الإرادة

عامان على الرحيل… خالد خليفة الحاضر في تسجيلات “الذاكرة” وفي تفسيرات “الصدمة”

الخط

مضى عامان على رحيل الروائي السوري خالد خليفة، أحد أبرز الأصوات الأدبية في العالم العربي. رحيله المفاجئ في سبتمبر/أيلول 2023 عن عمر ناهز 59 عاماً شكّل صدمة لأصدقائه وقرائه داخل سوريا وخارجها، إذ ظلّ حتى أيامه الأخيرة شاهداً على الخراب ومقاوماً للطغيان بالكلمة. خالد، ابن حلب، وُلد عام 1964، وبدأ مسيرته بكتابة القصص القصيرة وسيناريوهات الدراما، قبل أن يتجه إلى الرواية التي ميّزته عربياً وعالمياً. من أبرز أعماله: مديح الكراهية، لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة الحائزة على جائزة نجيب محفوظ عام 2013، الموت عمل شاق، ولم يصلّ عليهم أحد. تميزت كتاباته بجرأتها وارتباطها بقضايا القمع والحرية والاضطهاد، وبقدرتها على التعبير عن المجتمعات المهمشة. ظل خليفة مقيماً في سوريا طوال سنوات الحرب، ما منحه منظوراً مؤلماً وفريداً. لم يتوقف عن الكتابة حتى رحيله، تاركاً روايته الأخيرة سمك ميت يتنفس قشور الليمون. دُفن في دمشق وسط تجاهل رسمي، لكن أصدقاءه أطلقوا منحة سنوية باسمه تخليداً لإرثه. وفي 30 أيلول 2025، أُعلنت من المكتبة الوطنية بدمشق الدورة الأولى من “جائزة خالد خليفة للرواية”، وفازت بها رواية أنثى فرس النبي للكاتبة مناهل السهوي، لتبقى كلماته وإرثه الأدبي حاضراً في الذاكرة الثقافية السورية والعربية.

منصة إرادة- خليل سرحيل:

مضى عامان على وفاته، وقد لامه على رحيله الكثير من الأصدقاء والقراء، ليس في سوريا فقط، بل في دول العالم كافة التي وصلت إليها رواياته. ورغم أن الموت يحلّ بلا موعد، لم يكن أحد ليتوقع أن يغيب الروائي خالد خليفة “دون استئذان”. خالد الذي حمل سوريا في جوفه وآمن بحرية شعبها. رحل قبل أن يشهد سقوط النظام الذي حاربه، وكسر يده، ونفاه في وطنه.

كان خالد صوتاً عميقاً ومختلفاً. لم يكتفِ برصد الأحداث الكبرى بشكل مباشر، بل اتخذ من السرديات الصغرى، التي ترصد أثر العنف والقمع على حياة الأفراد وذاكرتهم، مدخلاً أساسياً لعمله. وكان من القلة من الكتاب الذين اختاروا البقاء في سوريا طوال سنوات الحرب المروعة، وهو ما منحه منظوراً فريداً ومؤلماً للواقع الذي عاشه.

قدم خالد لنا أعمالًا تميّزت بالجرأة في الطرح، وبالقدرة على مواجهة الطغيان بالكلمة، أصر على قول الحكاية التي لا يراد لها أن تحكى، فانتَصر لها وإن لم يشهد انتصارها بسقوط النظام الأسدي. آمن خالد بالمجتمعات المهمّشة، واستعار صوتها في مجمل كتاباته، وأشار بوضوح إلى وجه المجرم، بعيدًا عن المواربة الأدبية والالتفافات التي فرضتها الرقابة على المثقفين في سوريا. لذلك جاءت موضوعات مثل القمع والطائفية والاضطهاد لتتصدّر أعماله، متقاطعة مع التيارات المطالبة بالحرية والعدالة.

إرث الحكاية

وُلد خالد خليفة في حلب، في قرية تابعة لعفرين عام 1964، ودرس الحقوق في جامعة حلب، حيث كان عضوًا في المنتدى الأدبي. بدأ بكتابة القصص القصيرة وسيناريوهات المسلسلات قبل أن يتجه إلى الرواية، ويصدر عمله الأول “حارس الخديعة” عام 1994، الذي تناول رحلة شاقة لبطل من قرية في عفرين. تميّزت الرواية بسرد مفكك، يتكرر فيه الزمن المعطّل، ودعت بشكل خاص إلى حرية المرأة، قبل أن يحوّلها الواقع السوري وخيال الكاتب إلى شبح خادع ضمن بيئة تحتاج إلى التفكيك والمعالجة.

روايته “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” حازت على جائزة نجيب محفوظ للرواية عام 2013. كما ذاع صيته بعد روايته “مديح الكراهية” التي ترجمت إلى ست لغات، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008. ومن أبرز أعماله أيضًا “الموت عمل شاق” (2016)، و”لم يصلّ عليهم أحد” (2019)، و”دفاتر القرباط” (2000). وفي الدراما التلفزيونية كتب مسلسلات بارزة مثل “قوس قزح”، و”سيرة آل الجلالي” الذي قدّم صورة معمّقة عن تفاصيل حلب الاجتماعية والثقافية، و”العراب”، و”هدوء نسبي”، و”ظل امرأة”.

كما قدّم في سيناريو الفيلم الوثائقي “حجر أسود” صورة عن التسرب المدرسي لمجموعة من الأطفال، كاشفًا عالمًا غير مرئي في دمشق، حيث يعاني الأطفال للنجاة، وتعاني مجتمعاتهم من الاضطهاد بسبب قوميتهم الكردية التي سعى نظام الأسدين لمحوها من الهوية السورية. وقد سبّب الفيلم حرجًا كبيرًا للسلطات عند عرضه في دمشق، ما دفعها لمنعه من العرض داخل سوريا، وتم التضييق على خليفة بعد الثورة السورية التي أيدها إلى درجة أن قوات الأمن كسرت يده في جنازة صديقه الموسيقي ربيع غزي عام 2012.

الكتابة حتى اللحظة الأخيرة

لم يتوقف خالد عن الكتابة حتى آخر أيامه، وترك لنا روايته الأخيرة “سمك ميت يتنفس قشور الليمون”، التي صدرت بعد وفاته عن عمر ناهز 59 عامًا. في هذا العمل الأخير تناول العطب والضرر النفسي الذي خلّفته سياسات الأسدين في مدينة اللاذقية، مقدّمًا أربعة فصول عن فرقة موسيقية تحاول الاجتماع مجددًا والعزف في مدينة فقدت مقومات العيش الإنساني تحت سلطة البعث. في زمن غائب أو ممتد إلى حدّ انعدام الحاجة لمعرفة اليوم والساعة، تتسرّب المرارة من بيوت اللاذقية إلى أرواح الشخصيات، التي أراد لها أن تيأس وتتحلّل ضمن نظام قاسٍ وفاسد، ومجتمع مفكك مليء بالقتلة والضحايا. في سردية كئيبة مشبعة برائحة الموت التي لم تفارق أعماله.

تميّز أسلوبه الروائي بالتنوّع والتطور، فلم يكن أسير نهج واحد، بل انتقل من الشعرية المكثفة في أعماله الأولى إلى أسلوب أكثر واقعية وسردية في روايات مثل “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”. مزج بين الشعر والسرد، وخاصة في بداياته، ليتطور هذا المزج لاحقًا في أعماله إلى انسيابية أعمق وشعرية ممتدة. كان يختار الشخصيات ليجعلها تنطق بالمعضلات وتفكك الخراب المسمّى سوريا.

اسم لن ينمحي من ذاكرة السوريين

دُفن خالد خليفة في دمشق، وقد تجاهل نظام الأسد رحيله، كما تجاهل من قبل وفاة كثير من المثقفين والفنانين المعارضين. لكنه ترك إرثًا مهمًا من الروايات والأعمال الفنية والتلفزيونية. وبعد وفاته، أطلق أصدقاؤه منحة سنوية للروائيين السوريين باسمه، تخليدًا له بين الكتّاب الذين واجهوا سلطة النظام وآلته القاتلة.

واليوم، في الثلاثين من أيلول الجاري، تُطلق من المكتبة الوطنية بدمشق الدورة الأولى من “جائزة خالد خليفة للرواية“ تكريمًا له كأحد أبرز الأصوات الأدبية العربية. تأسست الجائزة بمبادرة من أصدقائه، وتهدف إلى دعم الرواية كفنٍّ أدبي يعكس رؤيته الفكرية والإنسانية، وتشجيع الأصوات الشابة والجريئة التي تتناول قضايا الناس وهمومهم. يحصل الفائز على مكافأة مالية وفرصة لنشر روايته بالتعاون مع دار نشر مرموقة، مع إمكانية ترجمتها إلى لغات أخرى.

وقد أعلنت لجنة التحكيم فوز رواية “أنثى فرس النبي” للكاتبة السورية مناهل السهوي بالجائزة المخصصة للعمل الروائي الأول. الرواية تدور حول فتاة تُدعى كارمن، نشأت وسط معارك العائلة، وصُدمت طفلة بمقتل والدتها، ليكبر الفقدان معها ويتحول إلى صراع داخلي يجرّدها من كل شيء. السهوي، المولودة في السويداء عام 1991 والمقيمة في بيروت، صدرت لها مجموعتان شعريتان ومسرحية واحدة، وكانت تكتب سابقًا باسم مستعار خوفًا من انكشاف هويتها في ظل النظام البائد.

هكذا يستمر اسم خالد خليفة حاضرًا، لا فقط من خلال أعماله التي قاومت القمع وواجهت الطغيان بالكلمة، بل أيضًا عبر هذه الجائزة التي تمنح الحياة من جديد لصوت الأدب الجريء في سوريا والعالم العربي.

ملحق: واقعية الصدمة

وإذا كانت حياة خالد خليفة وإبداعه قد شكّلا شهادة على مقاومة الطغيان بالكلمة، فإن شخصياته الروائية نفسها تقدّم مدخلاً آخر لفهم أثر العنف والاستبداد على الأجساد والذاكرة، وخاصة مفهوم العجز والصدمة.

لم يكن العجز مجرد سمة عابرة أو حالة مرضية لشخصياته، بل هي رمز فني وواقعي للتشوه النفسي والاجتماعي العميق الذي ألحقته عقود من الاستبداد والقمع والعنف بالذات والمجتمع السوري. هذه الإعاقات هي “ندوب” مرئية وغير مرئية خلّفتها الكوارث السياسية والاجتماعية، وتعدّ تجسيداً مادياً لمفاهيم مجردة مثل الصدمة، الصمت، والفقدان.

الصمت: صدمة العنف والدمار

تتمحور رواية “الموت عمل شاق” (2016) حول رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر يقوم بها ثلاثة أشقاء، نبيل (بلبل)، وحسين، وفاطمة، لنقل جثمان والدهم المعارض، عبد اللطيف، من دمشق إلى قريته العنابية لدفنه. رحلة الجثة عبر سوريا المدمرة تضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع مشاهد العنف والخراب، من دبابات محطمة وبقع دم متيبسة إلى جثة الأب التي “تفسخت” وبدأ “الدود يأكله”.

تُقدّم شخصية فاطمة في بداية الرواية كامرأة عاطفية تسعى لتوحيد العائلة والحفاظ على السلام بين أفرادها. لكن مع تطور الأحداث، تتعرض شخصيتها لتدهور نفسي حاد، ينتهي بإصابتها بـ “الخرس الدائم”. يتحوّل الصمت الداخلي إلى صمت خارجي ودائم، ويصبح الخرس التعبير المادي عن انهيار القدرة على التواصل مع الآخرين بعد استيعاب كل هذا الرعب.

يحمل خرس فاطمة دلالات رمزية تتجاوز حالتها الفردية. فهو يرمز إلى صمت المجتمع السوري بأسره أمام الكارثة التي تتجاوز قدرة الأفراد على التعبير أو الاستيعاب. هذا الخرس هو التعبير النهائي عن التفكك الذي أصاب الأسرة والمجتمع على حد سواء، بعد أن فقدت العائلة “براءة الطفولة” واكتشفت أن الوحدة أصبحت “قدراً أبدياً”.

البصر المفقود والروح السجينة

تتناول رواية “دفاتر القرباط” قصة قرية العنابية المهمشة في شمال حلب، وتسرد حكايا منسيّة عن الحب المحرّم وتهميش المجتمع لأفراده. يتمركز السرد حول شخصيات تعيش على الهامش، مثل الراوي الذي تصفه والدته بأنه “لم تكتمل رجولته” والخال “أبو الهايم” الذي أصيب بالجنون بعد رحيل حبيبته القرباطية. في خضم هذه القصص، يقدّم خليفة شخصية طفل “أعمى” رغم أنه يمتلك “عينين جميلتين”. هذا الوصف المتناقض هو لوصف حالة وجودية لجيل كامل ولد في العتمة. حياته بأكملها، منذ لحظتها الأولى، محاطة بالظلام واليأس.  

إن “عمى” هذا الطفل هو نتاج مباشر للانهيار الأخلاقي والاجتماعي الذي يحيط به. فالطفل ليس أعمى فيزيائياً، بل هو “أُعمي” عن عمد بسبب الظروف الاجتماعية القاسية. هذا يضع المسؤولية على عاتق المجتمع، وليس القدر، حيث يصبح المجتمع ذاته متورطاً في “توليد” الشقاء.

التشوه: لخراب الذي لحق بالجميع

في رواية “مديح الكراهية”، يُدين خليفة الفكر المتطرف الذي يلحق “تشوهاً نفسياً وجسدياً” بعناصره. هذا “التشوه” هو نتاج الكراهية التي يُمدحها العمل، حيث يحوّل التطرف الأيديولوجي الشخصيات إلى كائنات مشوهة داخلياً وخارجياً. إنها ليست إعاقات عابرة، بل هي نتاج مباشر لانعدام الإنسانية وتغلغل الكراهية.  

وفي رواية “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة”، فإن خليفة يصف حالة من “الخواء” و”العار” تعيشها الشخصيات. ويقول أحد الاقتباسات: “من الصعب أن تكتشف فجأة أنك خاوٍ، ظلك ثقيل على الأرض، كل ما حولك حامض يغرق أحلامك وتبدو صدِئاً في عيون الآخرين!!”. إن القمع الممنهج الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية يؤدي إلى إحساس بالخواء الداخلي والعار الاجتماعي، مما يجعل الشخصيات “مغتربة عن ذاتها” وغير قادرة على الاندماج. العجز هنا هي فشل في تحقيق الذات وفي الانتماء للمجموع كنتيجة مباشرة ونهائية لسلسلة من الممارسات القمعية.

تشكل شخصيات خالد خليفة تجسيداً ملموساً للصدمة السورية الجسدية والنفسية وانعكاساً للخراب السياسي والاجتماعي، فاطمة الصامتة والطفل “الأعمى”، هم أبطال من سردية منسية: صامتون وعميان يسردون بأجسادهم وقدراتهم المفقودة ما لا يمكن أن يُقال بالكلمات.