لطالما شكّلت السخرية جزءاً أصيلاً من الذاكرة السورية. فمن النكات المتداولة في الحياة اليومية إلى الصحافة الساخرة التي دشنتها مجلة **المضحك المبكي** عام 1918، استخدم السوريون الضحك وسيلة لفهم واقعهم واحتماله ومقاومته. وخلال عقود حكم الأسد، أصبحت النكتة السياسية والكوميديا الساخرة، في الأعمال التلفزيونية والرسوم والكاريكاتير، مساحة للتنفيس عن القمع والبيروقراطية والخوف، حتى غدت شكلاً موازياً للسياسة. لكن علاقة السلطات بالسخرية بقيت ملتبسة. فبينما سمحت أحياناً بقدر من الكوميديا الموجهة، فإنها لم تتسامح مع السخرية التي تقترب من جوهر السلطة وهيبتها. فالنقد يقول للسلطة إنها مخطئة، أما السخرية فتقول لها إنها ليست مهيبة كما تدّعي. ولهذا تبدو النكتة أكثر إزعاجاً من كثير من المقالات والخطابات السياسية. بعد سقوط النظام، وجدت سوريا نفسها أمام نقاش جديد حول حدود الضحك والسخرية. فقد تعرضت منصات ومبادرات كوميدية، مثل «شارع» وفريق «استيريا» وحملة «هاتوا الفلوس اللي عليكم» للمخرج حسان العقاد، لانتقادات وهجمات واتهامات تجاوزت في بعض الأحيان حدود الاختلاف إلى التهديد والتخوين. والمفارقة أن بعض من يرفضون السخرية اليوم كانوا يتفاعلون معها عندما كانت تستهدف النظام السابق. لا يتعلق الأمر بالحكومات وحدها، بل بالمجتمع أيضاً. فعندما تصبح السلطة أو الفكرة السياسية جزءاً من هوية الفرد، يُنظر إلى السخرية منها بوصفها إهانة شخصية لا مجرد نقد. ولهذا تتحول النكتة أحياناً إلى ساحة صراع على الهوية والانتماء. ومع ذلك، فإن السخرية ليست خيراً مطلقاً؛ فقد تتحول إلى تنمر أو تحريض أو إقصاء. ويبقى التحدي في إيجاد توازن يحمي حرية التعبير ويمنع في الوقت نفسه استخدام الضحك للإساءة إلى الآخرين. في النهاية، لم تكن السخرية في تاريخ السوريين مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة للمقاومة والعزاء والقدرة على الاحتمال. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل يستطيع السوريون بناء فضاء عام يسمح بالاختلاف والضحك معاً، أم أن محرمات جديدة ستعيد رسم حدود ما يمكن قوله والضحك عليه؟
استمع للمقال
منصة إرادة، خليل سرحيل:
لطالما شكّلت السخرية جزءاً من الذاكرة السورية المنقولة عبر الأجيال. فقد تداول السوريون النكات في حياتهم اليومية، وسخروا من كل ما أثقل حياتهم؛ من الفقر والبيروقراطية إلى الفساد والخوف. لم تكن النكتة مجرد وسيلة للترفيه، بل طريقة لفهم الواقع واحتماله، وأحياناً لمقاومته.
في الزمن الحديث، بدأت الصحافة الساخرة مبكراً مع صدور مجلة المضحك المبكي في دمشق عام 1918 على يد الصحفي حبيب كحالة، الذي يعدّ من رواد الصحافة الهزلية في المنطقة. ومنذ ذلك الحين، ظلّت السخرية حاضرة في الحياة السورية، مروراً بفترة الاستقلال، ثم حكم حافظ الأسد الذي كان مادة لا تنضب للنكات السياسية، وصولاً إلى عهد بشار الأسد الذي قدم بشخصيته وصوته وطريقة ضحكه، مادة دسمة للسخرية، حتى بدا أن السوريين كلما اشتد عليهم القمع، ازدادوا إنتاجاً للنكات.
لكن السلطات البعثية، وعلى اختلاف هوامشها بين الأب والابن، حاولت دائماً احتواء السخرية لا القضاء عليها فقط. فهي إما تجرّمها، أو تعيد إنتاجها داخل قوالب رسمية لا تمسّ جوهر السلطة. وكأن الرسالة كانت واضحة: يمكنكم الضحك… ولكن على ما نسمح لكم بالضحك عليه.
ولهذا نجحت الدراما السورية في تقديم أعمال مثل مرايا وبقعة ضوء، حيث ظهر المسؤول الحكومي أو رجل الأمن أو الموظف الفاسد في عشرات اللوحات الساخرة. كان السوريون يجتمعون أمام شاشات تلفزيونات “سيرونيكس” ويضحكون على تلك الشخصيات، لكنهم كانوا يدركون أيضاً أن السخرية المسموح بها تختلف عن السخرية التي تقترب من مركز السلطة الحقيقي.
في إحدى أشهر لوحات “مرايا”، يطلب موظف حكومي من مواطن أن يتحدث بلغة الحيوانات حتى يوقّع معاملته. ضحك السوريون على عواء محمد الأحمد، لأنهم رأوا فيه صورة مكثفة للبيروقراطية التي عاشوها. وربما ساعدت تلك الكوميديا ملايين السوريين على احتمال واقعهم، لكنها لم تمنع استمرار الاستبداد. وكما لم تمنع آلاف النكات سقوط أي فرع أمني ولا خففت الرعب من أي عنصر مخابرات. بقيت النكتة وسيلة للمقاومة أحياناً، وللتنفيس والعزاء أحياناً أخرى.
لكن السؤال اليوم لم يعد متعلقاً بالنظام السابق، بل فينا كمجتمع يعيد تعريف الضحك كما يعيد تعريف ما هو مسموح وما هو محظور في الفضاء العام، وخاصة في الكوميديا والسخرية السياسية. فكل سلطة، حتى وهي في بداياتها، تحاول بناء صورة عن نفسها. وغالباً ما تكون هذه الصورة أهم لديها من الهيبة الحقيقية، لأنها مصدر الشرعية والثقة والخوف في آن واحد.
وهنا تكمن خصوصية السخرية. فالنقد يقول للسلطة: “أنت مخطئة”، أما السخرية فتقول لها: “أنت لست مهيبة كما تدّعين”. ولهذا تتحمل الحكومات أحياناً مقالات نقدية قاسية، لكنها تنزعج سريعاً من نكتة ناجحة أو رسم كاريكاتيري ذكي. فالسخرية لا تهاجم القرار السياسي فقط، بل تهاجم الصورة الرمزية التي تقوم عليها السلطة.
وهذا لا يقتصر على الحكومات. فالجمهور نفسه قد يصبح أقل قدرة على تحمل السخرية عندما يشعر أن السلطة أو المشروع السياسي الذي يؤيده أصبح جزءاً من هويته. عندها لا تُفهم النكتة باعتبارها نقداً، بل باعتبارها إهانة شخصية. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يحدث ذلك عندما يندمج الأفراد مع جماعة أو قضية إلى درجة يصبح فيها الهجوم على الرمز هجوماً عليهم هم أنفسهم.
ربما لهذا السبب تعرضت منصة “شارع” لهجوم واسع بسبب محتوى ساخر تناول الأوضاع بعد سقوط النظام، بينما كان الجمهور ذاته يتفاعل مع سخرية المنصة عندما كانت تستهدف نظام الأسد. والأمر نفسه تكرر مع فريق “استيريا” للستاند أب كوميدي، الذي تعرض بعض أعضائه لتهديدات بسبب نكتة فُهمت على نحو مختلف، كما حدث سابقاً في مصر مع برنامج باسم يوسف.
ومؤخراً، أثار اعتقال المخرج والمؤثر السوري حسان العقاد، صاحب الحملة الساخرة “هاتوا الفلوس اللي عليكم”، أسئلة مشابهة. فقد استخدم العقاد حسه الكوميدي للمطالبة بتنفيذ تعهدات مالية قُدمت لإعادة إعمار سوريا. وكانت الحملة ذاتها أكثر إزعاجاً من عشرات المنشورات الحقوقية أو المقالات التقليدية التي تناولت القضية نفسها. وكأن المشكلة لم تكن في المطالبة بالأموال، بل في الطريقة الساخرة التي جعلت الجمهور يضحك، وحولت المتخلفين عن وعودهم إلى مادة للتندر.
فالسلطات قد تتحمل النقد، لكنها تخشى السخرية، لأن السخرية تكسر الهيبة. أما الجمهور، فقد يخشاها لأنها تكسر صورة الجماعة التي ينتمي إليها.
لكن هذا لا يعني أن السخرية خير مطلق. فهي قد تتحول أيضاً إلى تنمر أو تحريض أو وسيلة لإذلال فئات ضعيفة. ولهذا فإن النقاش العالمي اليوم لا يدور حول حرية السخرية فقط، بل حول حدودها الأخلاقية. فمن جهة، برزت مفاهيم مثل “الصوابية السياسية” دفاعاً عن الفئات المهمشة ومنعاً لخطاب الكراهية، ومن جهة أخرى يرى كثيرون أن توسع هذه المفاهيم أدى إلى تضييق مساحة الفكاهة والنقد، بحيث أصبح مجرد إزعاج شخص ما سبباً كافياً للمطالبة بإسكات المتحدث.
ليست المشكلة في وجود خطوط حمراء؛ فكل مجتمع يمتلكها. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الخطوط غير واضحة، وتتغير بتغير موازين القوة، فلا يعود أحد يعرف ما الذي يمكن الضحك عليه وما الذي قد يقوده إلى حملة تخوين أو تهديد أو ملاحقة.
في هذا السياق، تبدو عبارة عضو فريق “استيريا” شريف الحمصي معبرة عن جوهر المسألة: “إذا فينا نضحك مع بعض، فينا نعيش مع بعض”. فالضحك المشترك ليس مجرد ترفيه، بل اختبار لقدرة المجتمع على قبول الاختلاف. وإذا كان السوريون قد وجدوا في النكتة، ورسومات علي فرزات، وكتابات محمد الماغوط، وأعمال بوعلي ياسين، وسيلة لمقاومة الخوف طوال عقود، فإن التحدي اليوم لا يكمن في إنتاج مزيد من الكوميديا، بل في قبول أن يضحك الآخر أيضاً، حتى عندما يكون موضوع النكتة هو السلطة التي نؤيدها، أو الجماعة التي ننتمي إليها، أو الأفكار التي نؤمن بها.
كتب حبيب كحالة في افتتاحية عودة مجلة المضحك المبكي عام 1962: “لأني لم أستطع أن أكتب ما أريد، ولا أقبل أن أُحمل على كتابة ما لا أريد، كسرت القلم واعتزلت.” ثم استشهد بقول أوسكار وايلد: “العبد الحقيقي هو الذي لا يستطيع أن يعبر عن رأيه بحرية.”
وربما تبدو هذه الكلمات، بعد أكثر من ستين عاماً، أقرب إلى وصف اللحظة السورية الراهنة. فالسؤال الحقيقي ليس إن كان السوريون سيواصلون الضحك، فهم لم يتوقفوا عنه يوماً، بل إن كانوا سيقبلون أن يكون الضحك حراً، لا موجهاً، ولا محكوماً بولاءات جديدة. فالمجتمع الذي يستطيع أن يضحك من نفسه، ومن سلطته، ومن مقدساته السياسية، هو غالباً مجتمع أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على حماية حريته من أي سلطة، قديمة كانت أم جديدة.
