لم تعد معاناة مرضى الصرع في سورية مرتبطة بالمرض نفسه بقدر ارتباطها باستقرار الدواء. خلال الفترة الأخيرة تصاعدت الشكاوى من نقص الأدوية المضادة للصرع وارتفاع أسعارها، ما حوّل علاجًا مزمنًا يمكن السيطرة عليه طبيًا إلى مصدر قلق يومي لآلاف المرضى وأسرهم. قبل عام 2011 كانت الصناعة الدوائية السورية تغطي معظم احتياجات السوق المحلية، لكن سنوات النزاع أدت إلى تراجع الإنتاج وارتفاع تكاليف الاستيراد واضطراب سلاسل التوريد. انعكس ذلك مباشرة على الأدوية المزمنة، ومنها أدوية الصرع التي تحتاج توفرًا دائمًا ولا يحتمل علاجها الانقطاع. تشير تقديرات حديثة إلى انخفاض توافر هذه الأدوية في القطاع العام، مقابل توفر نسبي في الصيدليات الخاصة بأسعار تفوق القدرة الشرائية لمعظم السوريين. هذا الواقع يدفع بعض المرضى إلى تخفيض الجرعات أو تأجيل شراء الدواء، وهو ما قد يؤدي إلى تكرار النوبات ومضاعفات عصبية يمكن تجنبها. تجربة “أم أيوب”، وهي أم لثلاثة أطفال، تعكس هذا الواقع. تحتاج علاجًا مستمرًا منذ طفولتها، لكن بعد فقدان زوجها عمله أصبحت كلفة الدواء عبئًا يصعب تحمله. تقول إنها اضطرت أحيانًا إلى تقليل الجرعات بسبب السعر، ما أدى إلى عودة النوبات بعد فترة من الاستقرار. من الناحية الطبية، يؤكد اختصاصيون أن الصرع مرض عصبي عضوي يمكن ضبطه لدى نسبة كبيرة من المرضى عند انتظام العلاج، ولا يؤثر بالضرورة على القدرات العقلية أو الإنتاجية. لكن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض، إضافة إلى هشاشة سوق الدواء، تجعل حياة المرضى أكثر تعقيدًا. في ظل هذه الظروف، يرى مختصون أن ضمان استمرارية الأدوية بأسعار مقبولة، وتوسيع خدمات التشخيص والمتابعة، وتعزيز التوعية المجتمعية، خطوات أساسية لحماية مرضى الصرع من تحوّل مرض قابل للسيطرة إلى أزمة صحية واجتماعية مستمرة.
استمع للمقال
منصة إرادة- مياس سلمان
لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا لدى كثير من مرضى الصرع في سورية كيف يسيطرون على المرض، بل كيف يحصلون على الدواء أصلًا. خلال الأشهر الأخيرة عاد ملف الأدوية المضادة للصرع إلى الواجهة بوصفه أزمة يومية متصاعدة، بين نقصٍ واضح في المؤسسات الصحية الحكومية، وارتفاع أسعار في السوق الخاصة يفوق قدرة شرائح واسعة من المرضى الذين يعتمد علاجهم على انتظام الدواء دون انقطاع.
تُظهر دراسات حديثة حول النظام الصحي في سورية أن الأدوية المضادة للصرع تُعد من أقل الأدوية المزمنة توافرًا مقارنة بغيرها من أدوية الأمراض غير السارية، نتيجة تراجع الصناعة الدوائية المحلية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واضطراب سلاسل الإمداد منذ سنوات النزاع. هذه العوامل جعلت مرضًا يمكن السيطرة عليه طبيًا يتحول لدى كثيرين إلى مصدر قلق دائم، لا بسبب المرض نفسه فقط، بل بسبب هشاشة الوصول إلى العلاج.
وبين الأرقام الطبية وتجارب المرضى، تتضح صورة أزمة مركبة تمسّ الصحة والاقتصاد والحياة الاجتماعية في آنٍ واحد.
“ليس مرضًا نفسيًا”… لكن المجتمع يعامله كوصمة
يوضح الدكتور سومر حمدان، اختصاصي الأمراض العصبية، أن الصرع “مرض عضوي عصبي” وليس مرضًا نفسيًا كما يعتقد البعض، ولا يعني تراجعًا في الذكاء أو الملكات المعرفية، أو القدرة على التعلم. كثير من المرضى يعيشون حياة طبيعية تمامًا عندما يكون العلاج منتظمًا، ويعملون ويدرسون ويقودون حياتهم دون عوائق تُذكر. ويشدّد الدكتور حمدان على ضرورة التفريق بين الصرع وبين حالات دماغية أخرى قد تترافق مع اختلاجات لكنها تؤثر على الإدراك لأسباب مختلفة.
ورغم هذا التوضيح العلمي، تبقى الوصمة الاجتماعية من أثقل أعباء المرض.. ليس لأن المرض يمنعهم من الحياة، بل لأن المجتمع — في لحظة النوبة تحديدًا — يتحول إلى جمهور: يحدّق، يعلّق، ينصح، يبالغ، ويقترح حلولًا شعبية، ثم يترك المريض وحده مع الإحراج.
“أبو أحمد” (اسم مستعار) يلخّص ذلك بجملة واحدة: “المجتمع لا يرحم”. يقول إنه يعيش حياة طبيعية مع الدواء، وقد تمرّ ثلاثة أشهر أو أكثر دون نوبة، لكنها حين تأتي، خاصة في الأماكن العامة، تجلب تعليقات وإرباكًا أكثر مما تجلب مساعدة.. يروي واقعة حصلت له في عرس أحد الأقارب: أصيب بنوبة أمام الجميع. زوجته متفهّمة وتعرف ما تفعل: ترفع رأسه قليلًا ليسهل التنفس، وتطلب من الآخرين الابتعاد. لكن الناس تلتف حوله: واحد يقول “الله يساعد”، وآخر يصرخ “إسعاف”، وثالث يقترح وضع “شحاطة” تحت الرأس.
يقول أبو أحمد إنه غادر الصالة فورًا، لا لأنه يحتاج مشفى، بل لأن ما يحتاجه عادة خمس دقائق راحة بعد النوبة.
“بعد النوبة أحتاج هدوءًا فقط، لكن نظرات الناس أصعب من النوبة نفسها”، يقول لهذا يفضّل أحيانًا تقليل مشاركته الاجتماعية، ليس خوفًا من المرض، بل من ردود الفعل.
الدواء: متوفر أحيانًا… غير مُتاح اقتصاديًا دائمًا
في دراسة عن توافر الدواء في سورية نشرت في المجلة العلمية (PLOS)، فإن انقطاع الأدوية المضادة للصرع (Antiepileptic Drugs – AEDs) تعتبر الأزمة الأكثر إلحاحاً التي تواجه المرضى وأسرهم في سورية اليوم. تشير الدراسة التي نشرت أوائل عام 2026 إلى أن أدوية الصرع سجلت أدنى معدلات توافر بين جميع فئات أدوية الأمراض غير المعدية، حيث لم تتجاوز نسبة التوافر في القطاع العام 19.1%. هذا النقص الحاد يدفع المرضى نحو القطاع الخاص، حيث تصل نسبة التوافر إلى 43.7%، ولكن بأسعار تفوق القدرة الشرائية لمعظم السوريين. في الحقيقة، لا ينهزم مريض الصرع أمام المرض نفسه، بل أمام “اقتصاد الدواء”.
يعود الانهيار في المعروض الدوائي إلى توقف الإنتاج المحلي بعد عام 2011. ومع دمار المصانع وارتفاع تكاليف استيراد المواد الخام، تعثرت الصناعة الدوائية المحلية في تلبية الطلب المتزايد على أدوية مثل حمض الفالبرويك (Valproic acid) والكربامازيبين (Carbamazepine). بالإضافة إلى ذلك، أدى عدم استقرار سعر صرف الليرة السورية، إلى لجوء المستودعات والمعامل إلى حجب الدواء للضغط من أجل رفع الأسعار الرسمية، مما خلق سوقاً سوداء مزدهرة.
تشخيص سريري… و”فيديو” من الأهل
جزء من ثقل مرض الصرع في سورية اليوم لا يتعلق بالدواء فقط، بل أيضًا بالتشخيص والمتابعة. بحسب الدكتور سومر، يبدأ التشخيص غالبًا سريريًا: اعتماد على وصف الأهل للنوبة، أو تصويرها بالفيديو ومشاهدة المقطع. ثم تُطلب فحوصات مثل الرنين المغناطيسي، ويأتي تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) كعامل مساعد مهم لتأكيد التشخيص، وتحديد مكان “البؤرة” إن وجدت، ولمراقبة ضبط العلاج.
لكن الواقع يضيف طبقة أخرى: حتى الفحوصات التي تبدو “أساسية” ليست متساوية جغرافيًا أو اقتصاديًا، خاصة خارج المدن الكبرى، ما يدفع بعض الأسر للاكتفاء بالوصف والتخمين، وبالتالي الوقوع في دوامة أدوية غير مناسبة أو جرعات غير دقيقة، أو انقطاع متابعة طبيب مختص.
حياة تبحث عن استقرار
رغم أن الصرع قد يحد أحيانًا من النشاط أو العمل أو الاستقلالية، إلا أنه لا يُصنّف دائمًا ضمن التصنيف الوطني للإعاقة. خبراء في مجال الإعاقة يشيرون إلى ضرورة التمييز بين المرض بحد ذاته وبين أثره الوظيفي: بعض المرضى يعيشون حياة طبيعية تمامًا مع العلاج، بينما يحتاج آخرون دعمًا إضافيًا بسبب تكرار النوبات أو آثارها.
رهف، 27 عامًا، بدأت أعراض الصرع لديها في سن الخامسة عشرة نتيجة سبب خلقي في الدماغ. استغرقت عملية ضبط الجرعات الدوائية نحو سنتين قبل استقرار الحالة.
اليوم لم تعد تعاني النوبات الحركية السابقة، لكنها تصاب أحيانًا بحالات شرود قصيرة لا تتذكرها بعد انتهائها. أسرتها تقول إن الاستقرار ممكن مع الدواء، لكن القلق يبقى دائمًا من فقدانه أو عدم القدرة على تأمينه.
قصتها تذكّر بأن الصرع ليس مرضًا واحدًا بنمط واحد، بل طيف واسع من الحالات، تختلف أسبابها واستجابتها للعلاج، لكنها تتفق في حاجتها لاستمرارية الرعاية.
حياة بين نوبتين
الصرع، في السياق السوري اليوم، ليس مجرد حالة عصبية تحتاج علاجًا. هو نقطة تقاطع بين الصحة والاقتصاد والثقافة والوصمة الاجتماعية. مرض يمكن السيطرة عليه طبيًا، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يغيب الدواء، أو ترتفع كلفته، أو تتراجع الخدمات الصحية، أو تستمر الصور النمطية.
يصادف اليوم العالمي للصرع 13 شباط، وفيما يخصص هذا اليوم للاحتفال بالاستقرار والسيطرة على النوبات، فإن كثير من المرضى في سوريا، يعيشون الحياة مع الصرع ليس كسلسلة نوبات فقط، بل إدارة مستمرة لاحتمال حدوثها. الدواء يمنح الاستقرار، لكنه ليس مجرد حبة دواء؛ هو شعور بالأمان، وقدرة على العمل، ومشاركة اجتماعية طبيعية.
في سورية اليوم، يعيش بعض المرضى هذا الاستقرار على حافة القلق: قلق من نقص الدواء، من سعره، ومن مستقبل الخدمات الصحية.
وربما هذا ما يلخص التجربة أكثر من أي رقم: المرض يمكن السيطرة عليه طبيًا، لكن السيطرة على الظروف المحيطة به ما تزال التحدي الأكبر.
