الإرادة

مريض معلق بجهاز: الفشل الكلوي يهدد حياة الآلاف

منصة إرادة- مادلين جليس 

أمام بهو مستشفى الكلية في مجمع ابن النفيس، تنتظر زريفة حسن، أم إبراهيم، خروج ابنها محمد من جلسة غسيل الكلى. تروي أم إبراهيم قصة ابنها مع السمنة المفرطة وعدم استماعه لنصائح الأطباء في تخفيف الوزن ومراقبة مستوى سكر الدم. 

“كان الغسيل هو الحل الوحيد للحفاظ على حياة ابني، التي لا تزال مهددة حتى هذه اللحظة، في حال توقفنا عن إجراء غسيل الكلى له مرتين أسبوعيًا.”

تضيف أم إبراهيم إنها كادت تخسر ابنها خلال الشهر الأول بعد سقوط النظام، عندما فقدت المستشفيات العامة المواد الخاصة بغسيل الكلى، لكن مساعدة أهل الخير من جيرانها وأقاربها مكّنتها من إجراء الغسيل في مستشفى خاص، بتكلفة بلغت نحو مليون ليرة سورية. 

عشرات الآباء والأمهات والأبناء ينتظرون أمام الغرفة ذاتها في المستشفى نفسه، يشعرون بالآلام ذاتها ويتشاركون الأمنيات نفسها. هذه الأمنيات التي يتراجع سقفها باستمرار، فمن أمنية الشفاء بالحمية، إلى أمنية زراعة كلية، ثم الاكتفاء بأمنية إجراء غسيل الكلى مرتين على الأقل أسبوعيًا، لضمان استمرار الحياة الطبيعية والقدرة على الحركة وربما العمل، ليتراجع سقف الأمنيات إلى ضمان جلسة الغسيل خلال الأيام العشرة القادمة، لضمان البقاء على قيد الحياة في الأيام العشرة القادمة. 

عدد أجهزة غسيل الكلية في سوريا 642 جهازاً، معظمها قديم

أجهزة قليلة وقديمة

لم تتوقف معاناة آلاف مرضى الفشل الكلوي خلال سنوات الحرب، بسبب نقص التجهيزات الطبية والمواد الدوائية، وكان من المعتاد تأجيل الجلسات أو تقليل عددها دون سابق إنذار. اعتاد المرضى، خاصة في المحافظات، أن تتعطل أجهزة الغسيل فجأة، أو تُفقد المستحضرات الطبية اللازمة لعمل جهاز الكلية الصناعية، مما يؤدي إلى إلغاء الجلسات المجدولة أو تأجيلها لأجل غير معلوم، فيضطر المرضى للسفر إلى محافظة أخرى بحثًا عن جلسة تنقذ حياتهم. 

كان الشهر الأول بعد سقوط النظام كارثيًا على معظم المرضى، إذ خرجت العديد من المستشفيات العسكرية من الخدمة، وتوقفت جدولة الجلسات في مستشفى الكلى بدمشق تمامًا خلال شهر كانون الأول، وكذلك في مستشفى طرطوس المركزي، فيما بقيت خمسة أجهزة فقط تعمل في مدينة حمص، وكذلك في درعا، حيث تدخلت عدة جمعيات خيرية لضمان استمرار الجلسات. أما في حماة، فقد توقفت معظم أجهزة غسيل الكلى في المستشفى الوطني، وما زالت متوقفة حتى اليوم، بسبب عدم توفر قطع الغيار. 

تقول منى، وهي ترافق أختها غير القادرة على الكلام من الألم: “تخيَّل أن تنتظر 12 ساعة على كرسي المستشفى كي لا تفقد دورك، بينما يحمل جسدك 3-4 ليتر من السوائل السامة التي يريد التخلص منها. جميعنا هنا متعلقون بجهاز، نرجوه ألا يتعطل، وأن يمنحنا فرصة حياة أطول.”

وتبلغ تكلفة جلسة الغسيل 15 ألف ليرة في المستشفيات الحكومية، وعلى الرغم من تواضع هذا المبلغ، فإنه يشكل عبئًا على ذوي الدخل المحدود، خاصة الذين يحتاجون إلى غسيل الكلى مرتين أسبوعيًا أو أكثر، أي ما يعادل 120 ألف ليرة شهريًا، في حال لم يحتج المريض إلى جلسة غسيل إسعافية بتكلفة 300 ألف ليرة، ضمن القسم الخاص بالمستشفيات العامة، عدا عن أجور التنقل والأدوية وغيرها، مما يجعل عبء الاستطباب ثقيلًا على كل مريض بالفشل الكلوي. 

لكن العبء الأكبر هو أن العديد من المرضى يضطرون مرغمين إلى اللجوء للمستشفيات الخاصة بين حين وآخر، حيث تكلف الجلسة الواحدة ما بين 800 ألف إلى مليون ليرة سورية، وهو مبلغ مرعب مقارنة بمتوسط الدخل السوري، ومن الصعب تأمينه من قبل المرضى الذين يحتاجون ما بين 5 إلى 6 جلسات شهريًا، مما يعني أن التكلفة الشهرية قد تصل إلى 6 ملايين ليرة، أي ما يقارب 600 دولار، إذا أُجريت جميع الجلسات في القطاع الخاص فقط. 

وفي ظل وجود الأعداد الكبيرة للمصابين بالفشل الكلوي، يلجأ عدد لا بأس به من المرضى لجلسات الغسيل في المشافي الخاصة، أو البحث عن الجمعيات الخيرية التي تعتمد على الأدوار أيضاً، وبالتالي يعود المريض للدائرة ذاتها والاختيار بين خيارين أحلاهما مر، فإما انتظار الدور واليقين أن “الأعمار بيد الله” أو الاتجاه لمشفى خاص ودفع “مافوقه وتحته” ليضمن استمرار حياته.

محطة التحلية قيد الصيانة حالياً في قسم الكلية الصناعية في مشفى حماه الوطني

في دائرة الخطر

حتى الآن، طرقت ابتسام عيسى باب ثلاث جمعيات، لكن جميعها أعطتها مواعيد بعد شهرين أو أكثر، في حين يحتاج والدها إلى غسيل الكلى خلال عشرة أيام، دون قدرة مالية لإجراء الجلسات في القسم الخاص بالمستشفى، حيث تكلف كل جلسة قرابة مليون ليرة.

تتحدث ابتسام عن معاناتها في تأمين تكاليف علاج والدها، خاصة أن حالته الصحية لا تسمح له بالانتظار لأشهر حتى يحين دوره في المستشفيات العامة.

تشير ابتسام إلى مقعد بجوارها، وتقول بأسى: “هنا كانت تجلس امرأة خمسينية تعرفت عليها أثناء تسجيل دور الغسيل لوالدي. كانت دائمًا متعبة ومرهقة، ومع ذلك كانت مستعدة لتحمل تعب مضاعف في سبيل علاج ابنتها العشرينية. الآن، لم تعد الخالة سمر بحاجة للانتظار، فقد فارقت ابنتها الحياة بعد أن عجزت عن تأمين تكاليف جلسة غسيل في مستشفى خاص.”

لا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد السوريين الذين يموتون نتيجة الفشل الكلوي النهائي، لكن الرابطة السورية لأمراض وزرع الكلى قدرت في إحصاءاتها السنوية لعام 2023 أن عدد الأشخاص الذين يعانون من الفشل الكلوي المزمن في سوريا وصل إلى 3000 شخص، يحتاجون بمعدل ثلاث جلسات غسيل كلى أسبوعيًا، مع احتمالية زيادة العدد إلى 5000 بسبب وفاة بعض المرضى قبل الوصول إلى الطبيب أو المخابر المتخصصة لتشخيص حالتهم.

بالإضافة إلى هؤلاء، هناك حوالي 2000 مريض بالفشل الكلوي الحاد، يحتاجون إلى جلسة أو جلستين أسبوعيًا. ومن بين كل مليون سوري، يصاب ما بين 65 و70 شخصًا بالقصور الكلوي النهائي سنويًا، فيما يحصل 14 شخصًا فقط على فرصة لزراعة كلية كل عام.

ووفقًا لإحصائيات وزارة الصحة الصادرة الشهر الماضي، يبلغ عدد أجهزة غسيل الكلى في جميع المحافظات السورية 642 جهازًا، لكن المشكلة تكمن في أن كثيرًا منها قديم وكثير الأعطال، بل إن بعضها تجاوز عمره الافتراضي ويحتاج إلى الاستبدال.

ومن الملاحظ أن مرض الفشل الكلوي، المعروف بـ”القاتل الصامت”، قد تفاقم في سوريا خلال العقد الماضي. وحسب الدكتور عمار الراعي، المدير الطبي لمشفى المواساة، هناك 10 مرضى جدد لكل 100 ألف سوري سنويًا، أي ما يعادل حوالي 2000 مريض فشل كلوي جديد سنويًا.

ويعود السبب الرئيسي في ارتفاع معدل الإصابة إلى تلوث المياه، يليه مرض السكري، ثم الإفراط في تناول المسكنات والعقارات المهدئة، والتي تؤثر بشكل مباشر على وظائف الكلى.

ومن الجدير بالذكر أن معظم المعتقلين الذين خرجوا من السجون بعد سقوط النظام تم تشخيصهم بالفشل الكلوي، وفقًا لتصريحات سابقة للدكتور طلال اليوسفي، المدير الطبي لمشفى الكلى الجراحي.

معاناة قديمة ومستمرة: اعتصام عام 2021 للمطالبة بإنقاذ مرضى الفشل الكلوي

كيف يُجرى غسيل الكلى للمريض؟

في الحالة الطبيعية، تقوم الكلية السليمة بتنقية الدم من الفضلات والسوائل الزائدة، ثم ترسلها إلى المثانة ليتم طرحها أثناء التبول.

أما في حالة الفشل الكلوي، حيث تكون الكلى غير قادرة على أداء وظيفتها إلا بنسبة 10 إلى 15%، يتم اللجوء إلى جهاز غسيل الكلى ليحل محل الكلى ويؤدي وظيفتها في تنقية الدم من الفضلات.

ومن الجدير بالذكر أن غسيل الكلى ليس علاجًا للفشل الكلوي، بل هو وسيلة لمنع تراكم الفضلات في الدم، مما قد يؤدي إلى التسمم أو إلحاق الضرر بأعضاء أخرى في الجسم.

أكثر أنواع غسيل الكلى شيوعًا هو غسيل الكلى الدموي، حيث يُمرَّر دم المريض عبر أنبوب إلى جهاز يحتوي على فلتر لتنقيته، ثم يعود الدم المنقى عبر أنبوب آخر إلى جسم المريض.

تستمر جلسة غسيل الكلى ما بين 3 إلى 5 ساعات، وتُجرى ثلاث مرات أسبوعيًا.

بارقة أمل

يبرز مستشفى الكلى الجراحي كأول مستشفى يقصده المرضى في سوريا، لا سيما أنه شهد في الشهرين الأخيرين حالة من التجديد والاهتمام، مما جعله يتفوق على باقي المستشفيات في تقديم الخدمات. 

يؤكد الدكتور معتز شحادة، رئيس قسم الجراحة البولية والكلى في مستشفى الكلى الجراحي، أن حالة المستشفى تحسنت خلال الأشهر القليلة الماضية، في ظل الدعم الذي تقدمه السعودية وقطر وتركيا، والعمل على إصلاح الأجهزة الطبية وتجديدها، مما رفع قدرة المستشفى على استيعاب المرضى، وساهم في توفير العلاج اللازم لهم. 

وأشار شحادة إلى أن إصلاح الأجهزة وتوفر المواد الطبية ساهما في تقليل مدة الانتظار لغسيل الكلى، فبعد أن كان المرضى ينتظرون أكثر من 200 مريض قبلهم، لفترة تصل إلى ثلاثة أشهر، أصبح اليوم عدد المنتظرين 70 مريضًا فقط، بمدة لا تتجاوز أربعة أسابيع، مع توفير جلسات إسعافية للحالات الطارئة. 

وعلى الرغم من تأكيده على عدم وجود إحصائيات دقيقة لعدد الإصابات بأمراض الكلية سواء ممن يحتاجون للزرع أو لغسيل الكلية، إلا أن الدكتور شحادة يؤكد أن قسم الأطفال في المشفى يغطي سورية بالكامل، ويصل استيعابه لـ 34 سريراً، ويتكون مشفى الكلية الجراحي من ثلاثة أقسام جراحة كلية داخلية كلية وغسيل كلية وأطفال كلية وقسم العناية والعمليات 24ساعة على مدى أيام الأسبوع.