إعداد: ضياء الصفدي
تحت أضواء المسرح، حيث تنعكس الإضاءة على وجهه وابتسامته التي لا تغيب، يقف تامر شلغين كأنه وُلد ليكون هناك. لا يبحث عن التصفيق بقدر ما يصنع حضوره الخاص، ذلك الحضور الذي يسرق الأنظار ببساطته وخفته وصدقه، ويحوّل النص المكتوب إلى مساحة من الضحك العفوي والفرح الحقيقي.
حين يرتدي دور “المهرّج”، أو يتقمّص شخصية “بابا نويل”، لا يؤدي تامر مشهداً عابراً، بل يمنح الجمهور لحظة مختلفة؛ لحظة تقول إن الفرح لا يحتاج إلى شروط كاملة، وإن الموهبة حين تكون صادقة تستطيع أن تتجاوز كل القوالب الجاهزة. في حضوره المسرحي، تبدو الإعاقة تفصيلاً صغيراً أمام طاقة كبيرة، وأمام قلب عرف كيف يحوّل التحدي إلى أثر.
في إحدى زوايا جمعية المعوقين جسدياً في السويداء، التقت “إرادة” الممثل المسرحي تامر شلغين، الشاب الذي يعاني من قصر قامة خلقي، والذي تتقاطع في حياته قسوة الظروف مع دفء الإرادة. من هناك تبدأ حكايته، حكاية شاب لم يقبل أن تُختصر حياته بعنوان واحد، ولم يسمح للإعاقة أن تكون نهاية الطريق، بل جعل منها نقطة انطلاق نحو المسرح، والغناء، والرياضة، والعمل، والعطاء.
تامر، ابن السادسة والثلاثين، والمنتسب إلى الجمعية السورية للمعوقين جسدياً، لم يكتفِ بمسار واحد في حياته. فتح لنفسه أكثر من نافذة على العالم، وكانت أولى هذه النوافذ التمثيل. اختار أن يقف أمام الكاميرا وعلى خشبة المسرح، لا بوصفه شخصاً يتحدى جسده فقط، بل بوصفه فناناً يريد أن يقول شيئاً، وأن يترك أثراً، وأن يثبت أن الحضور الحقيقي لا يُمنح للإنسان، بل يصنعه بإصراره.
شارك تامر في عدد من الأعمال الفنية مع مخرجين في السويداء، تنوعت بين أدوار قصيرة وأخرى رئيسية، كما خاض تجارب مسرحية متعددة راكم من خلالها خبرة لم تأتِ مصادفة، بل نتيجة تدريب ومثابرة ورغبة حقيقية في تطوير موهبته. وفي كل ظهور له، كان يتقدم خطوة إضافية نحو كسر الصورة النمطية، مؤكداً أن الفن مساحة مفتوحة لكل من يمتلك الشغف والقدرة على التعبير.
لكن التمثيل لم يكن سوى فصل واحد من حكايته. فقد وجد صوته طريقه أيضاً إلى الغناء، متأثراً بكبار الطرب العربي مثل وديع الصافي، وفهد بلان، ومحمد عبده، وسعدون جابر. شارك في مناسبات فنية واجتماعية مختلفة، حاملاً معه روحاً تجمع بين البهجة الشعبية وحسّ الفنان القريب من الناس. كما امتدت موهبته إلى الفنون التراثية، فحضر في الدبكة والمجوز، وشارك فرقاً فنية في إحياء هذا الإرث الشعبي الذي يشبهه في عفويته ودفئه.
وعلى أرض الملعب، تتبدل الصورة من المسرح إلى الرياضة، لكن الروح تبقى ذاتها. شارك تامر حارسَ مرمى في أول فريق سوري لقصار القامة، حاملاً معه شغف التجربة الأولى، وإصراراً لا يقل قوة عن حضوره الفني. هناك أيضاً، كان يؤكد أن الجسد لا يحدد حدود الحلم، وأن الرياضة مثل الفن، تستطيع أن تكون مساحة للثقة والانتماء.
ورغم تعدد مواهبه، يبقى الجانب الإنساني جزءاً أساسياً من شخصية تامر. فهو يشارك في نشاطات الجمعيات والمناسبات والأعياد، ويسعى إلى إدخال البهجة إلى قلوب الأطفال، خصوصاً في دور الرعاية. في تلك اللحظات، لا يكون أداؤه مجرد دور، بل فعلاً إنسانياً يزرع الفرح في المكان، ويمنح الأطفال لحظات من الدهشة والضحك والمحبة.
بعيداً عن الأضواء، يعمل تامر منذ سنوات في المشفى الوطني بمدينة السويداء، حيث يساهم في تسهيل معاملات المرضى، ويواصل في الوقت نفسه إعالة أسرته ومساندتها. بين المسرح والمشفى، بين الفن والعمل اليومي، تتضح ملامح شخصيته أكثر: إنسان لا ينتظر أن تفتح له الحياة الأبواب، بل يطرقها بإصرار وابتسامة.
بكلمات بسيطة، يختصر تامر فلسفته في الحياة قائلاً إن “إرادة الله فوق كل شيء، وعلى الإنسان ألا يستسلم لأي ظرف يمر به”، مضيفاً أن ما قد يُحرم منه الإنسان يمكن أن يعوضه بإنجاز يترك أثراً طيباً في الآخرين.
ومن يعرف تامر عن قرب، يرى فيه طاقة لا تهدأ. فبحسب رئيس فرع الجمعية السورية للمعوقين جسدياً في السويداء، نزار شجاع، يتميز تامر بروح مرحة، وحضور إيجابي، ومثابرة لافتة، وهي صفات جعلته يحصد لقب “نجم المهرجان الثامن”، لا باعتباره لقباً عابراً، بل اعترافاً بحضور صنعه بنفسه، وبأثر تركه في من حوله.
في قصة تامر شلغين، لا تبدو الإعاقة محور الحكاية، بل خلفيتها فقط. أما البطل الحقيقي، فهو الإرادة التي صنعت فناناً، وصوتاً، ورياضيّاً، وموظفاً معطاءً، وإنساناً يعرف كيف يحوّل كل ظهور له إلى رسالة: أن الفرح موهبة، وأن الحلم لا يحتاج جسداً مثالياً كي يكتمل.
