الإرادة

“عن الآباء والأبناء”: عندما يُولد الأطفال في معسكرات الموت

الخط

في فيلمه الوثائقي "عن الآباء والأبناء"، يعود المخرج طلال ديركي إلى سوريا متخفيًا كمصور حربي يدعم الجهاد، لينفذ إلى عمق "إمارة إدلب" تحت سيطرة جبهة النصرة. ما يقدمه ديركي ليس مجرد تسجيل لواقع العنف، بل وثيقة صادمة تحاول تفكيك بنية التطرف السلفي الجهادي من الداخل. يتتبع الفيلم حياة أبو أسامة، قيادي متشدد يربّي أبناءه على القتل والطاعة المطلقة، في بيئة تغيب عنها مقومات الحياة المدنية وتُستبدل بمعسكرات تدريب للأطفال، لا مكان فيها للرسم أو اللعب، بل للذبح باسم الشريعة. بعين حذرة وكاميرا صامتة، يكشف ديركي الأثر النفسي العميق على الطفولة: اضطرابات، اكتئاب، وسلوك عدواني، في ظل غياب شبه تام للخدمات الأساسية، خصوصًا التعليم وحقوق الطفل. الفيلم لا يكتفي بإدانة التطرف، بل يربط بين القاعدة وامتداداتها في داعش و"هيئة تحرير الشام"، مسلطًا الضوء على صراع النفوذ بين الفصائل المسلحة، وعلى الكلفة البشرية الهائلة التي يدفعها الأطفال. لكن ما وثّقه الفيلم لم يكن لحظة عابرة. ففي ظل صعود هيئة تحرير الشام إلى الواجهة، تعود صور الفيلم اليوم كتحذير مرعب مما يمكن أن يحدث حين تتحول الأيديولوجيا المتطرفة إلى سلطة حاكمة. ومع الأنباء المؤلمة عن مجازر طائفية طالت مدنيين في السويداء والساحل، تتزايد المخاوف من أن الخطاب الذي رأيناه يُغرس في الأطفال قد تمدد إلى البنية المجتمعية الأوسع، مهددًا التعايش، ومسخًا فكرة الوطن. رغم نجاح الفيلم عالميًا، وتكريمه في مهرجان ساندانس وترشيحه للأوسكار، إلا أن وجهة نظره تبقى ناقصة، حيث يغيب فيها الطرف الآخر من المعركة: نظام الأسد، مدعومًا بميليشيات طائفية لا تقل تطرفًا، ما يعكس استمرار انقسام السردية السورية بين استبداد الدولة وتطرف الجماعات.

منصة إرادة- أحمد ياسين

في بيئة هشة تغيب عنها ملامح الحياة الطبيعية كما نعرفها، يدخل المخرج طلال ديركي إلى محافظة إدلب متخفّياً بهوية مصوّر حربي يدعم الجماعات “الجهادية”، حاملاً كاميرته إلى قلب ما يُسمّى “إمارة إدلب”، حيث تتمركز جبهة النصرة – الفرع السوري لتنظيم القاعدة. بعد تهجيره القسري إلى ألمانيا، يعود ديركي لا ليحكي عن المنفى، بل ليضعنا أمام وثيقة صادمة، جدلية، وعنيفة، تحاول أن تفكّك بنية الجهاد السلفي العالمي من الداخل، عبر أحد أكثر مجتمعاته انغلاقًا وتشظّيًا.

في هذا الفيلم، عن الآباء والأبناء، لا نرى سوى الدمار والدم المسكوب على جبهات متعددة؛ فالقصف الروسي شبه يومي، والاقتتال يدور بلا انقطاع، تارة ضد النظام السوري، وتارة أخرى بين الفصائل نفسها، في سباق دموي على النفوذ. وسط هذا الركام، يتتبع الفيلم حياة أبو أسامة، قيادي في جبهة النصرة، وأب لأطفال يُربّيهم على أيديولوجيا الموت، ويصوّر لنا تفاصيل نشأتهم ضمن بيئة تُقدّس السلاح وتستخف بالحياة.

أبو أسامة ليس مجرد شخصية، بل هو صورة مجازية عن بنية الجهاد السلفي؛ قنّاص ومفكّك ألغام، يعلّم أبناءه أن الذبح والقتل باسم الشريعة طريق إلى الجنة. لا مساحة للرسم، ولا للتخييم، بل معسكرات عسكرية للأطفال، يُدرَّبون فيها على الذبح وتكفير الآخر. يغيب العنصر النسائي تمامًا في الفيلم، وإن حضر، فبصورة العنف ضده: رجْم، ذبح، وإجبار الطفلات على الحجاب، في مشهد يُلخّص الذكورية المتطرفة الممزوجة بالتكفير.

ليست هذه وثيقة عن التطرف فقط، بل هي دراسة نفسية غير معلنة عن أثر التربية الجهادية المنزلية على الأطفال. دون تعليق مباشر من المخرج، تتسلل الكاميرا إلى لحظات الانهيار النفسي والانفعالات الطفولية المكبوتة، لتكشف ما هو أبعد من التدريب العسكري: اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق، السلوك العدواني، والاكتئاب. في ظل غياب شبه تام للمجتمع المدني، وانعدام القطاعات الأساسية مثل التعليم وحماية حقوق الطفل، يتحوّل الطفل إلى أداة في مشروع حرب لا يرى فيه إلا مشروع “شهيد”.

الفيلم، الحائز على جائزة مهرجان ساندانس ومرشح لجائزة الأوسكار، جاء في لحظة تحوّل سياسي وتنظيمي مع تغيير اسم جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام، استمرارًا للتكيّف مع المشهد السوري المتغير، دون التخلي عن الراية الجهادية. في هذا السياق، يربط ديركي بذكاء بين تاريخ القاعدة في أفغانستان وانتقاله إلى الشرق الأوسط، متتبعًا جذور الإرهاب من تفجيرات برجي التجارة العالمي إلى تأسيس تنظيم داعش.

بين النصرة وداعش، تدور معارك شرسة على النفوذ، يحاول كل طرف استقطاب مقاتلي الطرف الآخر بالإرهاب حينًا وبالإغراءات حينًا آخر، معركة لم تنتهِ بانتهاء الفيلم، بل تستمر، حاملة معها جثث الطفولة التي لم تُولد أصلًا، وأطفالًا انتُزعوا من ملاعبهم إلى ساحات التدريب والقتال.

ورغم تعدد الجبهات، يبقى المشهد السوري غارقًا في الانهيار على صعيد الإنسان قبل البنى التحتية. فلا أفق لبناء هوية وطنية جامعة، بل تغيب تمامًا محاولات التعريف بالمستقبل، أو حتى السؤال عنه. عن الآباء والأبناء ليس مجرد وثائقي، بل نبوءة قاتمة عن الغد إذا ما استمر الحكم لجماعات مثل جبهة النصرة.

على مدى سنوات الثورة، أُنتجت العديد من الأفلام الوثائقية التي حاولت التقاط تعقيدات الواقع السوري، لكن غياب اهتمام شركات الإنتاج الكبرى ترك الساحة لصنّاع مستقلين. هؤلاء المجتهدون قدموا سرديات مختلفة، متباينة أحيانًا، لكنها كشفت عن جهل المجتمع السوري بنفسه، بتركيبته، وبتاريخه. لم تُصوّر سوريا فقط كضحايا نظام استبدادي، بل كمجتمع يعيش انقسامات حادة بين التطرف السلفي ونظام البعث الديكتاتوري.

يُحسب لطلال ديركي إخلاصه لمشروعه الفني والفكري، وإن أخفى، عن قصد أو عن وعي، الطرف الآخر من المعادلة – نظام الأسد، حليف إيران وروسيا، والذي استورد بدوره مقاتلين طائفيين لا يقلون تطرفًا عن أبطال الفيلم: الزينبيون، الفاطميون، وغيرهم من أدوات العنف المعاكس.

تتزايد اليوم المخاوف من أن ما صوّره “عن الآباء والأبناء” لم يكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ العنف السوري، بل مقدمة لما نشهده الآن من تمددٍ للفكر المتطرف في المشهد السياسي والعسكري، ووصول رموزها، إلى مواقع صنع قرار وتمثيل سوريا المستقبل.

وفي ظل الأنباء المقلقة عن مجازر طائفية تطال المدنيين في مناطق مثل السويداء والساحل، تعود مشاهد الفيلم كتحذير مبكر من مجتمع يتكوّن في العتمة: مجتمع أُقصيت منه النساء، وسُرقت فيه الطفولة، وتحوّل الدين فيه إلى سلاح، والأبوة إلى منظومة تعبئة عقائدية.

ما يقدّمه طلال ديركي بكاميراه الصامتة لا ينتهي بنهاية الفيلم، بل يستمرّ اليوم ككابوس واقعي، حيث يتسرب الفكر الجهادي من المعسكرات المغلقة إلى البنية الاجتماعية العامة، مهددًا فكرة التعايش، ومانعًا أي مصالحة مجتمعية محتملة.

فيلم “عن الآباء والأبناء” لا يروي فقط قصة أطفال في إدلب، بل قصة مجتمع كامل مهدد بالتآكل الداخلي، حين يُترك الأطفال فريسة للخطاب العنفي، وتُسحب الدولة والمجتمع المدني من مشهد الطفولة، ليحل محلهما التطرف والولاء الأعمى.

لا توجد قواعد ثابتة للحرب، ولا تعريف واحد لها. وكما يقول المثل، التاريخ يكتبه المنتصرون – وهو ما فعله النظام السوري والجماعات الجهادية معًا؛ كلاهما طمس الحقيقة وسحق الإنسان باسم السلطة أو الإيمان. غير أن الوثائق مثل فيلم ديركي استطاعت أن تروي جزءًا من الحكاية دون إذن المنتصر، بل بصوت الواقع ودموع الطفولة التي لم تجد من يحميها.