الإرادة

من العكازات إلى منصة التتويج… حكاية نوار عامر

الخط

تحكي المقالة قصة نوار عامر، شاب من السويداء وُلد بشلل نصفي خلقي أثّر على حركته ونطقه، وجعل أبسط تفاصيل حياته اليومية مليئة بالتحديات. ورغم ذلك، واصل تعليمه بإصرار، رافضًا الاستسلام لظروفه الصحية. التحوّل الأبرز في حياته بدأ عندما قرر الالتحاق بنادٍ رياضي لتعلّم بناء الأجسام، في خطوة بدت للكثيرين مستحيلة. ومع التدريب المستمر وإرادته القوية، بدأ جسده يستجيب تدريجيًا، ليتمكن لاحقًا من رفع الأوزان والمشاركة في بطولة على مستوى محافظة السويداء، حيث حقق الفوز. وتسلّط المقالة الضوء على قصة نوار بوصفها رحلة تحدٍ وإعادة بناء للذات، تؤكد أن الإرادة يمكن أن تتجاوز القيود الجسدية وتصنع طريقًا جديدًا للحياة.

إعداد: ضياء الصفدي

في ذلك الصباح، كان شابٌ نحيل يتقدّم ببطء شديد نحو الباب الحديدي للنادي الرياضي، مستنداً إلى عكازين، بينما يسير أخوه إلى جانبه ممسكاً بذراعه بحذر، كأنهما يعبران طريقاً مليئاً بالاحتمالات الصعبة.

عند المدخل، توقّف قليلاً، رفع رأسه نحو اللافتة المعلّقة، ثم دخل.
لم يكن أحد يتوقع أن هذا الشاب، الذي يعاني من شلل نصفي خلقي ويكافح منذ ولادته لتحريك يده وقدمه، ويواجه صعوبة في النطق والمشي، سيصبح بعد أشهر قليلة منافساً في بطولة لبناء الأجسام… بل ومتوجاً فيها.

إنه نوار عامر، شاب بدأ حياته في مواجهة قاسية مع الجسد.
فمنذ طفولته، كانت أبسط التفاصيل اليومية تحتاج إلى جهد مضاعف. حتى الذهاب إلى المدرسة لم يكن مهمة عادية، بل رحلة تتطلب وجود والديه أو أخيه إلى جانبه. كانوا يرافقونه بحبّ وصبر، يساندونه في خطواته المتعثرة، ويزرعون فيه إيماناً صامتاً بأن الحياة لا تختصرها الإعاقة.

إصرار يتجاوز الألم

رغم التحديات الصحية، واصل نوار تعليمه بإصرار لافت، وحصل على الشهادة الثانوية بعلامات تؤهله لدخول كلية الحقوق. لكنه اختار الالتحاق بكلية التاريخ في جامعة قريبة من مكان سكنه، مراعاةً لوضعه الصحي.

غير أن الحلم الجامعي اصطدم مجدداً بحدود الجسد، إذ لم يسمح له وضعه الصحي بالاستمرار، فاضطر إلى التوقف، قبل أن يجد منفذً ًآخر عبر التعليم الافتراضي، رافضاً أن تكون العثرة نهاية الطريق.

حين بدأ التحدّي الحقيقي

لكن التحوّل الأكبر في حياة نوار لم يبدأ داخل قاعة دراسية، بل مع قرار بدا للكثيرين أقرب إلى المستحيل.

في أحد الأيام، قرر الذهاب إلى نادٍ رياضي لتعلّم بناء الأجسام.
تواصل مع المدرب وصاحب أحد الأندية الرياضية في مدينة شهبا، الكوتش بهاء شلغين، طالبًا المساعدة في التدريب.

يقول الكوتش بهاء:
“وصل نوار إلى النادي على العكازات، وكان أخوه يساعده على المشي. عندما رأيت حالته، شعرت بثقل المسؤولية، لأن وضعه كان صعبًا جداً.”

بدأت رحلة التدريب بحذر شديد.
لم تكن النتائج سريعة كما في القصص الخيالية، وكان التقدّم بطيئًا بالكاد يُلاحظ في البداية، لكن شيئاً واحدًا كان واضحاً منذ اليوم الأول: إرادة نوار.

إرادة عنيدة وصلابة نفسية نادرة جعلتاه يتمسّك بكل تمرين، وكل محاولة، وكل ألم عضلي جديد، وكأنها خطوة نحو نسخة مختلفة من نفسه.

الجسد الذي استجاب للأمل

مع مرور الوقت، بدأ الجسد يستجيب تدريجياً.
اليد التي كانت عاجزة عن الحركة أصبحت أكثر مرونة، والخطوات صارت أكثر ثباتاً، ثم جاءت اللحظة التي لم يكن كثيرون يتوقعونها: نوار بدأ يرفع الأوزان.

ولم يتوقف عند ذلك، بل راح يزيدها تدريجياً، متحدياً ذاكرة الجسد القديمة، ومؤكداً أن الحدود ليست دائمًا حيث نظن.

لاحقاً شارك في بطولة على مستوى محافظة السويداء، في إنجاز لم يكن مجرد مشاركة رياضية، بل إعلان انتصار شخصي على سنوات طويلة من الألم والقيود… وهناك، حقق الفوز.

أكثر من بطولة رياضية

قصة نوار عامر ليست عن بناء عضلات فحسب، بل عن إعادة بناء الذات من الداخل.
عن شاب قرر ألا يعرّف نفسه من خلال إعاقته، بل من خلال ما يستطيع أن يصنعه رغمها.

من العكازات إلى منصة التتويج، يكتب نوار فصلاً مختلفاً من الحكاية، فصلاً يقول ببساطة شديدة:

قد لا نختار أجسادنا…
لكننا نستطيع أن نختار كيف نواجه الحياة بها. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *