مادلين جليس
رقص السوريون أمس في الشوارع، كما رقصوا منذ خمسة أشهر عندما سقط نظام الأسد الذي جثم على سوريا أكثر من نصف قرن. العقوبات أيضاً تراكمت فوق صدر هذه البلاد لخمسة عقود. لم يسقط النظام السابق بسبب حزم العقوبات المتتالية، بل بفضل أرواح وآلام آلاف المعتقلين والشهداء. أما العقوبات فقد أسقطت ما تبقى من حياة السوريين الذين عاشوا في السنوات الخمس الماضية أزمة إنسانية واقتصادية خانقة، طالت الوقود، الكهرباء، الدواء وحتى رغيف الخبز.
بالأمس، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، الأمر الذي أثار ارتياحاً عارماً في الشارع السوري، وارتياحاً أكبر في الأوساط الاقتصادية التي استبشرت بتعاف اقتصادي يساهم في تحسين الأوضاع الإنسانية والمعيشية للشعب السوري بعد سنوات من المعاناة الاقتصادية.
هل سيترجم رفع العقوبات إلى تحسين فوري في حياة السوريين؟ وكيف يمكن تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي يستفيد منه الشعب؟
كيف ستتأثر حياة الناس اليومية؟
لم تكن العقوبات على سوريا وليدة الأزمة السورية التي بدأت مع بدء الاحتجاجات ضد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، والسوريون يرزحون تحت وطأة عقوبات قاسية، شملت قطاعات النفط والبنوك، إضافة إلى فرض عقوبات على عدد من المسؤولين السوريين السابقين.
منذ مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري عام 2004 وحتى عام 2019 صدر ثمانية أوامر تنفيذية عن رؤساء الولايات المتحدة لفرض عقوبات على سوريا، وعام 2019، صدر “قانون قيصر” الذي استهدف الأفراد والشركات التي تقدم التمويل أو المساعدة للرئيس السوري المخلوع، كما استهدف عدداً من الصناعات السورية، خاصة تلك المتعلقة بالبنية التحتية والصيانة العسكرية وإنتاج الطاقة، إضافة إلى فرض العقوبات على الكيانات التي تتعامل مع الحكومة السورية ووكالاتها العسكرية والاستخبارية.
قد يؤدي رفع العقوبات إلى تسهيل استيراد بعض السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والأدوية وقطع الغيار، مما قد يخفف من النقص ويرفع من مستوى توفرها في الأسواق المحلية. هذا بدوره يمكن أن يساعد في خفض الأسعار التي ارتفعت بشكل كبير وأثرت على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما سيسمح رفع العقوبات بوصول المعدات وقطع الغيار اللازمة لصيانة وتشغيل البنية التحتية الحيوية مثل محطات الكهرباء ومحطات المياه وشبكات الاتصالات. هذا يمكن أن يؤدي إلى تحسين في توفر الكهرباء والمياه وخدمات الاتصال التي يعاني منها الناس بشكل يومي.
ومن المتوقع أن يكون لرفع العقوبات تأثير إيجابي تدريجي على تدفق الاستثمارات المحتمل، وتوفير فرص عمل جديدة، وتسهيل التحويلات المالية.
مع ذلك، هذا القرار ليس عصا سحرية. التحسن الحقيقي في حياة السوريين يتطلب جهودًا متكاملة تشمل إعادة الإعمار التي تتطلب موارد ضخمة وجهودًا طويلة الأمد، ولا يرتبط ذلك بشكل مباشر برفع العقوبات، كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق الوضع السياسي المعقد والانقسامات الداخلية قد تعيق تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتوزيع الفوائد بشكل عادل. التأثير الحقيقي سيعتمد على كيفية إدارة الحكومة للموارد الجديدة والجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار السياسي وإعادة الإعمار.
تطبيع سوري-أمريكي
على الرغم من أن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا مسألة اقتصادية واجتماعية وتنموية إيجابية، إلا أنها قبل كل شيء قضية انفراج سياسي دبلوماسي فائق الأهمية، برأي الخبير الاقتصادي ورئيس هيئة الأوراق والأسواق المالية السابق، الدكتور عابد فضلية.
فهذا الانفراج، برأيه، يعكس النية والموافقة الأولية على تطبيع العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة الأمريكية، وهو أيضاً بمثابة ضوء أمريكي أخضر لدول الاتحاد الأوروبي وكافة الدول الأخرى لتحذو حذو ما أعلنه وسيعلنه الرئيس ترامب.
يرى فضلية أن أكثر القطاعات استفادة من رفع العقوبات هو قطاع الطاقة (النفط والكهرباء)، أي إصلاح وترميم محطات توليد الكهرباء، وقطاع البنية التحتية مثل الطرق والجسور، وقطاع الصحة، إضافة إلى قطاع التربية والتعليم. كما أن القطاع المصرفي سيستعيد تواصله واندماجه في القطاع المالي العالمي.
وسيفيد القرار أيضاً في دعم تنفيذ ما هو مخطط له في الموازنة العامة للدولة، من خلال إتاحة قروض ميسرة من البنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى، إضافة إلى قروض مساعدة من بعض الدول العربية (السعودية، قطر). كما سيستفيد قطاع البناء السكني، وخاصة فيما يخص إسكان آلاف العائلات التي تعيش حالياً في المخيمات، وكذلك دعم زيادة الرواتب والأجور في بعض القطاعات، لا سيما في القطاع الصحي وقطاع التربية والتعليم.
خطوة أولى
ويشير فضلية إلى أن قرار رفع العقوبات الاقتصادية، على أهميته، ليس الغاية النهائية، بل هو حجر الأساس لاتفاقيات التعاون الاقتصادي والعلاقات التشاركية الاستثمارية الإقليمية والدولية، التي تصب في مجملها في تعزيز جهود إعادة الإعمار وتسهيل التجارة الدولية.
كما أنه يمثل خطوة أولى في ترسيخ ما يمكن تسميته بمسك “الخيط الأساس” في مبادرة طريق الحرير، بحيث لا تنفرد الصين في السيطرة عليه، إضافة إلى عدد من المبادرات المشابهة التي أعلنتها الهند ومجموعة دول الـ”بريكس”.
ويؤكد فضلية أن رفع العقوبات هو مجرد خطوة أولى، لا بد أن تتبعها خطوات تسلسلية أخرى على المديين المتوسط والطويل. ومن هنا، ينوه بأن إيجابيات رفع العقوبات لن تقتصر على سوريا فقط، بل ستنعكس أيضاً على دول الجوار ودول الإقليم.
لكن الأهم في ذلك كله هو ما سيتتيحه هذا القرار من فرص استثمارية هائلة، في إطار متطلبات عملية إعادة الإعمار، للمستثمرين السوريين في الداخل والخارج، وللمستثمرين العرب والأجانب من مختلف دول العالم، مع اتساع فرص استثمارية شبه مفتوحة لشركات حكومية غير سورية.
تطبيع مالي
ومن المؤكد، كما يرى أستاذ كلية الاقتصاد، أن العلاقات الرسمية وشبه الرسمية والمؤسسية السورية مع نظيراتها الأجنبية ستشهد إعادة تفعيل وتحسين، إضافة إلى تطبيع العلاقات مع المؤسسات المالية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
وهذا، برأيه، يطمئن الجانب السوري من ناحية الحصول على قروض بشروط ميسرة، مما سيساهم بشكل كبير في إعادة ترميم البنى التحتية في مجالات عدة، أهمها الطاقة والنقل، خاصة أن الحرب تسببت بدمار هائل طال مقدرات البنية التحتية والإنتاجية الزراعية والصناعية، كما أنها كانت السبب الرئيسي في نزوح ملايين العائلات داخل البلاد، وهجرة الملايين للخارج.
وبالتالي، كما يؤكد فضلية، فإن الاستثمارات المطلوبة مستقبلاً هي تلك التي تصب في إطار إعادة الإعمار، أي قطاع التربية والتعليم والتدريب، والطرق والنقل، والإسكان وغيرها. فكل استثمار في واحد من هذه المجالات سيكون مربحاً تماماً، اقتصادياً واجتماعياً.
