تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرادة

من الدمار، ومن صلصال وبازلت حمص.. تعود الحياة للسينما

الخط

في سينما حمص التي ما زالت جدرانها تحمل آثار الدمار، عادت الشاشة لتضيء من جديد، بين مقاعد جُلبت على عجل ومسرح لم تكتمل ملامحه بعد. بين 1 و4 تشرين الأول/أكتوبر، استضافت المدينة أول مهرجان للأفلام القصيرة، بمشاركة 30 فيلماً روائياً ووثائقياً وتجريبياً وتحريكياً. لم يكن اختيار المكان تفصيلاً عابراً. أراد القائمون على المهرجان أن تعود السينما إلى المكان الذي غاب عنه الجمهور طويلاً، وأن يستعيد أهل حمص شيئاً من ذاكرتهم الثقافية، بعد سنوات الحرب والدمار. وحمل المهرجان اسم المخرج والناشط باسل شحادة، تكريماً لذكراه ولعدد من شهداء السينما السورية. في ليلة الافتتاح، عُرض فيلم «حدث في حمص» للمخرج يزن النكدلي، مستعيداً سيرة أنس الطرشة وطارق الأسود وذاكرة المدينة خلال سنوات الثورة. أمام الشاشة، امتزجت مشاعر الجمهور بين الفرح والدموع، فيما أعادت الصور إلى كثيرين ذكريات التظاهرات والشباب الذين غابوا بالموت أو الاعتقال أو الهجرة. وشهد المهرجان تكريم المخرج هيثم حقي والممثل سامر المصري، كما أقيمت ندوة ناقشت واقع السينما السورية بعد التحرير، شارك فيها أعضاء لجنة التحكيم وجهاد عبدو، رئيس المؤسسة العامة للسينما، وتناولت تحديات الإنتاج والإخراج، ودور المؤسسات، واختيار النصوص، ودعم الشباب، ومستقبل المهرجانات السينمائية في سوريا وخارجها. وفي الختام، كُرّمت منى واصف والناقد السينمائي الراحل رفيق العتاسي، وأعلنت جوائز المسابقة، فيما عادت هتافات حمص القديمة إلى القاعة، لكن هذه المرة وسط احتفال بالحياة وعودة السينما. بعد أربعة أشهر من التحضير والترميم، أعاد المهرجان الصورة والصوت إلى سينما حمص، مؤكداً أن المكان الذي شهد الدمار يمكن أن يصبح من جديد مساحة للذاكرة والفن والحياة.

منصة إرادة- عبد الكريم عمرين

انعقد مهرجان حمص السينمائي للأفلام القصيرة، منذ الأول وحتى الرابع من تشرين الأول، في صالة سينما حمص المدمرة. فوسط جدران السينما المحروقة، وعلى كراسٍ جُلبت على عجل، وعلى مسرح لم يكتمل، نُصبت شاشة عرض. كل اللوجستيات اللازمة لإقامة مهرجان سوري، بل دولي للسينما، كانت متوفرة أو تكاد، في سينما مدمرة، في حمص المدمرة، وبين سكانها الذين عانوا ويلات الحرب والموت والفقد.

قدمت المؤسسة العامة للسينما مهرجاناً ضم ثلاثين فيلماً قصيراً، بعضها روائي، أو تسجيلي، أو تجريبي، أو أفلام تحريك. كل التحضيرات للمهرجان نُفذت بوشائج الحب، حب المدينة، ووفاء لصمودها، واحتراماً لقيادتها للثورة، ووفاء لشهداء السينما من شبابها الذين عملوا كمتظاهرين وإعلاميين واستشهدوا في سبيل أن تنتصر ثورة عام 2011 ضد الاستبداد الأسدي.

سُمّيت دورة المهرجان باسم الشهيد باسل شحادة، وقُدّم في حفل الافتتاح فيلم «حدث في حمص»، الذي يستعيد حكاية الشهيدين أنس الطرشة وطارق الأسود، ويوثّق جانباً من ذاكرة المدينة خلال سنوات الثورة. حكاية تحمل وجوه حمص وذاكرتها، وتستعيد سيرة اثنين من أبنائها الذين أصبحا جزءاً من حكايتها.

الفلم من إخراج: يزن النكدلي، وهو مدير المهرجانات في المؤسسة العامة للسينما، والذي ابتكر فكرة عروض المهرجان في سينما حمص المدمرة، وهي فكرة لطيفة، ذات معنى عميق، تنتمي للحياة التي يتوق السوريون لصنعها وعيشها بعد التحرير.

الفرح والدموع

ليلة الافتتاح كانت بطعم خاص للحمامصة، الذين طحنتهم الحرب ودمرت معظم أحياء حمص. فبعد التحرير، كانت حمص عطشى لنشاط فني، وقد نجحت في إقامة مهرجان حمص المسرحي في أيار الماضي من هذا العام، واليوم تشهد إقامة مهرجان حمص السينمائي.

كان فرح الجمهور غامراً، والدموع سخية، فعُرض فيلمان للشهيد باسل شحادة، ومن ثم عُرض فيلم «حدث في حمص». ومشاهدة واستذكار المظاهرات، ورؤية الشباب الذين خرجوا ليصنعوا ثورة الناس، والذين فقدنا معظمهم، موتاً أو تغييباً أو هجرة، جعل نشيج البكاء مسموعاً في الصالة.

لكن تكريم شيخ المخرجين هيثم حقي والفنان سامر المصري، من قبل إدارة المهرجان، بحضور اللجنة التقييمية، التي ضمت فنانين كباراً ومعارضين أشداء للنظام البائد، جعل الجمهور سعيداً بمشاهدتهم.

وتشكلت اللجنة التقييمية: الفنان حسن عويتي، والممثلة ليلى عوض، والمخرجة إيناس حقي، والفنانة ريم علي، والمخرج ورد حيدر.

واختُتم حفل الافتتاح مع الفنان السوري-الألماني خاطر ضوّا، الذي قدم فقرات غنائية خاصة برفقة «موازييك» فرقته الموسيقية. وخاطر ضوا مغنٍّ ومؤلف موسيقي، تمتد تجربته بين سوريا ومصر وألمانيا.

السينما تبحث عن طريقها

في اليوم الرابع للمهرجان، أقيمت ندوة تقييمية للمهرجان، تحدث فيها أعضاء اللجنة التقييمية للمهرجان، واستعرضوا فيها مع جهاد عبده، مدير المؤسسة العامة للسينما، واقع السينما السورية بعد التحرير، وعن المصاعب الجديدة القائمة في وجه السينمائيين السوريين، كما قدموا اقتراحات هامة لانبعاث جديد للسينما السورية، وتفضيلات مهمة لصناعتها: الإنتاج، والإخراج، والمساعدات التي يجب أن تقدمها المؤسسة، وكيفية انتقاء السيناريوهات للتنفيذ، والسينما النسائية، ومسألة المهرجانات السينمائية في الداخل وفي عواصم شتى.

وجرى هذا النقاش مع الجمهور الذي أبدى وعياً ورؤية متقدمة للواقع السينمائي السوري، واقتراحات مهمة للنهوض بالإنتاج السينمائي، وخصوصاً الإنتاج الشاب وتحسن ظروف إبداعاته.

ختام يليق بالبازلت

في اليوم الرابع، كان ختام مهرجان حمص السينمائي للأفلام القصيرة، وكان عرساً حقيقياً للسينما والوفاء لمن رحلوا، حفل تماهى فيه الفرح بالدموع، فرحاً وحزناً، فرحاً بهذه اللمة السينمائية السورية فوق أرض عاصمة الثورة، بعد غياب في المنافي، وحزناً على أيام استذكرها الحاضرون، أيام من التهجير والجوع وقمع الاستبداد الأسدي.

في الحفل الختامي، تم تكريم سيدة المسرح السوري، السيدة منى واصف، التي ألقت كلمة مؤثرة ودافئة عند تكريمها، كما تم تكريم الناقد السينمائي الراحل ابن حمص: رفيق الأتاسي.

ومن ثم تم الإعلان عن الجوائز، وحصد فيلم «502» جائزة باسل شحادة لأفضل فيلم لمخرجه طارق مشرفي، بينما نال «جفاف» جائزة أفضل إخراج لمخرجه مراد ديب، وفاز «الميت ما بموت»، من إخراج جيهان عيسى، بجائزة أفضل سيناريو، وحصلت بطلته ريم الأتاسي على جائزة أفضل ممثلة.

وذهبت جائزة أفضل ممثل إلى عمر مسلماني عن دوره في فيلم «فيولا» من إخراج خالد الحمصي، بينما نال فيلم «فوق» جائزة أفضل تصوير، وهو من إخراج أحمد فستق، وحصل «فيديو كول»، إخراج زين خزام، على جائزة الجمهور.

بين الجدران المحروقة.. تعود الحياة

كيف لك أن تبكي فرحاً وحزناً بآن معاً؟ هذا ما فعله مهرجان حمص السينمائي. ففي موجة عارمة من الفرح والحب، وفي جنبات جدران محروقة في سينما حمص المهدمة، انطلقت الحناجر تحيي حمص، والشهداء الذين كانوا سبباً في النصر، وعودة الغياب من السينمائيين السوريين، وهدرت الحناجر تهتف، كما كانت تهتف في المظاهرات: «ما في للأبد.. ما في للأبد غصب عنك يا أسد…».

أربعة أشهر من التحضير

لا شك أن مهرجان حمص السينمائي، بشعاره «نعيد الصورة والصوت والحياة»، إنجاز عظيم للمؤسسة العامة للسينما، رغم الإمكانيات الشحيحة، وقد استمرت التحضيرات للمهرجان ما يزيد على أربعة أشهر، تم فيها بعض الإصلاحات لسينما مدمرة ومحروقة، ومشاهدة قرابة مائة فيلم روائي أو تسجيلي قصير، ثم انتقاء ثلاثين فيلماً لعرضها ضمن المهرجان.

ونود أن نسجل هنا تحية كبيرة للجهود التي بذلها يزن النكدلي، مدير المهرجانات السينمائية في المؤسسة، ليتحقق هذا الإنجاز، ويزن هو ابن حمص وابن الثورة السورية، كما نثمن جهود جهاد عبده لجهوده وحضوره في كل فعاليات المهرجان.

والمهرجان، كما وعد القائمون عليه، هو المهرجان الأول للأفلام القصيرة في حمص، وسيستمر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *