تيتناول النص حكاية غيثاء، الشابة التي تعاني من الشلل الدماغي منذ ولادتها، من خلال سرد شخصي يمزج بين الذاكرة العائلية والتأمل في نظرة المجتمع إلى الإعاقة. يبدأ الكاتب بالتوقف عند معنى كلمة «حكايا» بدلًا من «حكايات»، بوصفها تعبيرًا عن قصة لا تزال مفتوحة على الألم والذاكرة والأسئلة التي لم تجد أجوبتها بعد. يستعيد النص لحظة ولادة غيثاء في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، حين تعرضت لمضاعفات صحية أدت إلى إصابتها بالشلل الدماغي نتيجة تلف بعض خلايا الدماغ. ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلة طويلة من العلاج والبحث عن الأمل بين المستشفيات والأطباء والطب الشعبي والمزارات الدينية، من دون نتائج تُذكر. لا يقتصر السرد على الجانب الطبي، بل يسلط الضوء على الخرافات والأحكام الاجتماعية التي أحاطت بغيثاء وأسرتها. فقد راجت تفسيرات قاسية لإعاقتها، تراوحت بين ربطها بأفعال مزعومة في «حياة سابقة» أو تحميل والدتها مسؤولية ما حدث بسبب الحمل في سن متأخرة أو بسبب الأعمال الشاقة التي كانت تقوم بها أثناء الحمل. ويكشف النص كيف شكّلت هذه المعتقدات جزءًا من النظرة السائدة إلى الإعاقة، وكيف تحولت إلى عبء إضافي على الأسرة. في المقابل، يرسم الكاتب صورة مختلفة لغيثاء، تقوم على قدرتها على الحياة والإبداع. فرغم الصعوبات الجسدية التي تواجهها، تمكنت من اكتشاف موهبتها في الرسم باستخدام أصابع قدميها، لتبدأ رحلة فنية خاصة جعلتها معروفة لدى كثيرين من أبناء مدينتها. ويصف الكاتب اللحظة الأولى التي رسمت فيها وجهًا يشبه والدته، باعتبارها نقطة التحول التي فتحت أمامها باب التعبير الفني. وفي خاتمة النص، تتحول الحكاية إلى شهادة شخصية عن العلاقة العميقة التي تربط الكاتب بأخته غيثاء بعد رحيل الوالدين. فهي تواصل الرسم، بينما يواصل هو كتابة حكاياتها، لتبقى قصتها مفتوحة على الذاكرة والمحبة ومقاومة الصور النمطية المرتبطة بالإعاقة.
استمع للمقال
منصة إرادة، علي صقر:
هنا تقول اللغة، وعلى لسان الأديب الراحل حيدر حيدر، إن «الحكايات» ــ رغم التاء المبسوطة ــ لها نهاية، بينما «حكايا» تبدو كقوسٍ مفتوح على جرحٍ لم يندمل بعد، جرحٍ يظل مفتوحًا على احتمالات الألم والذاكرة.
أحيانًا تكون المرة الأولى هي المرة الأخيرة، وكأن البدايات ليست سوى خواتيم مفتوحة. ولن أطيل في التنظير. لماذا غيثاء؟
غيثاء من ذوي الإعاقة، وتعاني من الشلل الدماغي، وهو من أصعب أنواع الشلل؛ إذ تعمل أطرافها وحواسها بشكل لا إرادي. ومع ذلك، لم تفقد حاسة النطق، بل تتكلم بصعوبة، غير أن من يتعامل معها يوميًا يستطيع فهمها جيدًا.
أما الأمر الأكثر إدهاشًا، فهو قدرتها على التحكم بأصابع قدميها بحركات دقيقة تدعو إلى التعجب. وقد اكتشفت ذلك حين طلبت مني أقلام رسم خشبية ودفتر رسم. وكان لها ما أرادت.
ساعدتها في وضع القلم بين أصابع قدميها، ووضعت لها دفتر الرسم على طاولة مرتفعة قليلًا، لتبدأ أولى خطواتها بالرسم بالقلم الرصاص. وكانت المفاجأة الكبيرة لي ولوالدتي عندما رسمت وجهًا يشبه وجه أمي إلى حد بعيد.
ومن هنا بدأت رحلتها مع الرسم بالرصاص، ثم تلوين رسوماتها بالأقلام الخشبية. وكان ذلك وهي في الخامسة عشرة من عمرها.
تعرّفت إلى غيثاء يوم ولادتها، في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، حين زرتها في المشفى الوطني للتوليد. كان والدي يرافقني، ولا أعرف حتى الآن لماذا أخذني معه وأنا في بداية عقدي الثاني.
كانت كعصفور اللَّحو بلا ريش، نحيلة الجسد، زرقاء البشرة. وهنا تدخلت الممرضة مسرعة، ووضعت الأوكسجين على فمها، بينما كانت والدتي تراقب المشهد بقلق شديد.
همست أمي لوالدي: «طوال عمرنا، عندما يولد الطفل مزرقَّ البشرة، نربّت على جسده برفق لتتحرك الدماء في عروقه… فما الذي حدث؟»
وبعد فترة ليست قصيرة، هرولت الممرضة نحو غيثاء، ونزعت الأوكسجين عن فمها وسط معاتبة الطبيب لها.
فيما بعد، عرفنا أن غيثاء أخذت كمية كبيرة من الأوكسجين، ما أدى إلى تلف بعض خلايا الدماغ وأصابها بالشلل الدماغي.
وكعادة الأهالي، بدأ مشوار العلاج الطويل في مدينتي طرطوس، وبعد فشل محاولات العلاج فيها، بدأ البحث في المحافظات الأخرى، وكانت الأقرب حمص وطرابلس في لبنان، لكن دون جدوى.
طبعًا، إضافة إلى رحلة العلاج الروحاني عبر الطب الشعبي، وزيارة مقامات الأولياء والمزارات… وكل ذلك دون نتيجة.
وبما أن حالة غيثاء كانت نادرة في منطقتنا، ولا تزال حتى اليوم لا تتجاوز المئة حالة تقريبًا، فقد انطلقت الألسنة الطويلة تحكي «الحكايا» عن غيثاء.
فبعض رجال الدين كانوا يقولون إنها كانت في حياة سابقة إنسانة ظالمة، ولذلك وُلدت معاقة. بينما كان آخرون يؤكدون أن الاهتمام بها حسنة وبركة يؤجر عليها الإنسان.
ولم تسلم والدتي أيضًا من تلك الحكايات التي كانت تُنسج حولها وحول طفلتها الغريبة عن محيطنا.
فبعض النساء كنّ يتهامسن بأن سبب ما حدث يعود إلى أن والدتي أنجبتها وهي في أواخر الثلاثينيات من عمرها.
وكانت أخريات أقل حدة، فيقلن إنها وُلدت «مشوّهة» بسبب الأعمال الشاقة التي كانت تقوم بها والدتي أثناء الحمل؛ إذ كانت تحمل البلوك والبلاط، وتعمل في تصنيع أكياس الورق وغيرها من المهن القاسية.
وكانت مهنة تصنيع الأكياس الورقية هي الأخف وطأة؛ إذ كنا نجلب أكياس الإسمنت الفارغة، وننفض عنها الإسمنت، ثم تقوم أمي بقصّها إلى شرائح وطيّها ولصقها بواسطة الخبز المنقوع بالماء، الذي كان يُستخدم مادةً لاصقة.
أما مهمتي، فكانت وضع الأكياس على لوح خشبي، ثم أجلس فوقها ساعات طويلة بثقلي النحيل، حتى تأخذ شكل الكيس المطلوب.
في المقابل، كان والدي يستمتع بحكايات النساء اللواتي يقلن إن والدتي حملت بها في سن متأخرة، وكأن الأمر دليل على فحولته.
كما كان يعجبه حديثهن عن الجهد الكبير الذي كانت تبذله أمي أثناء الحمل.
لكن ما لم يكن يعجبه أبدًا هو كلام بعض رجال الدين الذين قالوا إن غيثاء كانت «ظالمة» في حياة سابقة، ولذلك خلقها الله معاقة.
وكان والدي يتساءل، ومن بعده أنا: وما ذنب من يرعاها ويهتم بها؟
فتأتي بعض الأجوبة القاسية لتقول إن من يرعاها ربما كان أقل ظلمًا!
وطبعًا، هناك كثير من حالات الإعاقة التي تُخفى داخل البيوت، وكأن أصحابها يخفون كارثة أو عارًا اجتماعيًا.
فبعض الأهالي يعتبرون الإعلان عن وجود شخص من ذوي الإعاقة في العائلة أمرًا معيبًا، نتيجة تراكمات طويلة من الخرافات والأفكار القاسية.
وقد صُدم كثيرون عندما عرفوا أن السيدة فيروز لديها ابن من ذوي الإعاقة يُدعى هلي، وقد توفي وهو في العقد السادس من عمره.
أما أنا، فكنت ومن حولي نصطحب غيثاء إلى كورنيش طرطوس، فنأكل الذرة والفول وغزل البنات، بينما كانت تتبادل الابتسامات مع المارة، وكثيرون كانوا يسلّمون عليها بحماس؛ لأنهم يعرفونها من خلال رسوماتها التي أنشرها عبر صفحتها الخاصة على فيسبوك.
رحل والدي ووالدتي، وبقيت أنا الأكثر قربًا من غيثاء وتفاعلًا معها.
هي ترسم… وأنا أكتب عنها وعن رسوماتها.
