الإرادة

حين يبهت العالم مرتين: الصحة ليست تاجًا… بل استعارة مؤقتة

الخط

تكبيرات العيد تتصاعد من المآذن، وتزدحم الأسواق بالناس لشراء الثياب والحلوى وتحضيرات العيد، بينما تفوح رائحة المعمول والقهوة من البيوت، وتتزين المقابر بالزهور وأكاليل الآس والريحان. لكن خلف هذه الطقوس المبهجة، تعيش آلاف العائلات السورية عيداً مختلفاً؛ عيداً بلا قبور تزورها، ولا شواهد تحمل أسماء أحبّتها المفقودين. “أقسى أنواع الفقد أن تبحث عن قبر لتبكي عنده فلا تجد”، تقول لينا. ك التي فقدت والدها بعد اعتقاله، كما فقدت شقيقها خلال الحرب من دون أن تتمكن العائلة من معرفة مكان دفنهما. تضيف: “في الأعياد أتحسس قلبي وأقول: هما هنا”. أما حسام. خ، فيحاول أن يصنع طقساً بديلاً بعد فقد شقيقه، عبر توزيع الطعام والحلوى على المحتاجين، ثم الوقوف أمام صورته المعلّقة على جدار المنزل قائلاً: “كل شيء كما تحب… أنت بيننا دائماً”. في بعض المناطق السورية ظهرت مبادرات رمزية مثل “حدائق التين” في دير مار موسى وداريا وإدلب، حيث زُرعت أشجار تحمل أسماء مفقودين ومعتقلين، محاولةً منح العائلات مكاناً رمزياً للحزن والذكرى. تحوّل الإخفاء القسري خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أقسى المآسي في سوريا؛ فالمفقودون بقوا معلّقين بين الحياة والموت، بينما بقيت عائلاتهم محرومة حتى من حق الحداد. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحّة إلى سجل وطني للمفقودين ونُصب تذكارية تحفظ أسماءهم وذاكرتهم، لأن الذين لا قبور لهم يحتاجون أيضاً إلى مكان يحميهم من النسيان.

منصة إرادة، وسيم كناكرية

ضربة زكام. بهذه البساطة، فقدت السمع بشكل شبه كامل. أصبحت الأصوات تأتيني كأنها من خلف جدار سميك، وشعرت بخوف طفولي لم أشعر به منذ أن فقدت بصري قبل أكثر من عشرين سنة.

في تلك الأيام، فتحت كتاب ذكريات كنت أخفيه في عقلي، كتابًا طالما رجوت الله ألا أضطر لقراءته مجددًا. وفيه رأيت طفلًا يركض خلف البوكيمون، ثم رأيته يغمض عينيه فلا يفتحهما على العالم نفسه. ذلك الطفل كان أنا، وذلك الكتاب… اسمه حياتي.

لا أنكر أنني، وبالرغم من إعاقتي البصرية، كنت إلى حدّ ما أظن نفسي بمنأى عن الضربات القاسية. أستمع لقصص الآخرين ومآسيهم، أتعاطف معهم وأسعى لإيجاد حلول، ثم أحمد الله بيني وبين نفسي على نعمه. لم يكن تعاطفي سلبيًا، فأنا من الذين ضاقوا ذرعًا بالنظرة الدونية والشفقة الفارغة، لكن شعوري الخفي بالأمان لم ينكسر إلا حين خضت هذه التجربة.

كنت أظنه زكامًا عابرًا، مثل أي زكام، يأتي ويرحل بهدوء مشوب بالحمى والسعال، لكن زكامي لم يكن عاديًا؛ ففقد كان ينتقل من مكان لآخر: بدأ بالأنف، ثم انتقل إلى الحنجرة، وبعد ستة أيام انتهى به المطاف في الأذنين،، وهناك تغيّر كل شيء. شعرت بالخوف ذاته الذي عرفته في أول أيام فقدان بصري، ذلك الصباح الذي استيقظت فيه على عالم ضبابي… صباح تكرر الآن، كن هذه المرة بسماع أصوات بعيدة لمن أحب.

الطفل الذي أغمض عينيه فلم يعد يرى

في عام 2001، كنت طفلًا مثل باقي الأطفال، أحلم أن أكون الأفضل، أجمع البوكيمون، أو أنادي قاعدة الديجيتال لترسل لي صنديد أو جلمود. أتخيل نفسي وقد كبرت وأصبحت طيارًا أو طبيبًا أو رجل إطفاء. أحلام طفل يحملها أينما ذهبت. وأنا أركض في الحارات، أو أقود دراجتي بتهور بين الأزقة الضيقة في الشام القديمة، وأنا أراقب السماء ونجومها وأخاف أحيانًا أن تسقط فوق رأسي. 

أذكر ذات مرة أني رأيت رجلًا يمشي مستعينًا بعصا، فانشغلت به عن كل شيء، وسألت نفسي: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش دون أن يرى؟ أغمضت عينيّ، فلم أستطع أن أخطو خطوة واحدة، فاستغربت من قدرته على المشي. ولكن سرعان ما انشغل عقلي الغض باللعب واللهو مجددا، غير مدرك أن القدر يخبئ لي المصير ذاته بعد عامين.

درجات البهتان: حين يموت العالم على مهل

في عام 2003، اكتشفت عائلتي أنني لا أرى جيدًا. لم يشعروا بالقلق، فالأمر بدأ بسيطا: مثلي مثل غيري من الأطفال، سأذهب للطبيب ويصف لي نظارة، وسأعود كسابق عهدي. نظارة، وتنتهي المشكلة. لكن الطبيب قال شيئًا آخر: ضمور في العصب البصري، العين اليسرى لا ترى، واليمنى تسير في الطريق ذاته. صدمة لم يعي عقلي الصغير وقتها قسوتها، لأنها كانت مجرد كلام يحكى. ولكن نظرة الحزن والانكسار على وجه أهلي لن تمحى من ذاكرتي أبدا.

لم ينطفئ بصري دفعة واحدة، الأيام تمضي، والبصر يتراجع درجة درجة. الصورة تبهت تدريجيا، وعالمي يضيق مع كل درجة تنقص. تخلّيت عن الدراجة ثم عن الركض في الحواري وبعدها ألعاب الفيديو، وصرت سجين جدران منزلي. لم أعد أرى وجه أمي، بل أكتفي بصوتها المكتوم، ولم أعد أميّز ألوان ألعابي الصغيرة. كنت ألمس الجدران لأعرف أين أنا، صار العالم صفحة بيضاء، وأنا نقطة سوداء تتحرك بلا اتجاه.

العالم الذي استمعت إليه

لكن المعاناة لم تكن في فقدان البصر وحده، فأنا من منطقة شعبية ذات ثقافة عادية، وتلك، إن كنت لا تدري، صعوبة تضاف إلى جبل المصاعب. لا أحسد أهلي على موقفهم، فهم بين ألف ويل وويل: بين حزنهم على طفلهم الأصغر، وبين رغبتهم بتقديم أي شيء لذلك الطفل الجالس في الزاوية وحيدا، وبين ثرثرة بعضهم، ونصح بعضهم، وحذلقة بعضهم، وشماتة بعضهم.

وذلك الطفل الذي كان أنا، كان يجلس متأملا يسمع بأذنه عبارات مثل: “الحمد لله على الصحة التامة”، و”الله لا يبلينا”، و”أكيد في سبب”. كلمات كانت أثقل من الفقد نفسه، تسقط على طفل لم يكن يملك إلا السمع ليفهم العالم.

كلمات لا تحصى من محيط كان متنفسه الوحيد آنذاك الحديث والكلام فقط. محيط كان يظن أنه بمنأى عن أي مكروه وأي أذى. حين فقدت سمعي مؤقتًا، عدت إلى تلك النقطة من جديد. 

بين الظلام… والصمت 

أغلقت كتاب ذكرياتي بعد أيام قضيتها مكتئبا، شاعرا بالعجز. كيف لا وقد فقدت الحاسة التي كنت أعتمد عليها في معظم حياتي: السمع؟ تذكرت مرضى متلازمة أشر – تلك المتلازمة التي يفقد فيها المصابون البصر والسمع ليعتمدوا على اللمس فقط. ومتلازمة أشر تصيب واحدا من كل 10 آلاف شخص تقريبا، فجأة لم أعد أستبعد أن أكون ذلك الواحد.

لكنني لم أقبل البقاء في تلك الحالة. تذكرت الطفل الذي كان يجلس في زاوية الغرفة متأملا، وتذكرت أيضا أن ذلك الطفل استطاع أن يمشي في الظلام.

خرجت من بيتي معتمدا كليا على أمرين: عصاي البيضاء، والإحساس بالهواء الذي يصطدم بوجهي وجسدي. لم يكن الأمر سهلا، لكني حاولت. عدت إلى منزلي بصعوبة بالغة يومها، لكن تلك المحاولة أعادت إليّ شيئًا مهمًا: قدرتي على المواجهة، ثم تبادرت إلى ذهني أفكار وخواطر كثيرة.

الحقيقة التي نتجاهلها

لو أدرك الإنسان كم هو هش، لتغيّر الكثير من سلوكه. لكننا نعيش بوهم السيطرة، ونتعامل مع المرض والإعاقة كأنهما يحدثان للآخرين فقط. نسأل أنفسنا قليلًا: من يضمن أن يبقى كما هو؟ من يضمن ألا يستيقظ يومًا ليجد نفسه في موقع من كان ينظر إليهم بشفقة أو تجاهل؟

فبنو البشر، رغم هشاشتهم وضعفهم، يتعاملون بعجرفة مشبعة بالجهل مع معظم من يصاب بإعاقة أو مرض صحي، وكأنهم محصنون ومحميون منه، وضامنون أنهم سيقضون بقية أيامهم بأفضل صورة، على مبدأ: تلك الأمور البائسة تحصل لغيرنا، ليس لنا».

اسأل نفسك بصدق: لو فقدت غدًا سمعك وبصرك، كم شخصًا سيبقى إلى جانبك؟

اليوم، والحمد لله، عاد سمعي بشكل كامل، لكنني لم أعد الشخص نفسه. واستفدت أني خضت تجربة مؤلمة لم تكسرني، بل علمتني الكثير والكثير.

أدركت أن الصحة ليست تاجًا فقط، بل أمانة مؤقتة، وأن من يُمنح هذا التاج لا يحق له التفاخر به، بل عليه أن يشكر من أعاره إياه كل صباح، ويخاف عليه من أن يسلب في لحظة غفلة.

تساؤلات مشروعة

يا ترى، هل يضمن من يقيمون الوصاية علينا نحن ذوي الإعاقة من جهات حكومية وغير حكومية أن يبقوا بكامل صحتهم وسلامة حواسهم؟ هل سيقبلون بأن يمارس عليهم التهميش والإقصاء والوصاية ذاتها التي يمارسونها علينا؟

هل من يفصل الأشخاص ذوي الإعاقة اليوم من وظائفهم يضمن صحته، ولا يخاف من يوم يفصل فيه لذات السبب الذي كان يراه محقا؟

هل سيتنمر المجتمع أو يقصي بعضهم بعضا كما يحدث اليوم لو كانوا يدركون أنهم بحادث مفاجئ أو مرض نادر سيصبحون مواطنين من الدرجة الثانية، وسينظر إليهم بغض النظر عن معتقداتهم وانتماءاتهم كفئات أقل حظا أو شرائح مهمشة؟

أسئلة أرجو من كل شخص أن يجيب عليها بينه وبين نفسه، ويرى إن كان بإمكانه أن يضمن حتى النفس القادم الذي يستنشقه. وإن كانت الإجابة لا، فلنرحم أنفسنا وغيرنا من عجرفة وتكبر على بعضنا، متباهين بصفات أو قدرات لا نضمنها ولو لثانية واحدة.