة، بخدود متوردة، ومشية تنثني فيها فتخلع عقول الرجال من مرقدها.

قالت بهدوء وغنج مصطنع:

– مساء الخير.
نظر الرجال إليها نظرة حيادية تماماً، سوى مدير المركز الستيني، صاحب الصلعة المميزة، الذي انتعش فجأة وأشرق وجهه، ونزل سريعاً من الشرفة الواطئة حتى كاد أن يتعثر بالدرجات السبع، ولحق بهيام.

وقف قبالتها بعينين ذئبيتين، وطلب منها برجاء أن ترسل له، عبر الواتساب، صورها وهي ترتدي هديته لها من الألبسة الداخلية الفاقعة الألوان، ثم قال:

– أرسلت لك فروجاً طازجاً، حصتك مثل كل الغرف الأخرى، ولكن لك عندي فروج آخر… لك وحدك، حتى تعرفي مقدار حبي لك.
ابتسمت هيام بخفر الفتيات المصطنع، وعبرت له بنظرة أنثوية جداً عن امتنانها.

وفجأة باغتها سؤاله:

– أين كنت؟ ومع من؟
وقفت هيام حائرة، تتأمل وجه المدير، الذي كان يلبس قميصاً مشجراً على غير عادته، وهي تفكر في إجابة تقنعه بأنها كانت عند قريبة لها أصابها احتشاء دماغي في الليلة الماضية. لكن، فجأة، علا صراخ أولادها من نافذة غرفتها، فانسلّت راكضة.

مشت هند متكئة على الجدران، وعزمت أن تذهب إلى الحاجز لتصرّح للجندي بحبها. لكنها، وبعد جهد جهيد، وحين وصلت إلى الحاجز وسألت عن حبيبها الجندي، ضحك الجنود جميعاً ساخرين منها، وطلبوا هويتها. ثم جاءت سيارة نقلتها إلى فرع الأمن القريب، ولم يُعرف مصيرها أبداً.

أما الرجال الواجمون، الذين طحنتهم الحرب، فانسحب كل منهم إلى غرفته في مركز النزوح، فيما علا من جديد صوت القذائف المتساقطة على حي الوعر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *