الإرادة

غفران التي كتبت حياتها بقدميها

الخط

وُلدت غفران محمد أحمد في قرية بيت الشيخ يونس في ريف صافيتا بدون ذراعين، لكن ذلك لم يكن نهاية الطريق بالنسبة لها، بل بداية رحلة طويلة من التحدي والإصرار. منذ طفولتها الأولى قررت عائلتها، وخصوصاً والدتها، أن تعيش غفران حياتها مثل أي طفل آخر، وأن تتعلم وتكبر دون أن تكون إعاقتها عائقاً أمام أحلامها. تتذكر غفران جيداً يومها الأول في الروضة، حين بدأت تدرك للمرة الأولى اختلافها عن بقية الأطفال. كانت تجلس على الأرض وتحاول الكتابة والرسم بأصابع قدميها، بينما كان الأطفال الآخرون يمسكون الأقلام بأيديهم. مع الوقت، وبمساعدة والدتها وإصرارها، أتقنت الكتابة بقدميها وأصبحت قادرة على متابعة دراستها مثل بقية زملائها. في المدرسة صنع لها أهلها مقعداً خاصاً يناسب طريقة جلوسها وكتابتها، وكان المعلمون يراعون بطء الكتابة أحياناً بمنحها وقتاً إضافياً في الامتحانات. وفي الصف التاسع حصلت على مجموع 285 من 300، رغم الصعوبات التي كانت تواجهها أثناء الكتابة. أما التحدي الأكبر فجاء في امتحانات البكالوريا، عندما أرادت تقديم الامتحان في القاعة نفسها مع بقية الطلاب، وليس في قاعة منفردة. وبعد إصرار عائلتها وافقت الإدارة على طلبها، لتقدم الامتحان مثل زملائها تماماً. حصلت في الدورة الأولى على مجموع 217.2 من 240، ثم رفعت علامتها في الدورة التكميلية إلى 228.7. بعد ذلك التحقت بفرع الهندسة التقنية – قسم الطاقات المتجددة في جامعة طرطوس، حيث واجهت في البداية نظرات الاستغراب من بعض الطلاب، لكنها سرعان ما أصبحت جزءاً طبيعياً من الحياة الجامعية، وكونت صداقات عديدة. كانت لحظة التخرج في عام 2025 من أجمل لحظات حياتها. تقول غفران إن رؤية الفخر في عيون والديها، بعد سنوات طويلة من التعب والدعم، كانت أكبر إنجاز بالنسبة لها. اليوم تطمح غفران إلى الحصول على وظيفة مناسبة في القطاع العام، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها تعتمد فيها على نفسها وتواصل طريقها بثقة. قصتها، كما تقول، ليست سوى دليل على أن الطريق قد يكون مختلفاً أحياناً… لكنه يبقى طريقاً نحو الحلم.

منصة إرادة- مياس سلمان:

عندما جلست غفران في الروضة لأول مرة، كانت تكتب وترسم بأصابع قدميها بينما كان بقية الأطفال يمسكون الأقلام بأيديهم. منذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة من التحدي والتعلم، انتهت بعد سنوات على منصة التخرج في جامعة طرطوس. هذه قصة غفران… حكاية فتاة كتبت مستقبلها بقدميها.

اسمي غفران محمد أحمد. أنا فتاة في العشرينات من عمري، وُلدت بدون ذراعين. قد يبدو ذلك في البداية كأنه الحكاية كلها، لكنه في الحقيقة كان مجرد بداية طريق طويل تعلمت خلاله كيف أعيش حياتي بطريقتي الخاصة.

أعيش مع عائلتي في ريف صافيتا، في قرية بيت الشيخ يونس. أنا الابنة الكبرى في أسرتي التي تضم أخاً وأختاً أصغر مني، إلى جانب أمي وأبي. عندما وُلدت، لم يكن أحد يعرف تماماً كيف ستكون حياتي لاحقاً، لكن أمي اختارت منذ البداية طريقاً واضحاً: أن أعيش مثل أي طفل آخر، وأن أتعلم، وأجرب، وأخطئ، وأكبر مثل الجميع.

كانت هي أول من علمني أن هناك طرق كثيرة للمشي في الحياة، وأن الطرق التي نمشيها هي اختياراتنا وليست أقدارنا.

من أولى اللحظات التي ما زالت عالقة في ذاكرتي يومي الأول في الروضة. كنت أمشي بجانب أمي، وبرفقتنا ابنة خالتي وابنة خالي اللتان كانتا في عمري نفسه. وجودهما منحني شعوراً بالأمان، كما لو أننا ذاهبون إلى مغامرة صغيرة معاً. استقبلتني المعلمات بترحيب كبير. كنت أسمع اسمي يتكرر بطريقة مختلفة قليلاً عن بقية الأطفال:

“أهلين غفران”.

في البداية لم أفهم السبب. لكن شيئاً فشيئاً بدأت ألاحظ الفرق. كنت أجلس على الأرض لأحاول الكتابة والرسم بأصابع قدمي، بينما كان الأطفال يجلسون على مقاعدهم ويمسكون الأقلام بأيديهم. عندها بدأت أدرك أن جسدي مختلف، وأن علي أن أتعلم كيف أتعامل مع هذا الاختلاف.

لم يحدث ذلك فجأة، بل كان اكتشافاً بطيئاً. شيئاً فشيئاً بدأت أفهم أن طريقي في التعلم سيبدو مختلفاً قليلاً عن الآخرين.

بمساعدة أمي وصبرها الطويل، تعلمت الكتابة بقدمي في وقت مبكر. ومع بداية الصف الأول صنع لي أهلي مقعداً خاصاً يناسب طريقة جلوسي. في الصف كانت تجلس خلفي مباشرة ابنة خالي وابنة خالتي، وكنا نقضي معظم الوقت معاً. كانتا تساعدانني أحياناً في أمور بسيطة، مثل خلع الحذاء لأتمكن من الكتابة أو ترتيب أغراضي في الحقيبة. وجودهما قربى جعل المدرسة مكاناً أكثر طمأنينة.

ومع مرور السنوات أصبحت الكتابة بقدمي أمراً طبيعياً بالنسبة لي. كنت أدرس مثل بقية الطلاب، وأقدم امتحاناتي، وأشارك في الصف. كان المعلمون يراعون أحياناً بطئي في الكتابة ويمنحونني وقتاً إضافياً بسيطاً.

في الصف التاسع اجتهدت كثيراً، لكن في امتحان الرياضيات لم أتمكن من إنهاء الأسئلة في الوقت المحدد. لم يكن بالإمكان منحي وقتاً إضافياً، وهو ما أثر على نتيجتي وعلى نفسيتي أيضاً، لأنني كنت أطمح إلى تحقيق علامات أعلى. ومع ذلك حصلت على مجموع 285 من 300.

لكن التحدي الأكبر كان ينتظرني بعد ذلك في الصف الثالث الثانوي.

عندما اقتربت امتحانات البكالوريا، أردت أن أقدم الامتحان في القاعة نفسها مع بقية الطلاب، كما اعتدت دائماً، وليس في قاعة منفردة. في البداية رفض الكادر الإداري الطلب. كانوا يعتقدون أن طريقة كتابتي بقدمي قد تؤثر نفسياً على بقية الطلاب أو تشتت تركيزهم.

لم يكن القرار سهلاً بالنسبة لي.

لكن أمي وأبي أصرا على الأمر. وبعد نقاشات ومحاولات متكررة، تم قبول طلبي أخيراً. جلست يوم الامتحان في القاعة نفسها مع زملائي وعلى مقعدي الخاص، وبدأت أكتب كما اعتدت دائماً.

حصلت في الدورة الأولى على مجموع 217.2 من 240، ثم تمكنت من تحسينه في الدورة التكميلية ليصبح 228.7.

ورغم ذلك بقي موقف واحد من تلك الفترة محفوراً في ذاكرتي. أثناء أحد امتحانات الدورة التكميلية وقف مراقب بجانبي يراقبني بطريقة مزعجة. ثم سألني عن علامتي في الدورة الأولى، وعندما أخبرته قال بسخرية: “إي… مو كتير!”

كانت كلماته قاسية. لم أشعر أنها تقلل من علامتي فقط، بل من كل الجهد الذي بذلته للوصول إلى تلك اللحظة. ومع ذلك، حاولت أن أترك تلك الكلمات خلفي وأن أواصل طريقي. 

بعد انتهاء المدرسة بدأت مرحلة جديدة تماماً في حياتي: الجامعة. سجلت في فرع الهندسة التقنية، قسم الطاقات المتجددة في جامعة طرطوس. في تلك المرحلة افترقت عن صديقتي المقربتين، وذهب كل منا في طريق مختلف. شعرت لأول مرة أن علي أن أواجه العالم بمفردي.

لم يكن الأمر سهلاً. لكنني وجدت دعماً في صديقة أخرى من قريتي كانت زميلتي أيضاً في المدرسة. درسنا في الفرع الجامعي نفسه، وكانت ترافقني كثيراً في الطريق بين المنزل والجامعة. أصبحت رفيقة تلك المرحلة بكل ما فيها من تعب وأحلام.

في الجامعة كانت نظرات الاستغراب من بعض الطلاب من أصعب ما واجهته في البداية. لكن مع مرور الوقت أصبحت تلك النظرات أقل. اعتادوا علي، واعتدت عليهم. ومع الأيام نشأت صداقات جميلة، ووجدت لنفسي مكاناً بينهم. مرت السنوات سريعاً.

ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها طويلاً. عندما ارتديت وشاح التخرج المكتوب عليه “غفران محمد أحمد”، شعرت أنني وصلت إلى محطة مهمة في حياتي. لم تكن تلك مجرد لحظة عادية بالنسبة لي، بل نهاية رحلة طويلة بدأت منذ طفولتي الأولى.

كانت فرحتي أكبر عندما رأيت السعادة في عيون أمي. هي التي جلست معي منذ سنوات الروضة تعلمني كيف أمسك القلم بقدمي وكيف أكتب. كانت صبورة وقوية، ولم تتوقف يوماً عن الإيمان بقدرتي.

أما أبي، ذلك الإنسان المكافح، فقد تحمل عبء تكاليف دراستي ومصاريف الطريق اليومية إلى الجامعة رغم صعوبة الظروف وبعد قريتنا عنها. رأيت الفخر في عينيه يوم تخرجي.

كما كان لأختي وأخي دور كبير في حياتي، فقد كانا دائماً سنداً لي ومصدراً للأمان.

ولا أنسى أيضاً أساتذتي وزملائي وكل من وقف إلى جانبي في هذه الرحلة، ومن بينهم رئيس جامعة طرطوس الدكتور أديب برهوم وعميد الكلية وأساتذتي الذين دعموني طوال سنوات الدراسة.

في تلك الفترة شعرت أن فرحتي بالتخرج لم تكن فرحتي وحدي. كانت فرحة عائلة وقرية وجامعة كاملة. تناقلت الصفحات خبر تفوقي، وأصبحت قصتي معروفة بين كثير من الناس.

أستطيع أن أقول إن عام 2025 كان عام الحصاد، بعد رحلة من الاجتهاد والتعب امتدت نحو عشرين عاماً.

اليوم أسعى للحصول على وظيفة مناسبة في القطاع العام، مثل أي شابة تطمح إلى بناء مستقبلها. أريد أن أعمل وأن أستقل بحياتي، وأن أؤمن احتياجاتي بجهدي.

هذه هي المرحلة الجديدة التي أنتظرها الآن.

هذه كانت قصتي.
أنا غفران محمد أحمد… وما زلت أؤمن أن الطريق يمكن أن يكون مختلفاً، لكنه يبقى طريقاً نحو الحلم.