الإرادة

بقرات حمصيات نازحات

عبد الكريم عمرين

استمرت معارك بساتين الوعر بحمص أسبوعاً كاملاً، كانت عنيفة، واستخدمت فيها كل أنواع الأسلحة. على الرغم من أنها المعركة الأولى بين ثوار الوعر وجنود القوات الحكومية.

دارت المعارك بين الثوار وقوات النظام في بساتين الوعر التي تبدأ من شارع نزار قباني، الذي يمتد من حي الغوطة وينتهي عند مطعم ديك الجن في منطقة الميماس، والتي تنتهي – أي البساتين- بمحاذاة شارع العمري أو الساروت، المختلف على تسميته، (الرئيس سابقاً) والممتد من المشفى العسكري حتى دوار مصفاة حمص.

التهبت بساتين الوعر بالقذائف (هاون ودبابات، وراجمات الصواريخ) وبطلقات (الدوشكا والشيلكا) عدا عن انهمار مطر غزير من طلقات رشاشات ال 500 والروسية.

وإزاء هذا الوضع الأمني المتدهور، كما يقولون في نشرات الأخبار، اضطر سكان البساتين إلى النزوح إلى منطقة الوعر السكنية الحديثة، فعائلة عبد الفتاح المكونة من 24 فرداً، الجد والجدة والأب والأم والأولاد، وأولاد الأولاد، نزحت تحت جنح الليل، وكذلك فعلت معظم العائلات، أما عائلة أبي فتحي فقد اضطرت للنزوح عصراً مع ثلاث بقرات.

شهدت مدينة حمص موجات نزوح كبيرة بين عامي 2012-2015

أراد فتحي الابن الأكبر أن تنزح العائلة ليلاً، فالليل أكثر أماناً للرحيل، وقد اتفق مع الثوار على أن يقوموا بتغطية نيرانية مناسبة لنزوحهم.

غضب أبو فتحي من ولده الأكبر، وكتم غيظه لساعة، لم يتوقف فيها عن لف سجائر تبغه، وعن التفّ بقوة بعد أن يبل ورق السجائر بلسانه ثم يمزقه بأسنانه، ويتفُّ كي لا يبقى في فمه ويدخل جوفه، ثم بدأ يحدّق في وجه ابنه فتحي، الذي كان يشرب شايه البارد بتؤدة منتظراً قرار والده..

–           تريد أن ننزح ليلاً يا أفندي؟!

–           طبعاً يا أبي، النزوح ليلاً أقرب إلى السلامة.

–           يا واطي، تريد أن تترك بقراتنا هنا؟!

–           يا أبي بقراتنا خطر علينا.

–           لك تفوه على هذه الخلفة العاطلة. شوف يا فتحي لن أتزحزح من هنا دون بقراتي. وأكون بريئاً من دين محمد، وعليَّ الطلاق بالثلاثة لو مشيت خطوة واحدة دونهنَّ. منيح هيك؟. لم يرد فتحي على سؤال أبيه الاستنكاري، وبقي منكس الرأس احتراماً، مضى وقت غير قليل، ثم أمام إصرار الأب الذي تجلى في صمته وتدخينه الشره وتفه رضخ فتحي لوالده. عصراً حملوا بعضاً من ثيابهم وأمتعتهم الشخصية.

كان أبو فتحي يفكر طوال الليل وجلّ الصباح وفترة الظهر باستراتيجية عملية النزوح، وقرَّر أن يكون في مقدمة الرتل، ووراءه تماماً البقرة الشقراء جداً، المدللة، والمدللة اسم أطلقه أبو فتحي على هذه البقرة الشقراء، لأنها هادئة دائماً، لا تأكل كثيراً جداً، وإذا ما أرادت أن تفرِّغ ما في أمعائها- أعزكم الله- انسلّت لوحدها إلى نقطة بعيدة، وتلفتت حياء وخجلاً وفعلتها، وعادت إلى الزريبة بهدوء. وهي مدللة فعلاً عند أبي فتحي ذلك لأنها تطيعه إلى حد بعيد وتنظر إليه باحترام، وإذا ما جاء وقت حلبها وقفت بهدوء وانصاعت بكل الرضا، وأعطت حليباً مدراراً دون أي تذمر أو شكوى.

المهم أن أبا فتحي سيكون في المقدمة تليه المدللة، ثم أم فتحي والأولاد الصغار وزوجات فتحي ومصعب وحسان وأولادهم، ومن ورائهم البقرة نفّوس، ونفوس لا يعجبها العجب ولا الصيام في رجب، تأكل كثيراً وتفعلها أينما شاءت، وتعطي القليل من الحليب، وتتعنّت وتغضب أثناء ذلك العطاء البخيل.

وراء نفّوس مباشرة ستكون الدرويشة، وهي البقرة الثالثة، والدرويشة هذه تأكل وسطاً، وتفعلها بحياء، تراها دائماً ساهمة شاردة، تحسبها مريضة ويسيل لعابها دائماً، ولا ترفع رأسها عن الأرض إلا فيما ندر، يقول عنها أبو فتحي: هذه من جماعة امش الحيط الحيط ويا رب سترك. وفي الخلف مشى فتحي ومصعب وحسان رجال العائلة.

    سار الموكب الرتل كما قرر أبو فتحي، ولعلع الرصاص، وأفرغ الثوار كل مخازن بنادقهم الروسية كرمى لأبي فتحي الذي احتضنهم لأيام في بستانه في أول معركة البساتين، إلى أن وصل الموكب إلى نقطة في شارع متفق عليه، وعند هذه النقطة وقف جرَّار زراعي بمقطورة مع سائقه كان ينتظر العائلة.

عمل أبو فتحي وأولاده على دفع البقرات باتجاه صندوق المقطورة، بعد أن وضعوا دفوفاً من الخشب بين المقطورة والأرض، كانت بحوزة السائق…

صعدت البقرات بسهولة ويسر وكنَّ سعيدات، وصعدت العائلة كلها إلى المقطورة. وبعد أن اطمأن أبو فتحي إلى تواجدهن جميعاً بأمان، جلس إلى جانب سائق الجرَّار وخاطبه باقتضاب

–           توكّل على الله…

أحياء الموت في حمص أصبحت خالية تماما من سكانها قبل سقوط النظام

هدر صوت محرك الجرَّار وتوغل في حي الوعر، الذي كان يغط في ظلام دامس بسبب قطع الكهرباء عنه من قبل الحكومة، واضطر السائق أن يطفئ مصابيح التراكتور، ويكتفي بإضاءة بيل جيب شاحب الإضاءة، أعطاه لأبي فتحي، ليوجهه هذا الأخير لإنارة متر أو أكثر قليلاً من الطريق الإسفلتي.

مدّ أبو فتحي يده إلى جيبه يتحسس حبة الفياغرا، التي أخذها من صديقه عبد الستار بعد نصيحة الأخير، ثم أخرجها ورمى بها إلى الرصيف، ونظر إلى الأفق ساهماً في رحلته تلك ومتوجساً، وانتبه إلى صوت سائق الجرَّار الذي رفع صوته..

–           الحمد لله على سلامتكم يا أبا فتحي.

–           الله يسلّمك… الله يسلّمك.

وصل الجرّار الزراعي ومقطورته وحمولته إلى ساحة جامع العز الذي لم يكتمل بناؤه بعد في الوعر، وهي ساحة ترابية أنشئت حديثاً على عجل، حيث أقيمت عدة دكاكين من صفيح على أطرافها وبمحاذاة شقق الوعر الحديثة ذات الشرفات الواسعة.

تجمهر الناس وجلَّهم من النازحين جاؤوا من أحياء حمص القديمة، ووقف شباب وصبايا الإغاثة المتطوعون يستقبلون الواصلين حديثاً ثم يأخذونهم إلى مراكز الإيواء التي أقيمت في المدارس والمساجد والكنيسة والمستودعات وبعض الشقق السكنية المنجزة أو على الهيكل.

على الشرفات قبالة الساحة، وقفت النساء المتشحات بالسواد مع أطفالهنَّ ليتفرَّجنَ على الوافدين النازحين، ويستذكرن بغصة وحرقة قصصهن في النزوح واللجوء والتشرّد، ويمسحنَ دموعهنَّ لفقد آبائهنَّ، أو أزواجهنَّ، أو أولادهنَّ موتاً، أو اعتقالاً أو فقداً لم يُعرف سببه.

نزلت عائلة أبو فتحي من المقطورة، كانت أم عبد الحسيب وأولادها وبناتها على شرفة منزلها الذي قُدِّمَ لها بلا أجر، كانت ترقب المشهد بحرقة.

دفع فتحي ومصعب وحسان الذين بقوا في المقطورة البقرات الثلاث، المدللة ونفّوس والدرويشة إلى الأرض، لكنَّ البقرات الثلاث رفضن النزول، النزوح، اللجوء.

تجمهر الناس أكثر فأكثر، وصار المشهد مضحكاً ومبكياً في آن معاً، خاصة وأن فتحي بدأ يضرب بغضب البقرات الثلاث، اللواتي رفضن النزول، النزوح، اللجوء.

كان أبو فتحي على الأرض وبجانبه ولده عبد الرحيم، سعيداً لموقف بقراته. وقرَّرَ بينه وبين نفسه أن يسمّيهن جميعاً بالمدللات، وأن يحذف من قاموسه تسمية نفّوس والدرويشة.

ضحك الناس لما رأواعناد البقرات ورفضهن النزول من المقطورة، والبعض حوقل وبسمل واستعاذ بالله، إذ اعتبر رفض البقرات النزول علامة شؤم، فبعض الحيوانات يشعر بكارثة على وشك أن تحدث، أو باقتراب أمر مفجع سيحصل قبل وقوعه.

وحدها أم عبد الحسيب المتشحة بالسواد كانت تبكي بكاء مرَّاً وتخاطب البقرات في سرِّها:

–           معكن حق، والله معكن حق، الموت ولا النزوح، اسألوني أنا.

اللوحة للفنان السوري نزار علي بدر