إعداد: كريم خربوطلي
هل يمكن للأشخاص ذوي الإعاقة أن يكونوا جزءاً فعالاً في بناء سوريا المستقبل؟ وكيف نضمن أن حقوقهم ليست مجرد وعود، بل واقعاً ملموساً؟
هذه الأسئلة كانت في صلب النقاش خلال اللقاء التشاوري الذي دعت إليه الرابطة الحقوقية لذوي الإعاقة، سعياً للوصول إلى مجتمع أكثر شمولاً وإنصافاً.
اللقاء الذي عقد مؤخراً في مقهى الروضة بدمشق بحضور ناشطين ومهتمين بقضايا الإعاقة يعتبر من اللقاءات الأولى لذوي الإعاقة التي بدأت تُعقد في ظرف سياسي جديد. وكما بدأت عموم شرائح المجتمع السوري باستجماع نفسها لمواكبة التطور الحاصل، بدأ مجتمع ذوي الإعاقة بتجهيز أوراقه لطرحها في قادم الأيام، وذلك منعاً لتكرار تجربة الواقع المتردي الذي كان يعانيه في ظل النظام السابق، متمسكاً بأي بصيص أمل لواقع أفضل في سوريا الجديدة.

ما هي الرابطة الحقوقية لذوي الإعاقة؟
تقدم الرابطة نفسها على أنها هيئة مستقلة بدأت بتشكيل نفسها بعد سقوط نظام الأسد حيث عقدت اجتماعها التمهيدي عبر الانترنت في مطلع عام 2025 ورغم أنها رسمياً ما زالت قيد التأسيس إلا أنها بدأت نشاطاتها مؤخراً من خلال تنظيمها لوقفات عدة في المحافظات السورية طالبت فيها إشراك ذوي الإعاقة في صنع القرار السوري الجديد.
الخوف من تكرار التجربة السابقة
الناشط في مجال ذوي الإعاقة المهندس علي أكريّم، أحد مؤسسي الرابطة وهو من أصحاب الإعاقة الحركية، يقول: طوال حياتنا كنا نحلم بوجود جهة تمثلنا وتجمعنا، جهة قادرة على الدفاع عن حقوقنا بوجه أي تقصير أو خلل. فسلطة النظام البائد كانت تستأثر بملف ذوي الإعاقة لنفسها وتحتكر الوصاية عليه لتمارس جل أنواع الفساد والتقصير بحقنا. لذلك قررنا تشكيل هذه الرابطة لنقوم من خلالها بدراسة واقع ذوي الإعاقة وكشف الخلل فيه، إضافة لمد جسور التعاون والتنسيق بين الجهات المعنية، وأن تقوم الرابطة بعمل ما يشبه النقابة لتشكل ثقلاً اجتماعياً، فالتكتل سيكون بالتأكيد أقدر على إيصال أصوات ذوي الإعاقة من الأصوات الفردية والعمل الفردي.
يصف أكريّم اللقاء التشاوري بأنه دعوة لتجمع قادر على المطالبة بتمثيل منصف في الحوار الوطني السوري المزمع عقده ولجنة تأسيس الدستور السوري، وخصوصاً الهيئة المركزية لشؤون ذوي الإعاقة، حيث يرى أنها يجب أن تتشكل بغالبيتها أو جميعها من أشخاص ذوي إعاقة.
يختم أكريّم حديثه بشيء من التفاؤل حيث لاحظ أن مداخلات المشاركين باللقاء التشاوري اختلفت عن سابقاتها، مما يدل على أن العقلية اختلفت. فالأفكار التي كانت تطرح سابقاً على أساس الطلب من الآخرين كدعم قضايا ذوي الإعاقة وتوفير الخدمات لهم سواء من الدولة أو غيرها، تبدلت بطرح جديد يدل على اعتماد ذوي الإعاقة على أنفسهم في تحسين واقعهم وتقديم أنفسهم كشريحة فاعلة في المجتمع تطالب بحقوقها وتقوم بواجباتها.
الاستعداد للاستحقاقات السياسية القادمة
ديمة نقولا، اختصاصية تربية ونطق وناشطة في مجال ذوي الإعاقة، تقول إن اختيار صفة “الحقوقية” لهذه الرابطة يأتي من باب نشر الوعي عن حقوق ذوي الإعاقة التي يكفلها القانون. ولكن المشكلة تكمن في غياب آليات واضحة لتنفيذها من قبل القائمين، وفي المقابل غياب وعي بعض الأشخاص ذوي الإعاقة بحقوقهم والمطالبة بها.
حسب نقولا فإن اللقاء التشاوري الذي بدأ في دمشق سيعاد عقده في باقي المحافظات السورية، بهدف مد جسور التواصل بين المعنيين لإيجاد أرضية مشتركة لبدء العمل على مشاريع و أهداف تحقق قوة من شأنها أن تطالب بتمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة في الاستحقاقات السياسية والقانونية القادمة.
بدورها المهندسة سامية السيد وهي من مؤسسي الرابطة الحقوقية لذوي الإعاقة ومن أصحاب الإعاقة الحركية تصف اللقاء بأنه بذرة لبداية رابطة تهتم بشؤون جميع أنواع الإعاقة، تضم شخصيات ومؤسسات ناشطة في مجال الإعاقة، حيث تقوم بدور رقابي بالدرجة الأولى، كما أنها ستعمل على التواصل مع منظمات محلية وعالمية للحصول على الدعم والتمويل لتحسين واقع ذوي الإعاقة في سوريا.
أمل جديد أم حبر على ورق؟
حضرت الفنانة التشكيلية سناء خولي، من ذوي الإعاقة الحركية، وزوجها اللقاء التشاوري، وخبرتنا أنها منذ 35 عامًا تقدم نفس المطالب دون أن يتحقق منها شيء. إلا أن التغيير السياسي الذي حصل في البلاد جعلها تعقد أملًا جديدًا لتحقيق هذه المطالب. أما بالنسبة للرابطة الحقوقية ومخرجات اللقاء التشاوري، فتتمنى أن لا يكون مجرد حبر على ورق. أما زوجها السيد علي السعودي، فهو متفائل بما سمعه خلال هذا اللقاء التشاوري من أعضاء الرابطة، ولخص مطالبه بالتمني من المسؤولين في الإدارة السياسية الجديدة أن يتعاملوا مع ذوي الإعاقة معاملة تليق بإنسانيتهم.
محمد حمزة المش، من ذوي الإعاقة البصرية وهو طالب في السنة الثالثة بكلية الشريعة بجامعة دمشق، يرى أن هذا اللقاء التشاوري بمثابة اجتماع تأسيسي لرابطة لذوي الإعاقة في سوريا، وأن مخرجات هذا اللقاء ستكون البوصلة للعمل على دراسة قوانين متعلقة بهم، ودراسة إمكانية دعم الأشخاص ذوي الإعاقة حقوقيًا ومعنويًا.
الليث أبو حج، شاب من ذوي الإعاقة الحركية لم يستطع إكمال دراسته في اختصاص المحاسبة، تحدث عن معاناته في الحصول على عمل في الجهات الحكومية تحت حكم النظام السابق، مطالباً الإدارة الجديدة بتأمين وظائف تليق بذوي الإعاقة. أما نور الحلبي، من ذوي الإعاقة الحركية، فقد شكرت القائمين على اللقاء التشاوري وقالت إنها كانت تنتظر هذا الحدث منذ زمن، وركزت في مطالبها على تأمين الرعاية الصحية والمستلزمات الطبية والأدوية، لا سيما أن الحرب في سوريا قد تركت خلفها شريحة كبيرة من المصابين وذوي الإعاقة. وباعتبارها تعمل في مجال التسويق الإلكتروني، تمنت إحداث وكالة إعلانية يقوم كادرها على الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث أثبت العديد منهم قدرتهم على العمل في كافة الاختصاصات المطلوبة.
من جهتها، ركّزت نور الحلبي، الناشطة في مجال التسويق الإلكتروني، على ضرورة دعم ذوي الإعاقة اقتصاديًا، مقترحة إنشاء وكالة إعلانية يديرها أشخاص من ذوي الإعاقة، حيث أثبت العديد منهم قدرتهم على العمل في مختلف المجالات، لكنهم يواجهون عراقيل في الحصول على الفرص المناسبة.
قوة اجتماعية قادرة على التأثير
ذوو الإعاقة.. شريك أساسي في بناء سوريا المستقبل مع استعداد المجتمع السوري للاستحقاقات السياسية المقبلة، مثل مؤتمر الحوار الوطني وصياغة الدستور الجديد، يبرز ذوو الإعاقة كـقوة اجتماعية مؤثرة قادرة على إحداث تغيير حقيقي إذا تمكنوا من تنظيم أنفسهم بشكل فعال. وتشير إحصاءات الأمم المتحدة لعام 2021 إلى أن حوالي 28% من سكان سوريا يعانون من نوع من أنواع الإعاقة، ما يجعلهم فئة لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن مستقبل البلاد.
اليوم، لم يعد ذوو الإعاقة يطلبون حقوقهم.. بل يعملون على فرضها كواقع لا يمكن تجاوزه!