في عيد العمال العالمي، يُحتفى بالعمل كحق أساسي، لكن هذا الحق يبدو بعيد المنال بالنسبة لكثير من الخريجين من ذوي الإعاقة في سوريا. تشير تقديرات الأمم المتحدة والشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025 إلى أن ما بين 17% و28% من السكان في بعض المناطق يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة، أي أكثر من 2.6 مليون شخص، ما يجعل قضية دمجهم في سوق العمل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً واسع النطاق. قصة غفران أحمد تعكس هذا الواقع. وُلدت دون يدين في ريف صافيتا، وتعلمت الكتابة بقدمها منذ الصغر، وتفوقت دراسياً حتى تخرجت عام 2025 من كلية الهندسة التقنية – اختصاص الطاقات المتجددة. رغم إنجازها، لا تزال تنتظر فرصة عمل بعد أن تقدمت بطلب توظيف رسمي، لتبقى شهادتها معلّقة بين الطموح والواقع. محمد إبراهيم، شاب من ذوي الإعاقة البصرية الجزئية، واجه مساراً مختلفاً لكنه ينتهي إلى النتيجة ذاتها. بعد سبع سنوات من العمل بعقد سنوي في القطاع العام، تم إنهاء عقده عام 2025. رغم حصوله على شهادة جامعية، يعمل اليوم في منشرة خشب، في غياب فرص تناسب مؤهلاته. قانونياً، ينص التشريع السوري على تخصيص نسبة توظيف للأشخاص ذوي الإعاقة، إلا أن ضعف التطبيق وغياب البيانات الدقيقة يحدّان من أثره. كما أن البيئة غير المهيأة في المؤسسات تشكل عائقاً إضافياً، خاصة لمستخدمي الكراسي المتحركة، مثل عاطف محفوض الذي يفضل العمل الحر رغم محدودية الفرص. في المقابل، تظهر نماذج إيجابية مثل فرح جديد، خريجة الحقوق الكفيفة التي حصلت على فرصة أكاديمية بعد تفوقها. لكن بين هذه الحالات، تبقى الفجوة واضحة: التعليم متاح أكثر من العمل. في ظل غياب إحصاءات دقيقة، يشكّل إطلاق “المسح الوطني للقوى العاملة” بالتعاون مع منظمة العمل الدولية والإسكوا خطوة مهمة نحو فهم أعمق للمشكلة. ويبقى التحدي الأساسي هو تحويل العمل من نص قانوني إلى حق فعلي متاح للجميع.
استمع للمقال
منصة إرادة- مياس سلمان
في عيد العمال العالمي، يُقال إن العمل حق. بالنسبة لآلاف الخريجين من ذوي الإعاقة في سوريا، يبدو هذا الحق أقرب إلى وعد نظري… خريجون جامعيون لا يبحثون عن وظيفة أفضل، بل عن فرصة أولى فقط. شهادات معلّقة، ووعود مؤجلة، وسوق عمل لا يراهم… أو لا يعرف كيف يراهم.
تشير تقديرات الأمم المتحدة والشبكة السورية لحقوق الإنسان لعام 2025 إلى أن ما بين 17% و28% من السكان في بعض المناطق يعيشون مع شكل من أشكال الإعاقة، أي ما يزيد عن 2.6 مليون شخص. ورغم ذلك، لا تعكس سوق العمل هذا الحضور، بل تكشف عن فجوة واضحة بين من ينجحون في التعليم، ومن يُسمح لهم بالعمل.
خلال سنوات من تتبع قصص ذوي الإعاقة، وجدنا عشرات بل مئات من قصص النجاح الأكاديمي. لا يحتاج الخريجون من ذوي الإعاقة إلى إلهام إضافي. قصص “التحدي” انتهت لحظة التخرج. ما يحتاجونه اليوم هو وظيفة.
من التفوق إلى الانتظار:
في هذه المسافة تحديداً، تبدأ حكايات مثل حكاية غفران أحمد. ولدت غفران، وهي من ذوي الإعاقة الحركية، دون يدين في ريف صافيتا (قرية الشيخ يونس). منذ الصف الأول، تعلمت الكتابة بقدمها، واستمرت في تعليمها متحدية بيئة غير مهيأة وصعوبات تنقل يومية.
اختارت الفرع العلمي، وتفوقت، ثم التحقت بكلية الهندسة التقنية، اختصاص الطاقات المتجددة.
لم تكن الرحلة تعليمية فقط، بل لوجستية أيضاً. المسافة بين قريتها والجامعة، والحاجة إلى مرافق دائم، جعلت من والدتها شريكاً كاملاً في هذه الرحلة، مرافقاً، داعماً، وسنداً يومياً.
في صيف 2025، تخرجت غفران. لحظة يُفترض أن تكون بداية الاستقلال.
تقول: “كانت الفرحة كبيرة… وترك نجاحي أثراً في محيطي. أتمنى أن أكون دافعاً للكثيرين كي لا يستسلموا. لكن ماذا بعد التخرج؟ لم أتخرج لأعلّق شهادتي على الحائط. هدفي وظيفة تضمن لي حياة كريمة.”
تقدمت بطلب توظيف إلى مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، وتم التواصل معها مع وعد بمحاولة تأمين فرصة مناسبة. لكنها، مثل كثيرين، لا تزال تنتظر. غفران أحمد ليست مجرد قصة نجاح تقليدية. هي اختبار حيّ لفكرة “الاستحقاق”.
وظيفة مؤقتة… ثم لا شيء
انتظار غفران ليس حالة فردية. بل يعكس واقع عشرات، وربما مئات، من الخريجين من ذوي الإعاقة الذين أكملوا تعليمهم الجامعي على أمل أن يتحول التفوق الأكاديمي إلى فرصة عمل.
في بلد أنهكته الحرب، يبدو العمل المستقل محدوداً، والقطاع الخاص غير مهيأ لاستيعابهم بشكل فعّال، ليبقى القطاع العام الخيار الأكثر استقراراً، أو على الأقل، الأكثر وضوحاً من حيث المسار.
لكن هذا الخيار نفسه لم يعد مضموناً. محمد إبراهيم، شاب من ذوي الإعاقة البصرية (الجزئية)، يبلغ من العمر 33 عاماً، يروي تجربة مختلفة، لكنها تقود إلى النتيجة ذاتها.
عمل محمد لمدة سبع سنوات بعقد سنوي في فرع السدود، على شهادة الثانوية العامة. خلال تلك الفترة، أكمل دراسته الجامعية في قسم اللغة العربية، على أمل تحسين وضعه الوظيفي.
مع بداية عام 2025، تم إنهاء عقده ضمن إجراءات تقليص العمالة. يقول: “لم يميزوا بين شخص من ذوي الإعاقة وغير ذوي الإعاقة… تخرجت أثناء عملي ولم أستطع تعديل وضعي. الآن أعمل في منشرة خشب رغم صعوبة العمل، فقط كي لا أحتاج إلى أحد”.
بين شهادة جامعية وعمل يدوي شاق، يبدو أن المشكلة في قدرات محمد، وإنما في المسار المفتوح له وفي الخيارات المتاحة أمامه.
القانون بين الرعاية والحقوق
قانونياً، لا تبدو المشكلة غائبة. القانون رقم 34 لعام 2004 تميز بطابع رعائي، ركّز على المساعدات والإعفاءات أكثر من تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصادياً.
في المقابل، حاول المرسوم 19 لعام 2024 الانتقال نحو مقاربة حقوقية، لكنه واجه انتقادات بسبب غياب آليات التنفيذ الفعلية قبل سقوط النظام.
كما نصّ القانون الأساسي للعاملين في الدولة رقم 50 لعام 2004 على تخصيص نسبة توظيف تصل إلى 4% للأشخاص ذوي الإعاقة. لكن هذه النسبة لم تطبق على أرض الواقع وبقيت رقم ديكوري يتم إرساله إلى المنظمات الدولية.
اليوم، ومع بداية مرحلة انتقالية، حاول ذوو الإعاقة تنظيم أنفسهم وتوجيه حراكهم نحو تعديلات جوهرية في فرص العمل والمطالبة بحصتهم من سوق العمل والاعتراف بقدراتهم وشهاداتهم.
في مواجهة هذه المطالب، شرعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة الانتقالية في نهاية عام 2025 بمناقشة تعديلات على قانون العمل رقم 17 لعام 2010، بهدف الانتقال من فرض نسب توظيف “صامتة” إلى خلق بيئة عمل أكثر إنتاجية وتحفيزاً.
هذا التحول، إن تحقق، قد يعيد تعريف ملف الإعاقة من كونه ملفاً رعائياً إلى كونه جزءاً من استراتيجية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. حتى الآن، يعيش ذوي الإعاقة نفس حالة الانتظار وترقب تنفيذ الوعود. في ظل غياب سياسات وتعليمات تنفيذية لا تقبل الجدل، يبقى النص القانوني أقرب إلى وعد نظري منه إلى أداة تغيير ملموسة.
حين تصبح البيئة عائقاً بحد ذاتها:
لكن حتى أفضل القوانين لا تصمد أمام بيئة غير مهيأة. بالنسبة لمستخدمي الكراسي المتحركة، تبدأ المشكلة قبل الوظيفة نفسها. الكثير من المؤسسات الحكومية غير مجهزة بمصاعد أو مرافق مناسبة، ما يجعل الوصول إلى مكان العمل تحدياً يومياً. هكذا، تصبح فكرة العمل نفسها غير قابلة للتحقق عملياً.
عاطف محفوض، خريج كلية الاقتصاد (إدارة مشاريع صغيرة ومتوسطة)، ومستخدم كرسي متحرك، يقول:
“لا أفكر بالتقدم لوظيفة عامة. وضعي الصحي لا يسمح بذلك. أطمح لمشروع خاص أو عمل عبر الإنترنت يحقق دخلاً جيداً، لكن الفرص قليلة… ولا أعتقد أن الأمور ستتحسن قريباً.”
رغم وضوح الظاهرة، فإن غياب بيانات دقيقة ومحدثة حول عدد الخريجين من ذوي الإعاقة، ونسب توظيفهم، وطبيعة الأعمال المتاحة لهم، تجعل التخطيط الفعلي لدمجهم في سوق العمل أمراً معلقاً. هذه الأعداد لا تكشق نسب البطالة فقط، وإنما حرمان سوق العمل من كتلة بشرية قادرة على أن تكون منتجة، بدلاً من أن تكون عبئاً. معظم الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن تأمين فرص العمل لذوي الإعاقة من خلال دمجهم في السوق وإزالة الحواجز أمامهم وتأمين الأدوات المناسبة لتجاوز إعاقتهم يضيف ناتج محلي غير قليل ويدعم المرونة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي.
في هذا السياق، يشكّل إطلاق “المسح الوطني للقوى العاملة” الذي بدأ عام 2025، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية والإسكوا، خطوة أساسية نحو بناء سياسات تشغيل قائمة على الأدلة.
الاستثناء لا ينفي القاعدة
ورغم هذا الواقع، تظهر أحياناً نماذج تكسر النمط. فرح جديد، خريجة كفيفة من كلية الحقوق في جامعة اللاذقية، حصلت على المرتبة الثانية على دفعتها عام 2024.
وبموجب مرسوم يقضي بتعيين الأوائل كمعيدين، اجتازت المقابلة وتم إصدار قرار تعيينها، وهي اليوم بانتظار المباشرة في عملها. تخطط لإكمال الماجستير ثم الدكتوراه، على أمل أن تصبح أستاذة جامعية. قصة فرح تكشف أن المشكلة ليست في القدرة، بل في توفر المسار… وعدالة الفرص
الحق المؤجل
بين التفوق الأكاديمي، والنصوص القانونية، والواقع العملي، تتسع الفجوة.
في عيد العمال العالمي، لا يبدو السؤال فقط عن “العمل”، بل عن شروطه:
هل هو متاح؟ هل هو مهيأ؟ هل هو عادل؟
وبينما يحتفى بالعمل كقيمة، وكحق، يبدو أن هذا الحق — بالنسبة لكثير من الأشخاص ذوي الإعاقة — لا يزال في طور المطالبة، لا في طور التحقق.
