الإرادة

الجامعة السورية واختبار الدمج الحقيقي: بين الشمول الورقي والتحديات الواقعية

الخط

مدّدت وزارة التعليم العالي التسجيل على المفاضلة العامة للقبول الجامعي حتى 28 تشرين الأول، في خطوة شاملة جمعت التعليم العام والموازي ومفاضلة الطلاب العرب وغير السوريين، إضافة إلى مفاضلة خاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة. هذه الصيغة الموحّدة تُعدّ تطورًا إداريًا لملفّ ظلّ لعقود يتأرجح بين الاستثناءات والقرارات الجزئية. فحتى وقت قريب، كان قبول الطلاب من ذوي الإعاقة يتم عبر استثناء وزاري أو تسجيل مباشر في كليات محددة، قبل أن تُنشأ مفاضلة مستقلة تتيح لهم التنافس فيما بينهم. وتحدّد المفاضلة الحالية شروطًا دقيقة للقبول، منها تقرير طبي صادر عن لجنة جامعية تحدد نوع الإعاقة ودرجتها، إضافة إلى علامات دنيا لبعض المواد في اختصاصات مثل الرياضيات أو اللغات. ورغم التحسّن النسبي في التنظيم، ما تزال العقبات الميدانية تعيق الاندماج الجامعي الحقيقي. ففي جامعة دمشق، يدرس نحو 150 طالبًا كفيفًا في كليات مختلفة، ويتلقون دعماً من فريق “اقرأ بعيوني” وطابعات بريل خاصة، لكن بعض الكليات، مثل الشريعة، ما زالت تشترط وجود شخص مرافق أثناء الامتحان. أما في جامعة حلب، ورغم ضخامتها، فهي تفتقر للتجهيزات الملائمة. يبلغ عدد الطلاب ذوي الإعاقة فيها 39 طالبًا فقط، جميعهم من الذكور، ما يطرح أسئلة حول غياب النساء ذوات الإعاقة عن التعليم الجامعي في المدينة. وفي طرطوس واللاذقية، تراجع عدد المتقدمين من ذوي الإعاقة إلى امتحانات الثانوية إلى بضع عشرات فقط بعد أن كان بالمئات، نتيجة فقدان الامتيازات التي مُنحت سابقًا لجرحى الحرب. ورغم التحديات، تبقى نماذج مضيئة، مثل ميّاس عبد الله من طرطوس، الذي اختار دراسة المعلوماتية في الجامعة الافتراضية، مثالاً على أن الإرادة لا تُعاق، وأن التعليم ما زال أحد أكثر مسارات الكرامة والتمكين أهمية في سوريا اليوم.

منصة إرادة- مياس سلمان:

في إحدى قاعات التسجيل بجامعة دمشق، كان إياد، الشاب الجالس على كرسيه المتحرّك، ينتظر دوره لتسليم أوراق المفاضلة الجامعية. يحدّق في وجوه الطلبة من حوله ويبتسم بخجل، بينما يحاول بيده الواحدة تعديل ملفه الممتلئ بالتقارير الطبية والوثائق الرسمية. لا تختلف أحلام إلياس عن أحلام زملائه: أن يُكمل دراسته الجامعية، أن يعيش حياة طبيعية، وأن يجد لنفسه مكاناً في مجتمع لا يزال يضع الأشخاص ذوي الإعاقة في الهامش.
لكن الطريق إلى الجامعة في سوريا ليس سهلاً، بل يبدو أكثر وعورة حين تكون العتبات العالية بلا منحدرات، والمباني بلا مصاعد، والقوانين بلا تنفيذ فعلي.

ومع إعلان وزارة التعليم العالي عن تمديد التسجيل على المفاضلة العامة للقبول الجامعي حتى الثامن والعشرين من هذا الشهر، تفتح نافذة جديدة أمام الطلاب، بمن فيهم ذوو الإعاقة، الذين باتت لهم مفاضلة خاصة يطمحون من خلالها إلى الحصول على حقّهم الطبيعي في التعليم الجامعي.
فما الذي تغيّر هذا العام؟ وهل استطاعت هذه المفاضلة أن تُحوّل الشمولية من نصوص مكتوبة إلى واقع ملموس في القاعات والجامعات السورية؟

من الاستثناء إلى الحق المكتوب

مدّدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التسجيل على المفاضلة العامة للقبول الجامعي حتى الثامن والعشرين من الشهر الحالي، بعد أن بدأ التسجيل قبل نحو ثلاثة أسابيع. وتميّزت مفاضلة هذا العام بأنها شاملة وجامعة، إذ دمجت في إعلان واحد مفاضلة التعليم العام، والتعليم الموازي، ومفاضلة الأشخاص ذوي الإعاقة، ومفاضلة الطلاب العرب وغير السوريين، في مفاضلة واحدة.

خلال السنوات العشرين الماضية، كانت طرق قبول الأشخاص ذوي الإعاقة في الجامعات السورية متباينة. ففي البداية، كان الالتحاق بالجامعة يتم عبر استثناء خاص من وزير التعليم العالي يتيح للطالب الحصول على مقعد في إحدى كليات العلوم الإنسانية. ثم تطور الأمر ليصبح تسجيلاً مباشراً ضمن المسموح الدراسة بها للأشخاص ذوي الإعاقة، بغضّ النظر عن العلامة. ومع تزايد أعداد الطلبة من ذوي الإعاقة الراغبين في استكمال تعليمهم العالي خلال السنوات الأخيرة، استحدثت الوزارة مفاضلة خاصة ومستقلة للأشخاص ذوي الإعاقة يتنافسون فيها فيما بينهم، بشكل مستقل عن المفاضلة العامة.

شروط جديدة وتفاصيل دقيقة... فهل تفتح المفاضلة أبوابها للجميع؟

 تُخصَّص في هذه المفاضلة نسبة محددة من المقاعد في بعض الكليات للتفاضل عليها حصراً من قبل الطلبة من ذوي الإعاقة.
ففي كلية الحقوق بجامعة دمشق مثلاً، خُصصت ثلاثة مقاعد هذا العام لهؤلاء الطلبة. وفي حال تقدّم ثلاثة طلاب أو أقل، يتم قبولهم جميعاً، أما إذا تجاوز العدد ثلاثة، فيُقبل أصحاب أعلى العلامات فقط ضمن الفئة المتقدمة.

تضمّنت مفاضلة هذا العام إجراءات تفصيلية أكثر دقة من الأعوام السابقة.
فلم يعد بطاقة الإعاقة الصادرة عن مديريات الشؤون الاجتماعية كافية، بل يُشترط تقريرٌ طبي صادر عن اللجنة الطبية الجامعية المختصة، يحدّد بدقة نوع الإعاقة ودرجتها، ولا يُقبل الطلب دون هذه الوثيقة الرسمية.

كما نصّت التعليمات على أن لكل كلية نوعاً ودرجة إعاقة محددة يُسمح بالقبول فيها، إضافة إلى علامات دنيا لبعض المواد:

– في كليات الرياضيات والإحصاء الرياضي: يشترط الحصول على 360 علامة على الأقل في مادة الرياضيات، وتُقبل فقط الإعاقات السمعية بشرط أن لا تزيد نسبة الإعاقة عن  50%، أو الإعاقات الحركية في الأطراف السفلية أو والاعاقة الحركية العلوية الوظيفية بطرف واحد فقط.
– في كلية الأدب العربي: يحق لجميع الناجحين من ذوي الإعاقة التقدّم بشرط الحصول على 200 علامة على الأقل في اللغة العربية.
– في كلية الأدب الإنكليزي: يشترط الحصول على 150 علامة في مادة اللغة الإنكليزية.
– أما في كليات الحقوق والشريعة والعلوم السياسية: فيُقبل التقدّم من جميع فئات الإعاقة (الحركية، البصرية، السمعية) بشرط ألا تتجاوز نسبة الإعاقة 80%.

وقد نصت الشروط صراحة على أنه يحق للطالب من ذوي الإعاقة التقدم للمفاضلة العامة ومفاضلة التعليم الموازي ومفاضلة الأشخاص ذوي الإعاقة في مفاضلة واحدة. (المزيد من التفاصيل يمكن إيجادها في أوراق المفاضلة الرسمية، كما يمكنكم الاطلاع على الانفوغرافيك المبسط أدناه)

بين “بريل” وتحديات التعليم الجامعي؟

وفق معلومات حصلت عليها منصة إرادة، نجح 15 طالباً كفيفاً فقط في محافظتي دمشق وريفها هذا العام، ويستعدون لدخول الجامعة. كما يبلغ عدد الطلاب المكفوفين المسجلين حالياً في جامعة دمشق نحو 150 طالباً وطالبة موزعين على كليات: الأدب العربي، الحقوق، الشريعة، علم النفس، والتربية الخاصة.

تُقدَّم لهؤلاء الطلاب خدمات مساندة مقبولة من حيث المناهج، إذ يعمل فريق اقرأ بعيوني” التطوعي على تسجيل المحاضرات إضافة لوجود طابعتي لغة (بريل) يتم طباعة المحاضرات الخاصة بالمكفوفين من خلالها. كما تُؤمَّن لجان اكتتاب خاصة في معظم الكليات، باستثناء كلية الشريعة التي تُلزم الطالب الكفيف بإحضار شخص يكتب له أثناء الامتحان بشرط ألا يكون قريباً من الدرجة الثالثة، ما يشكّل صعوبة إضافية لبعض الطلاب في تأمين شخص متفرغ لهذه المهمة.

معاناة صامتة في حلب

تُعد جامعة حلب ثاني أكبر جامعة سورية من حيث عدد الطلاب وضخامة البنية التحتية، لكنها لا تزال غير مهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة بسبب قِدم مبانيها وغياب التجهيزات الملائمة.
وفي تصريح خاص لمنصة إرادة، ذكرت نائبة عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية أن عدد الطلاب ذوي الإعاقة في الكلية يبلغ 39 طالباً جميعهم من الذكور، ما يثير تساؤلات حول غياب الطالبات ذوات الإعاقة عن التعليم الجامعي الإعاقة في حلب وأسباب عدم وصولهم لمرحلة التعليم الجامعي؟.

يقول إلياس، وهو شاب يعاني من شلل دماغي ويستخدم كرسياً متحركاً أثناء دراسته للغة العربية في جامعة حلب:

“أنا لا أعيش أجواء الجامعة. فقط أقدم امتحانات لأسباب كثيرة أهمها أن البناء غير مجهز بطريقة جيدة كما لا يوجد حمامات يستطيع ذوي الإعاقة الحركية الوصول إليها بالإضافة إلا أجور المواصلات الغالية وعدم وجود بيئة اجتماعية متقبلة من طلاب الجامعة كلها أسباب تجعل حضور المحاضرات بالنسبة لي أشبه بالمستحيل.”

الامتيازات سقطت... والطموح تراجع

تشير المعلومات التي حصلت عليها منصة إرادة إلى أن عدد الطلاب من ذوي الإعاقة المتقدّمين لامتحانات الشهادة الثانوية لعام 2025 بلغ نحو 350 طالباً وطالبة فقط، على امتداد الجغرافية السورية.
وفي محافظتي طرطوس واللاذقية، لم يتجاوز عدد المتقدّمين أصابع اليد، مقارنة بالأعوام السابقة التي كان العدد فيها بالمئات. ويعود هذا التراجع إلى أن معظم المتقدمين سابقاً كانوا جيش النظام السابق الذين كانت تقدم لهم تسهيلات ودعم حكومي كبير ومنح جامعية خاصة لإكمال دراستهم، ولكن مع سقوط النظام وتراجع الامتيازات الممنوحة لهم، فقد كثيرون منهم الحافز لمتابعة التعليم، وبالتالي تراجعت أعداد المتقدمين من ذوي الإعاقة بهذه المحافظات بشكل كبير جداً.      

طلاب يدرسون خارج المفاضلة ويصنعون طريقهم الخاص

رغم ذلك، يبرز طلاب من ذوي الإعاقة يحصلون على علامات عالية ويغردون خارج السرب ويدرسون فرع جامعي بعيداً عن مفاضلة الأشخاص ذوي الإعاقة ويحققون نتائج رائعة ومميزة

من هؤلاء ميّاس عبد الله من طرطوس، وهو شاب يستخدم كرسياً متحركاً، حصل قبل ثلاث سنوات على 234 علامة واختار دراسة هندسة المعلوماتية في الجامعة الافتراضية السورية. يقول ميّاس:

“اخترت فرعاً يتناسب مع إعاقتي ويمنحني فرصة للعمل من المنزل. أعمل على تطوير مهاراتي في تصميم مواقع الويب، وأنصح كل طالب من ذوي الإعاقة باختيار اختصاص يتناسب مع قدراته ويفتح له باب العمل. أنا ضد فكرة الدراسة من أجل الشهادة فقط.”

في بلد أنهكته الحرب وتراجعت فيه البنى التعليمية والخدمات العامة، يعيش جميع سكانه ظروفاً استثنائية صعبة، فيما يختبر هذه الأشخاص ذوو الإعاقة هذه الظروف بطريقة مضاعفة تكاد تكون معركة بقاء يومية.

ويبقى الأمل قائماً بأن تتبنى وزارة التعليم العالي والجهات المعنية بخطط الإدماج رؤية شاملة تربط بين نوع الإعاقة، ومجال الدراسة المناسب، وفرص سوق العمل بعد التخرج، لضمان تعليم عادل وشامل للجميع.

شروط مفاضلة ذوي الإعاقة التفصيلية 2025

شروط القبول التفصيلية لمفاضلة ذوي الإعاقة 2025

منصة إرادة- بيانات مستخلصة من جداول المفاضلة الخاصة بالطلاب الحاصلين على الشهادة الثانوية

مقارنة العلامات الدنيا المطلوبة في المواد الاختصاصية

تصنيف القبول حسب نوع ودرجة الإعاقة (أمثلة)

الشروط المعقدة للإعاقة تم تبسيطها هنا ضمن ثلاث فئات رئيسية للقبول في الاختصاصات المختلفة.

القبول الواسع (≤ 80%)

👍

يشمل هذا النطاق معظم الإعاقات (السمعية، البصرية، الحركية) بشرط ألا تتجاوز نسبة الإعاقة 80%، ومفتوح لمعظم المتقدمين في الكليات النظرية.

  • أمثلة على الكليات/المعاهد:
  • الحقوق، الشريعة، العلوم السياسية.
  • الفلسفة، اللغة التركية، اللغة الفارسية.
  • المعاهد المتوسطة للعلوم الشرعية.

قبول متوسط (≤ 50%)

⚠️

يشترط غالباً ألا تتجاوز نسبة الإعاقة 50%، وينطبق على التخصصات العلمية أو التطبيقية التي تتطلب قدرات حسية أو حركية معينة.

  • أمثلة على الكليات/الشروط:
  • الرياضيات، العلوم، الإحصاء (مع حد أدنى للعلامة).
  • الاقتصاد وإدارة الأعمال.
  • الفنون الجميلة والتطبيقية.
  • الإعاقة السمعية (≤ 50%) والإعاقة الحركية بطرف واحد (مع شرط وظيفي).

قبول محدود (≤ 30%)

🚨

يقتصر على نسب إعاقة منخفضة جداً في البصر (لا تزيد عن 30%) أو يتطلب شروطاً حركية علوية أو سفلية محددة مرتبطة بالوضع الوظيفي (كطرف واحد).

  • أمثلة على الشروط:
  • إعاقة بصرية لا تزيد عن 30% (مع شرط درجتها).
  • إعاقة حركية علوية/سفلية بطرف واحد (مع شرط وظيفي).
  • قبول جميع المتقدمين (في بعض المعاهد المحدودة) بغض النظر عن النسبة.

🔍 تحديات الاختيار

إن تعقيد الشروط وتعدد المتطلبات (علامة المادة + نوع الإعاقة ونسبتها + الشرط الإضافي) يتطلب من الطالب تحديد رغباته بدقة عالية لضمان القبول الفعلي في الاختصاص المناسب لوضعه.