منصة إرادة: شيماء شريف
سمعت عن راشد من ابن أخي الذي يشاركه مقعده في الصف الأول. اعتدت أن أسترسل في الحديث مع أطفال العائلة؛ لأن الحديث مع كبارها غالبًا ما ينتهي بنهاية غير سعيدة. ولأنني أتعمد الحديث مع ابن أخي، لا أجد بداية أفضل من السؤال عن المدرسة والصف والمعلمة. لم أكتفِ بذلك، وبدأت أسأله عن زملائه، خصوصًا من يجلس في المقعد المجاور له، حتى قال لي ابن أخي عبارة عطلت نسج الحديث بيننا: “صديقي في المقعد يضع جهازًا على رأسه، وحجم رأسه كبير، ويتكلم بطريقة مختلفة”. هذه العبارة جعلتني أتخيل كائنًا آليًا. اشتعل الفضول في داخلي، وقررت أن أزور هذا الطفل الذي يضع جهازًا على رأسه.
عندما وصلت إلى العمارة التي يسكن فيها راشد، كان ينتظرني أسفل الدرج. بمجرد وصولي، بدأ يلتف حولي، يصعد الدرج قبلي فيسبقني، وعندما تزداد المسافة بيننا، يهبط الدرج مرة أخرى. كانت حركته من حولي مثل قطة أو حمل وديع. اكتشفت أن سبب ترقبه لزيارتي كان سوء فهم لطيف؛ فمعلمة راشد في الصف تحمل نفس اسمي، وعندما سمعني أتحدث مع خالته (زوجة أبيه) على الهاتف لاستئذانها لزيارة راشد، اعتقد أن معلمته هي من ستزور منزلهم.
راشد طفل يعاني من استسقاء دماغي منذ ولادته، وهو الآن في الثامنة من عمره. لا يزال يدرس في الصف الأول الابتدائي للسنة الثانية على التوالي في مدرسة آمنة الزهرية بدير الزور. انتقل قبل سنتين مع عائلته ليستقر في بيت العائلة الذي هجرتْه عائلته خلال سنوات الحرب. وبدأ رحلة التعليم الصعبة في مدينة لحق بها الدمار بنسبة 80%.
اكتشفت عائلة راشد مرضه وكان ما يزال جنينًا لم يبلغ شهره الثامن في بطن أمه بعد. أخبرت الطبيبة العائلة حينها بأن حياته ستنتهي مع ولادته، ولكن براعم الحياة نمت في جسده الهزيل ورأسه المتضاعف الحجم بسبب السوائل المتسربة في دماغه. عاش راشد محرومًا من العلاج أكثر من شهرين بعد ولادته. وبعد هزيمة تنظيم داعش الذي كان يسيطر حينها على ريف دير الزور، تمكن والداه من السفر إلى دمشق حيث تلقى راشد علاجاً متأخراً، وتم تركيب جهاز في دماغه لتصريف السوائل المتسربة داخل رأسه.
تخيلت رأس راشد وقد أصبح رأس مدينتي، دير الزور، بل أصبح رأس سوريا، وهو يتضخم ويكبر ويتراكم فيه القيح والدم والحزن إلى أن يجدوا منفذاً يخرجون ما تجمع في رأسه ببطء، دون أن يعرف أحد متى ينتهي سيل الآلام هذا. ألسنا جميعاً نملك جهاز راشد ونخفيه؟
يعيش راشد مع والده وجدته وزوجة والده التي يناديها “ماما”، أما والدته الحقيقية فقد انفصلت عن والده قبل أن يتم راشد عامه الثاني. على عكس النظرة السائدة عن زوجة الأب، فإن زوجة والد راشد تعتبره مع أخيه الذي يصغره بعام واحد طفليها اللذين لم تنجبهما من رحمها، تلبي جميع احتياجاتهما، وتحتضنهما بحنان أم وتربيهما بحزم.
عندما استقبلني راشد على السلم لم أعرفه، لم تكن هيئته كما وصف ابن أخي، كان مجرد طفل لطيف. لا أعرف ما الذي جعل طفلًا آخر يراه بتلك الصورة التي أخبرني بها ابن أخي، وكيف عرف بأمر الجهاز المثبت في رأسه طالما أن الجهاز غير مرئي. عندما دخلت إلى بيت راشد، شعرت بالدفء. الأقلام والدفاتر الموجودة في منتصف الغرفة ذكرتني بطفولتي، ورائحة الكعك المخبوز تنبعث من المطبخ. جدة راشد وعمته وعمه ووالده، الجميع احتفى بضيفة راشد. بدأت جدته تخبرني كم يحب راشد مدرسته، وكيف يجهز نفسه كل يوم للدوام، ولكن مدرسته لا توفر له ما يتناسب مع احتياجاته، بل لا تقدم له ما تقدمه لغيره من الأطفال. المعلمة التي تحمل اسمي تتجاهله دائمًا (وربما هذا سبب حماسه لقدومي). حتى الآن، لم يتعلم راشد الكتابة على الرغم من محاولات عائلته تدريبه، لكنه يحفظ شفويًا بشكل جيد. في المدرسة نفسها يضايق بعض الأولاد راشد، مضايقات تصل أحيانًا إلى حد العنف.
بسبب الظروف الاقتصادية المتردية في سوريا، تعجز عائلة راشد عن علاجه بشكل دائم. تخبرني جدته بأن راشد يجب أن يراجع طبيبه في دمشق كل ستة أشهر، لكن العائلة لا تمتلك القدرة على الالتزام بفترة العلاج ولا يسافر إلا في الحالات الاضطرارية. ومنذ سقوط النظام، أصبح السفر إلى دمشق بالنسبة لعائلة راشد أمرًا غير متاح بسبب الغلاء هناك الذي لا يخفى على أحد، ومحدودية دخل العائلة التي يعمل معيلُها سائق أجرة على دراجة نارية.
من خلال لقاء مع الدكتور سليمان يوسف، المتخصص في جراحة الأعصاب، قال: “مرض استسقاء الدماغ هو حالة طبية يزداد فيها السائل الدماغي الشوكي بشكل غير طبيعي، مما يؤدي إلى زيادة الضغط داخل الجمجمة. أما أسبابه فهي متعددة وتشمل عوامل خلقية، أو مكتسبة. أما الأعراض فتختلف بحسب عمر المريض وشدة المرض وتشمل صعوبات في التعلم والذاكرة والتوازن، وبالنسبة للأطفال زيادة غير طبيعية في محيط الرأس. ولكن العلاج الفوري المناسب يمكن أن يحسن نوعية الحياة التي سيعيشها المريض ويمنحه استقلالية أكبر وقدرة على تلبية احتياجاته الفيزيائية ذاتيًا، وبالتأكيد إهمال العلاج يعرض حياة المريض للخطر. يمكن علاج بعض الحالات دوائيًا إلا أن العلاج الأكثر شيوعًا هو إدخال نظام لتصريف السوائل في الدماغ، وهي عبارة عن أنبوب طويل مرن به صمام يحافظ على تدفق سوائل الدماغ في الاتجاه الصحيح وبالمعدل المناسب، ولكن من المهم الالتزام بالمتابعة مع الطبيب وتبديل نظام التصريف دوريًا”.
