إعداد: عبد الكريم عمرين
يروي المقال حكاية جهاد «أبو بسام» في حي جب الجندلي بحمص، وما تركته الحرب في أسرته من فقد ونزوح ومعاناة. وبحسب روايته، فقد زوجته، وتعرّض ابنه عبد الرحمن للاختطاف وإصابة انتهت ببتر ساقه، فيما يعاني ابنه رسول نفسيًا ويحتاج إلى العلاج المتكرر. واليوم، يواجه جهاد ضيق الحال وخطر فقدان السكن، ويأمل بتأمين دراجة كهربائية لعبد الرحمن تساعده على العمل وكسب رزقه.
لك الله يا جهاد، أنت لست إبراهيم الذي سأل ربه أن يهبه ولدًا، فبشّره ربه بغلام حليم: «فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ» — الصافات. ولن تجد أحدًا يصلي لك تضرعًا صلاة قائد المائة، ولست ممن «إذا سأله ابنه خبزًا، يعطيه حجرًا، وإن سأله سمكة، يعطيه حيّة» — متى. لكن بإمكانك أن تبتهل للمسيح وتقول له: «قل كلمة فقط فيبرأ غلامي». يا جهاد، ألم تسمعهم يهتفون في المظاهرات في حمص: «يا الله ما إلنا غيرك يا الله»؟ تلك أيام مضت، واليوم، وبعد التحرير، لا يمكنك إلا أن تقول: «يا الله ما إلي غيرك يا الله».
في حي جب الجندلي في حمص، يسكن جهاد في الطابق الثاني من بناء هرم، أعجف. فيه درج طويل ببلاط مهترئ ومتكسر، وثمة بين الدرجات فواصل إسمنتية مشققة، يخرج منها النمل في سعيه ليجد ما يُؤكل أو يُخزَّن لأيام الشتاء، لكن النمل يدور في المكان خاوي الوفاض.
تطرق بابًا، أو ما يشبه باب بيت جهاد، فيفتح لك بسرعة وابتسامة أسرع، فتكشف الابتسامة عن أسنان مخلّعة أو منخورة طغى عليها السواد، فيبادرك جهاد: «أهلًا وسهلًا، تفضلوا، تفضلوا». يدني لك شحاطة كي تلبسها، ثم يفطن بخجل إلى أن الشحاطة مهترئة ومشققة، فيردف مقسمًا: «والله ما بتشلحوا من رجليكم». تواجهك عند دخولك ردهة فسيحة، بجدران تنزّ منها الرطوبة، وفي الركن بعض الكراكيب السوكراب التي لا تصلح إلا لحاوية القمامة. يشير إلينا جهاد: «من هون اتفضلوا». ندخل إلى غرفة على يمين المدخل، وفي يسار الغرفة طرّاحة طويلة يجلس فوقها عبد الرحمن، شاب أسمر ونحيف، بعيون زائغة ورجل واحدة، فقد فَقَدَ رجله اليسرى في حكاية أغرب من الخيال، إذ اختطفه جنود الدفاع الوطني من قوات المخلوع، ووضعوه في مخبأ شرق مدينة السلمية، ثم أجبروه على أن يقاتل معهم وأن يفجر نفسه وسط المتظاهرين في حمص، حيث التظاهرات على أشدها منذ اندلاع الثورة، فيرفض. بعد أكثر من شهر، يرن موبايل والده جهاد، فيفهم من المتصل المجهول أن عبد الرحمن في المشفى الوطني بحماة. على جناح السرعة، يسافر الأب ليرى ولده هناك، لكن عبد الرحمن بين جثث كثيرة، مصاب بساقه؛ الساق التي تُركت أيامًا وأصابتها الغرغرينا، ما استدعى بترها في المشفى العسكري بحمص.
يقدم لنا جهاد الشاي البارد، فنشكره، ثم يخبرنا كيف قُتلت زوجته من قبل الكادر الطبي في المشفى الوطني بحمص، بعد أن حقنوها بإبرة هواء. يخبرنا عن نزوحه إلى الجنوب، ثم إلى الشمال، وعن السكن في عدة مخيمات، ثم يصمت. أسأله: «أليس لديك شاب اسمه رسول؟ أين هو؟ ممكن أن ألتقيه؟». ينظر إليّ مليًّا ويهز رأسه ذات اليمين وذات الشمال، مؤكدًا لي: «مستحيل تشوفو، لأنه بالشام. رسول بمشفى ابن سينا». ويضيف: «مجنون، يريد أن ينتحر، هذه خامس مرة يا أستاذ يدخل مشفى ابن سينا بالشام». وحين يجدني فاغر الفم ومندهشًا، يتابع: «جننوه الدفاع الوطني كمان، الله وكيلك، صار يخاف من كل شي…».
هي حكاية من حكايات الحرب وآثارها، ومأساة من مآسيها. وبعد الحرب، تشتد الأنشوطة على عنق رب أسرة حكايتنا، فهو مطالب بالرحيل عن البيت الذي يسكنه بالأجرة، ويحار ويسألني: «كيف لي أن أجد بيتًا يأوينا مع عبد الرحمن وابنتي، وأنا رجل لا أعمل؟ ألا يكفي أن هذا البيت أسكنه بلا حمام ولا مطبخ و… أستاذ، هل يمكنك تأمين دراجة تعمل بالكهرباء لعبد الرحمن؟ لي طلب واحد من الله في هذه الحياة، أن تكون لعبد الرحمن دراجة، فبها وعليها يمكن أن يبيع بسكويت أو أشياء للأطفال…». يا رب الملكوت، الدمع يغرغر في عينيّ، أقول له مطرق الرأس: «سأحاول… من كل بدّ سأحاول عن طريق الجمعيات الخيرية يا جهاد».
